حجم الخط:

محتوى الدرس (44)

الأمر بعد الحظر:

[توضيح المسألة]:

اشتهر عند الفقهاء قولهم: الأمر بعد الحظر للإباحة، والأصوليون اختلفوا في ذلك.

وصورة المسألة: أن يرد حظر من الشارع لفعل ما، سواء فهم هذا الحظر من نهي صريح، أم من غيره، ثم يرد أمر بذلك الفعل.

مثال الأمر بعد الحظر الصريح: قوله: «كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي، فكلوا منها وادخروا» [أخرجه أحمد والترمذي ومعناه في الصحيحين] فالنهي عن الادخار جاء الخبر عنه صريحًا ثم أعقبه أمر بالادخار.

ومثال النهي غير الصريح: ما جاء في حديث الرجل الذي قال للنبي : يا رسول الله، إني اكتتبت في غزاة كذا وكذا، وإن امرأتي ذهبت للحج، فقال له النبي : «انطلق وحج مع امرأتك» [أخرجه البخاري ومسلم].

ففي هذا الحديث لم يرد نهي عن ذهاب ذلك الرجل مع امرأته، ولكنه فهم من اكتتاب اسمه في إحدى الغزوات فيكون منهيًا عن التخلف عن الغزوة، ثم جاء أمر الرسول بالانطلاق مع امرأته للحج.

وقد مثل ابن اللحام بهذا المثال، وقد ينازع فيه.

ومحل النزاع في هذه المسألة حيث لم توجد قرينة قوية تدل على حمل الأمر على الوجوب أو الإباحة أو الندب. أما حيث وجدت قرينة فيعمل بمقتضاها.

والأصوليون يقررون في كثير من مسائل الخلاف أن محله حين تعدم القرينة، مع أنه من النادر أن تعدم القرينة، ولكنهم يقررون المبدأ العام، أو الأصل الذي يبنى عليه الحكم عند الاختلاف في القرائن ودلالتها؛ لأن القرائن كثيرًا ما يجري الخلاف فيها وكثيرًا ما يدعي كل فريق أنها تشهد لقوله.

الأقوال:

القول الأول:

أن الأمر بعد الحظر للإباحة. وهو قول الشافعي، كما حكاه عنه ابن القطان، وابن السمعاني، والآمدي، والأسنوي، وغيرهم.

وقال القاضي عبدالوهاب، وابن خويز منداد: (إنه قول مالك). ونقله ابن برهان عن أكثر الفقهاء. واختاره ابن قدامه.

ويقرب من هذا القول في التطبيق قول ابن تيمية: (إن الأمر بعد الحظر يرفع التحريم، ويعود الحكم إلى ما كان عليه قبل الحظر، فقد يكون مباحًا، وقد يكون مندوبًا، وقد يكون واجبًا)[1].

الأدلة:

1- العرف الشرعي في استعمال الأمر بعد الحظر هو استعماله للإباحة، ومن ذلك:

- قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ۚ [المائدة:2].

- وقوله تعالى: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [الجمعة:10]، وليس البيع والشراء واجبًا بعد الجمعة باتفاق.

- وقوله تعالى: ﴿ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ۚ [البقرة:222] وليس إتيان النساء بعد الطهر واجبًا بل مباحًا.

- ومن السنة قوله : «كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فأمسكوا ما بدا لكم»، وفي رواية: «فكلوا وادخروا» [أخرجه مسلم].

- وقوله : «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها» [أخرجه مسلم]، ولم يقل أحد بوجوب زيارة القبور، وإنما قالوا باستحبابها للرجال؛ لقوله في آخر الحديث: «فإنها تذكركم الآخرة».

2- العرف اللغوي:

فإن أهل اللغة متفقون على أن السيد لو قال لعبده: لا تأكل هذا الطعام، ثم قال له: كل، لم يكن هذا إيجابًا يستحق على تركه العقوبة، وكذلك إذا قال لمن طرق الباب: ادخل، فإنه ليس إيجابًا للدخول، وإنما هو إذن فيه.

القول الثاني:

إن الأمر لا تختلف دلالته بعد الحظر عن دلالته لو لم يسبق بحظر، وهذا مذهب أكثر الفقهاء والمتكلمين[2].

ولكن الفقهاء يقولون: يبقى على الوجوب، وكثير من المتكلمين يقولون يبقى على الاستحباب؛ بناء على قولهم في أصل دلالة الأمر المطلق.

دليل هذا القول:

1- أن الأمر الواقع بعد الحظر يكون ناسخًا له، وقد ينسخ التحريم بالإيجاب أو الإباحة أو الندب وإذا احتمل المعاني الثلاثة فالأصل حمله على معناه الأصلي وهو الوجوب عند الجمهور.

2- قياس الأمر بعد الحظر على النهي بعد الأمر فكما أن النهي إذا جاء بعد الأمر يحمل على التحريم الذي هو معناه قبل سبقه بالأمر فكذلك الأمر بعد الحظر، يحمل على الوجوب.

3- عموم الأدلة الدالة على أنه للوجوب.

واعترض القائلون بالوجوب على القائلين بالإباحة وقالوا: لا يوجد عرف شرعي مستقر، بدليل أن بعض الآيات جاء فيها الأمر بعد الحظر، وحملت على الوجوب باتفاق. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [التوبة:5].

