دلالة الأمر بالشيء على النهي عن ضده:
الضدان: هما اللذان لا يجتمعان وقد يرتفعان، كالوجوب والتحريم.
والنقيضان: اللذان لا يجتمعان ولا يرتفعان، كالوجود والعدم.
والخلافان: اللذان قد يجتمعان وقد يرتفعان، كالطول والحمرة.
ويعلم من ذلك أن التلبس بفعل معين يمنع من التلبس بضده أو نقيضه في الوقت نفسه، ولا يمنع من التلبس بهما في وقت آخر، وأما الخلاف فلا يمنع التلبس به التلبس بخلافه.
إذا تقرر هذا فإن بعض الأصوليين قد تجوز في إطلاق الضد في هذه المسألة فأطلقه على المخالف.
تحرير محل النزاع: اختلف العلماء في الأمر بشيء هل يعد نهيًا عن فعل ضده أو أضداده من حيث المعنى؟
أما من حيث الصياغة واللفظ فلا يختلفون في أن الأمر بالشـيء ليس عين النهي عن الضد.
ذهب جمهور العلماء إلى أن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده أو أضداده إن كان له أضداد كثيرة.
ونقل عن بعض الأشعرية قولهم إن الأمر بالشيء عين النهي عن ضده. وهذا مبني على أن الكلام اسم للمعنى القائم بالنفس، لا للفظ المسموع. وهو باطل كما عرف في موضعه.
استدل الجمهور بما يلي:
1- أنه لا يمكن الإتيان بالمأمور به إلا بترك ضده، وما لا يتم فعل الواجب إلا بتركه فهو حرام والحرام منهي عنه.
2- لو لم يكن الأمر بالشيء نهيًا عن ضده لكان تارك الأمر يعاقب على ما لم يفعله. وهذا الدليل ذكره الجصاص والمراد به: أن العقوبة لا تكون إلا على فعل من المكلف، فإذا قلنا: الأمر بالشيء نهي عن ضده من حيث المعنى صح أن نقول إن عقوبة تارك الواجب هي على تلبسه بضده فتكون العقوبة على فعل.
وإن قلنا إن الأمر بالشيء ليس نهيًا عن ضده، فإذا ترك الواجب لا يعد فاعلاً لضده فعقوبته تكون على ما لم يفعله، وعدالة الخالق تقتضـي أن لا يعاقب الإنسان على ما لم يفعل.
وقد يجاب عن هذا بأن الترك فعل فيعاقب على فعله.
3- أن الأمر يقتضي الفورية، ومن ضرورة اقتضائه الفورية أن يقتضـي النهي عن التلبس بضده؛ لأن التلبس بالضد يحول دون المبادرة بالفعل المأمور به.
أن الأمر بالشيء ليس نهيًا عن ضده ولا يقتضيه، وهو قول بعض المعتزلة واختاره الجويني والغزالي.
1- أن الضد مسكوت عنه فلم يرد له ذكر في الأمر، فلا يدل عليه.
2- أن الآمر قد يأمر بالشيء وهو غافل عن ضده، فكيف يكون ناهيًا عما لم يخطر على باله؟
أن الأمر بالشـيء يقتضـي كراهة ضده وهو اختيار السرخسـي والبزدوي من الحنفية.
أن الأمر من حيث الدلالة اللفظية لا دلالة فيه على النهي عن الضد، ولكنه يدل على النهي بطريق الاقتضاء، ودلالة الاقتضاء أضعف من دلالة النص، فيكون الثابت بها أضعف من الثابت بدلالة النهي المنصوص عليه بصيغته، فيثبت بدلالة الاقتضاء الكراهة.
الراجح - والله أعلم - هو أن الأمر بالشيء يقتضـي النهي عن ضده، أو يستلزم النهي عن ضده إذا كان المأمور معينًا وقد ضاق الوقت عن غيره.
ولا يقال هو عين النهي عن ضده كما قال بعض الأشعرية؛ لأنه من حيث الصيغة لا يمكن القول باتحادهما، وكذا من حيث المعنى الموضوع له اللفظ أصلاً.
ولا يقال إنه يقتضي النهي عن ضده مطلقًا، بل إذا كان المأمور معينًا وضاق الوقت عن الفعل وما يضاده، اقتضى النهي عن الضد، وإلا فلا.
والدليل على رجحان هذا التفصيل:
أن أدلة القول الأول لا تدل على أن الأمر المخير والموسع دالان على النهي عن الضد، فقولهم: لا يمكن الإتيان بالمأمور به إلا بترك ضده لا يصح إلا إذا حملناه على الأمر المعين الواجب فعله على الفور.
أما الواجب المخير كخصال الكفارة فيصح فعله مع غيره، وكذا الواجب الموسع لا يحرم على المكلف التلبس بضده قبل فعله إلا حين يضيق الوقت فلا يتسع إلا له وحده.
وأما دليلهم الثاني فيجاب عنه بأن الترك فعل فيكون عقاب مرتكب النهي على فعله.
ومما يدل على أن الترك فعل، قوله تعالى: ﴿ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴿ ٧٩ ﴾ ﴾ [المائدة:79].
وأما الثالث فهو يؤيد ما ذكرته، وهو أن الأمر بالشيء على الفور هو الذي يقتضـي النهي عن الضد، والفورية لا تتحقق في الواجب الموسع قبل ضيق الوقت.
وأما أدلة المانعين مطلقًا فيجاب عنها بما يلي:
قولهم: الضد مسكوت عنه. يجاب بأن دلالة الأمر على النهي عن الضد هي دلالة اقتضاء، وليست دلالة وضع، والمقتضى مسكوت عنه، ولكن دل عليه دليل من العقل أو الشرع أو العرف.
وقولهم: إن الآمر قد يكون غافلاً عن الضد. يجاب بأن هذا قد يقال في حق الآمر من البشر، ولا يقال إذا كان الآمر هو الله، وأما إذا كان الآمر من البشـر فيجاب بأن الأمر عندنا ليس من شرطه إرادة الآمر. فدلالته تحصل وتفهم سواء أرادها الآمر من البشر أم لا.
وأما قول السرخسي والبزدوي: (إنه يدل على كراهة الضد)؛ فإن كان المقصود بالكراهة كراهة التحريم فمسلم؛ لأننا لا نقول إنه يدل على التحريم قطعًا. وإن كان مرادهم الكراهة التنزيهية فممنوع.
وقولهم: إن دلالة الاقتضاء أضعف من دلالة النص، لا يدل على أن مدلولها لا يصل إلى درجة التحريم، فإن التحريم درجات من حيث طريق ثبوته.
ذكر الأصوليون بعض الفروع التي تنبني على هذه القاعدة، ومنها:
1- إذا قال الزوج: إن خالفت نهيي فأنت طالق، ثم أمرها بشيء ففعلت ضده فهل تطلق؟ على القول بأن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده تطلق، وعلى القول الثاني لا تطلق، وعلى المختار تطلق إلا إذا كان الأمر مخيرًا أو موسعًا.
2- المأمور بالقيام في الصلاة، إذا جلس ثم قام، فهل يحرم عليه ذلك؟ على القول الأول نعم وعلى القول الثاني لا يحرم عليه ذلك وعلى قول السرخسي والبزدوي يكره ذلك. ولا بد أن يستثنى من هذا جلسة الاستراحة عند من يرى استحبابها، فإنها عنده مندوب إليها.
3- المصلي مأمور بالسجود على محل طاهر، فإن سجد على محل نجس ثم على طاهر فهل تبطل صلاته؟
قال السرخسي: (إن المسألة مبنية على أن الأمر بالشيء هل يقتضي نهيًا عن ضده. فمن قال يقتضي النهي عن ضده أبطلها ومن لا فلا).
4- المصلي مأمور بالإنصات لقراءة الإمام، لقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا ﴾ [الأعراف:204]، والآية نازلة في الإنصات لقراءة الإمام. فلو قرأ المأموم في أثناء قراءة الإمام فهل يأثم؟ من قال: إن الأمر بالشيء نهى عن ضده يؤثمه، ومن لا فلا.
وإذا ترجح عنده تخصيص عموم الآية بحديث: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»، فلا يمكن الجزم بتأثيمه.
وإن قلنا: إن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن الضد، وإنما يؤثمه من يقول الآية نزلت في قراءة الإمام في الصلاة وصورة السبب لا يمكن خروجها بالتخصيص. وقد نقل عن الإمام أحمد قوله إن الآية في قراءة الإمام في الصلاة ونقل الاتفاق على ذلك.
الخلاف في قاعدة الأمر بالشيء هل يقضي النهي عن ضده يرجع إلى ثلاثة أسباب:
1- قولهم: لا تكليف إلا بفعل. فإذا سلموا هذه القاعدة وقالوا الترك ليس فعلاً، فلا بد أن يقولوا الأمر بالشيء يقتضي النهي عن الضد، حتى تكون العقوبة على فعل الضد لا على مجرد الترك.
2- اشتراط الإرادة في الأمر والنهي وعدم اشتراطها، فمن اشترطها لم يقل إن الأمر بالشيء نهي عن ضده؛ لاحتمال غفلة الآمر عن الضد، ومن لم يشترطها قال: الأمر بالشيء نهي عن ضده، أو يستلزم النهي عن ضده.
3- اقتضاء الأمر الفورية أو عدمه، فالقول بأن الأمر المطلق يقتضي الفورية، يناسبه أن يقول: الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده، بخلاف القول بعدم الفورية، فإنه يناسب القول بأن الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن الضد.