القول الثالث:

إذا ورد الأمر بصيغة: (افعل) ونحوها، فهو للإباحة، وإن ورد مصرحًا فيه بلفظ الأمر كقوله: أنتم مأمورون، أو إني آمركم، فيحمل على الوجوب. وهذا التفصيل اختيار ابن حزم الظاهري، والمجد ابن تيمية.

دليله: أن العرف الشرعي جرى في الأمر بصيغة (افعل) ونحوها، وأما لفظ الأمر المصرح فيه بمادة (أمر) فلا عرف فيه فيبقى على الوجوب.

وهذا الرأي مبني على أن صيغة (افعل) أو (لتفعل) ونحوهما، من الظاهر، وصيغة: أنتم مأمورون ونحوها، من النص الصريح.

الترجيح:

الراجح: هو القول الأول، وهو حمل الأمر بعد الحظر على الإباحة إلا أن يقوم دليل على خلاف ذلك.

وما ذكره أصحاب هذا الرأي من الاستدلال بالعرف الشـرعي والعرف اللغوي كاف في الدلالة على المطلوب.

وأما اعتراض أصحاب القول بالوجوب بآية: ﴿ فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [التوبة:5]، فيجاب عنه بأن هذه الآية لا تدل على وجوب قتل المشركين، وإنما يستفاد الوجوب من غيرها. ولو لم يرد في قتال المشركين إلا هذه لما كانت دالة على الوجوب.

وأما قياس الأمر على النهي فهو ضعيف؛ للفرق بينهما من جهة أن النهي يقتضـي الاستمرار في ترك المنهى عنه، والأمر لا يقتضى التكرار كما تقدم. وأيضًا فإن هذا قياس في اللغة وهو ممنوع عند الأكثر.

ثم إن عرف الاستعمال الشرعي واللغوي صرفه عن مقتضاه في أصل الوضع.

وبمثل هذا يجاب عن تمسكهم بعموم الأدلة الدالة على أن الأمر المطلق للوجوب.

وأما قول ابن حزم والمجد ابن تيمية فمردود بعدم الفرق بين الإخبار عن أمر الله أو رسوله، والأمر من الله أو رسوله بصيغه المعروفة. فإذا سلم جريان العرف في الثاني فالأول مثله.

وأما قول شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن الأمر بعد الحظر يعيد الفعل إلى ما كان عليه قبل ورود الحظر)، فقد نسب للمزني، واختاره بعض المتأخرين، وقد يفسـر به قول بعض المتقدمين كالقفال الشاشي، وهو قريب من حيث التطبيق من القول الأول، وفيه جمع بين الآيات التي جاء فيها الأمر بعد الحظر وحملت على الإباحة، مثل: ﴿ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ [الجمعة:10]، والآيات التي جاء فيها الأمر بعد الحظر وحملت على الوجوب، نحو: ﴿ فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [التوبة:5].

ثمرة الخلاف:

تظهر ثمرة الخلاف في مسائل منها:

1- قوله : «انطلق فحج مع امرأتك» هل يمكن أن يستدل به على الوجوب؟ فيقال: يجب على الرجل مرافقة زوجته في حج الفريضة؟ قيل: نعم؛ عملاً بظاهر اللفظ، والأكثر لم يوجبوا عليه ذلك؛ لكونه أمرًا بعد حظر فلا يفيد الوجوب، بل الإباحة. والندب مستفاد من كونه من الإحسان للزوجة.

2- قوله تعالى: ﴿ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ۖ [النور:33]، هل يمكن أن يستدل به على وجوب مكاتبة العبد إذا علم السيد فيه خيرًا؟

قيل: نعم؛ أخذا بظاهر الأمر، والجمهور قالوا: لا يجب؛ لأنه أمر بعد حظر، فلا يفيد الوجوب. والحظر هنا غير منصوص عليه ولكنه مفهوم مما عرف عن الشارع؛ لأنه لا يوجب على المالك أن يبيع شيئًا من ماله مؤجلاً. فثبوت ملك السيد لعبده بمثابة المانع من المكاتبة.

وقال الزركشي: (إنه على خلاف القياس، فكان كالممنوع منه؛ إذ من حقه التحريم لولا ورود السمع)[3].

3- قوله تعالى: ﴿ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ۚ [البقرة:222] بعد قوله: ﴿ فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ۖ [البقرة:222]، فالأمر باعتزال النساء في المحيض نهي عن الجماع والأمر بإتيانهن أمر بالجماع جاء بعد الحظر، فهل يمكن أن يستدل بقوله تعالى: (فأتوهن) على وجوب الوطء؟

الأكثر قالوا: لا يجوز؛ لأنه أمر جاء بعد حظر فكان إذنًا وإباحة.

وقال بعضهم: نعم يصلح دليلاً؛ عملاً بالظاهر.

وقال ابن تيمية: (الأمر رفع الحظر وعاد الحكم على ما كان عليه قبل ذلك، والوطء واجب على الرجل مع القدرة بقوله تعالى: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ [النساء:19] ونحوها من الأدلة).

سبب الخلاف:

الخلاف راجع إلى أن تقدَّم الحظر على الأمر هل يصلح قرينة توجب صرفه عن ظاهره إلى الإباحة؟ فمن قال: تقدم الحظر قرينة، صرفه عن الوجوب إلى الإباحة، أو أبطل الوجوب، وقال: يرجع إلى ما كان عليه قبل الحظر.

ومن قال: لا يعد قرينة صارفة، حمله على الوجوب إن كان ممن يقول إن الأمر المطلق للوجوب، أو على الندب إن كان ممن يقول إنه للندب.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة