حجم الخط:

محتوى الدرس (47)

اقتضاء النهي الفساد:

[تمهيد]:

هذه المسألة من المسائل الكبيرة في أصول الفقه، وقد اعتنى بها العلماء عناية كبيرة حتى إن بعضهم لا يذكر في باب النهي إلا هذه المسألة.

وقد أفردها العلائي بمؤلف مستقل سماه: (تحقيق المراد في أن النهي يقتضي الفساد) وهو مطبوع محقق.

وقبل أن نشرع في المسألة نذكّر القارئ الكريم بما سبق من الخلاف في البطلان عند الحنفية والجمهور، وأن الحنفية قد يسمون الفعل أو العقد فاسدًا، ولكنهم لا يعدونه باطلا من كل وجه، وإنما يرتبون عليه آثاره أو بعضها؛ لأنهم يفرقون بين الفساد والبطلان.

وأما الجمهور فحيث أطلقوا الفساد في هذه المسألة فإنهم يريدون البطلان، وعدم ترتب آثار الفعل عليه سواء أكان عبادة كالصوم والصلاة، أم عقدًا كالبيع والإجارة، أم إيقاعًا كالطلاق والعتاق.

محل النزاع في المسألة:

أطلق بعض العلماء محل النزاع وأدخل فيه كل نهي سواء حمل على التحريم أم على الكراهة. وقيده بعضهم بأن يكون النهي للتحريم.

وأخرج بعض العلماء النهي عن العبادات وزعم الاتفاق على أن النهي عنها يقتضي بطلانها. وليس الأمر كذلك كما ستعرف.

· وقسم بعضهم النهي ثلاثة أقسام:

أ- النهي عن الشيء لعينه، وهذا لا يختلفون في أنه يقتضي فساد المنهي عنه، ومثلوه بالنهي عن بيع الكلب. والنهي عن بيع النجاسات.

ب- النهي عن الشيء لوصف ملازم له، وهذا فيه الخلاف بين الحنفية والجمهور، كالنهي عن البيوع الربوية وبيوع الغرر.

ج- النهي عن الشيء لأمر خارج، مثل النهي عن الغصب هل يقتضـي فساد الصلاة في الدار المغصوبة؟ وهل يقتضي بطلان صلاة المتوضئ بالمغصوب؟ وبعضهم يمثله بالنهي عن البيع بعد نداء الجمعة الثاني وقالوا: إن الخلاف في القسم الثاني. دون الأول والثالث.

· والظاهر أن الخلاف جارٍ في القسمين الأخيرين.

وأما القسم الأول فقد اتفقوا على أنه يقتضي البطلان. ولكن الإشكال يحصل في حد المنهي عنه لعينه، فإنهم لم يذكروا له حدًا يتميز به، ولهذ فإنهم يختلفون عند التطبيق، فقد يقول قائل إن الربا منهي عنه لعينه، وينازعه الآخر ويقول، بل هو منهي عنه لوصفه.

وهذه المسألة ذات صلة وثيقة بمسألة أخرى من مسائل الأمر وهي أن الأمر هل يتناول المكروه؟ وقد يعبّر عنها بعضهم بقوله: هل المكروه مأمور به؟ فيحدث هذا التعبير إشكالاً عظيمًا عند الدارسين؛ إذ يقول أحدهم: إذا كان المباح ليس مأمورًا به فكيف يكون المكروه مأمورًا به؟

· وحقيقة الأمر أن مرادهم بذلك:

أن المكلف إذا فعل المأمور به على صفة فيها كراهة، فهل يقبل منه ويجزئه، حتى نقول فَعَلَ المأمور به؟ ويعنون بالكراهة هنا ما يشمل كراهة التحريم وكراهة التنزيه كما تدل عليه أمثلتهم، فإنهم يمثلونها بالطواف منكسًا، وبالصلاة مع رفع البصر، والصلاة في الأماكن المنهي عن الصلاة فيها كالمقبرة ونحو ذلك.

وفي تقديري أنه ينبغي التفريق بين المسألتين: مسألة اقتضاء النهي الفساد، ومسألة تناول الأمر للمكروه.

ففي المسألة الأولى يجب أن نقتصر على أن النهي عن الشيء هل يقتضـي فساده؟ وحينئذ تنحصر في الأشياء التي ورد النهي عنها كالصلاة في الأماكن السبعة، والبيع على بيع أخيه، وصيام يومي العيدين. ونحو ذلك؛ لورود النهي عن هذه الأشياء.

وأما الثانية فيجب حصرها على عبادة ورد الأمر بها وورد النهي عن شيء ذا صلة بها ولكنه ليس خاصًا بها، مثل: الصلاة مأمور بها بإطلاق، والغصب منهي عنه بإطلاق، فإذا صلى في الدار المغصوبة يكون قد أتى بالمأمور به على صفة فيها كراهة، ولم يرد نص في النهي عن الصلاة في الدار المغصوبة. وكذلك الصلاة بوضوء مغصوب أو في ثوب حرير ونحو ذلك، فهذه كلها لم يرد فيها بخصوصها نهي فيما أعلم، فإذا لم يرد نهي عن الصلاة على تلك الصفة، فتدخل تحت مسألة الأمر هل يتناول المكروه أو المنهي عنه من وجه آخر؟

[تفصيل المسألة]:

وحيث إن الأكثرين جعلوا مسألة اقتضاء النهي الفساد شاملة للمسألتين السابقتين فالواجب أن نفصل فيها على النحو التالي:

1- النهي عن الشيء لذاته: لا خلاف في أنه يقتضي البطلان، وقد يمثله الحنفية بالنهي عن بيع حبل الحبلة، وبيع الكلب، والخنزير، والنجاسات.

2- النهي عن الشيء لوصف ملازم: كالنهي عن صوم يوم العيد، وعن بيوع الربا. وهذا يقتضي الفساد عند جمهور العلماء.

وذهب بعض علماء الحنفية إلى أنه في هذا القسم يفرق بين العبادات وغيرها؛ ففي العبادات يقتضي الفساد، فصيام يوم النحر باطل باتفاق.

وأما المعاملات كبيع درهم بدرهمين، فهو عندهم بيع فاسد، ولكن يثبت به الملك مع التقابض.

فهم وإن سموه فاسدًا لكنه عندهم ليس بباطل كما هو عند الشافعية والحنابلة؛ وذلك لأن الفساد عرض له لأجل الزيادة فلو ردت الزيادة لصح البيع.

والمالكية وافقوا الجمهور في القاعدة، ولكنهم في البيوع الربوية يرون ثبوت الملك بها في بعض الحالات كهلاك السلعة، وانتقال الملك وتغير الأسواق[1].

ومن علماء الحنفية من قال: إن هذا القسم لا يقتضي الفساد، لا في العبادات، ولا في المعاملات؛ بدليل أن نذر صيام يوم النحر ينعقد عند علماء المذهب، ولكن ليس له أن يصومه بل عليه أن يصوم يومًا مكانه، فلو صامه عصى وانحلّ نذره، ولا قضاء عليه عند أبي حنيفة خلافًا للصاحبين[2].

3- وأما القسم الثالث، وهو النهي المتعلق بأمر خارج عن المأمور به ذا صلة به من حيث كونه متعلقًا بشرط من شروطه الشرعية أو العقلية أو العادية، فهذا لا يقتضـي الفساد عند أكثر العلماء، ويقتضيه عند الإمام أحمد في رواية، وعند الظاهرية.

وقولهم: المنهى عنه لأمر خارجي: عبارة لا تصح إلا بشيء من التسامح؛ لأن النهي لم يتجه للمأمور به بل لما له تعلق به.

ومثاله: الصلاة في الدار المغصوبة، والوضوء بماء مغصوب، والذبح بسكين مغصوبة، وتلقي الركبان لشراء ما معهم، فإن النهي في هذه المسائل انصب على الغصب، وعلى تلقي الركبان، وليس على الصلاة والوضوء والذبح والبيع.

والراجح فيما كان النهي فيه راجعًا إلى أمر خارجي أنه لا يقتضي فساد المأمور به، وإن كان متصلاً بشرط من شروطه كالصلاة في الدار المغصوبة، وفي الثوب الحرير للرجل، وفي الثوب المغصوب فالنهي عن الغصب في الأولى تعلق بشرط عادي، وهو أن العادة تقتضي بأنه لا بد للصلاة من مكان، فالمكان شرط عادي للصلاة، وقد تعلق به النهي، وفي الثانية والثالثة تعلق النهي بشرط شرعي، وهو ستر العورة.

[الأدلة]

الأدلة على أن النهي يقتضـي الفساد في القسمين الأولين:

(المنهي عنه لذاته، أو لوصف ملازم):

1- قوله : «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا، فهو رد» [أخرجه مسلم].

ومعناه: أن كل عمل ليس من أمر الإسلام ولا من شرعه فهو مردود على صاحبه والمنهي عنه ليس عليه أمر الإسلام، فيكون مردودًا.

2- إجماع الصحابة والتابعين على بطلان البيوع الربوية للنهي عنها.

3- حديث فضالة بن عبيد في بيع القلادة التي فيها خرز وذهب بذهب وفيه الأمر بردها [أخرجه مسلم].

4- أن المنهي عنه مفسدة، والقول بصحته مع النهي عنه يدفع المكلفين إلى عصيان النهي، ومعلوم أن من عادة الشارع إذا حرم شيئًا أنه يضيق الطرق الموصلة إليه، وفي تصحيح المنهي عنه فتح لذريعة المحرم، وهذا ينافي عادة الشرع.

5- أن الصحة تضاد النهي؛ لأن الصحيح مأذون فيه، والمنهي ليس مأذونًا فيه، فلا يمكن أن يكون منهيًا عنه وصحيحًا في آن واحد.

أدلة من قال إن النهي لا يقتضي فساد المنهي عنه:

1- أن النهي لا تعرّض فيه للصحة ولا للفساد، وإنما معناه تحريم الفعل وتحريم الفعل لا يمنع ترتيب آثاره عليه إذا فعل.

2- أن المنهي عنه لابد أن يكون متصور الوقوع؛ لأن الشارع لا ينهى عن المستحيل عقلاً أو شرعًا أو عادة. فثبت أنه ممكن الوقوع، والواقع هو المعنى الشـرعي، فثبت أن النهي عن الشيء دليل على صحته لو وقع.

3- أن الشرع نهى عن الطلاق في الحيض، وقال أكثر العلماء بوقوعه، ولو أن النهي يقتضي الفساد لما وقع.

[الترجيح]:

والصحيح القول الأول، ويجاب عن أدلة القول الثاني بما يلي:

1- قولهم: إن النهي لا تعرض فيه للصحة والفساد، هو محل النزاع، فلا يصح الاستدلال به، وإذا كان المقصود أنه من حيث اللغة لا تعرض فيه لذلك فإننا نقول: دلالته على الفساد من قبيل العرف الشرعي.

2- قولهم: إن المنهي عنه لابد أن يكون متصور الوقوع. يجاب بأنه يتصور وقوع صورته في الوجود وأما حقيقته الشرعية فلا تقع مع النهي عنه.

3- قولهم: إن الطلاق في الحيض منهي عنه ومع ذلك يقع. عنه جوابان:

الأول: جواب من لا يرى وقوع الطلاق في الحيض ويطرد القاعدة في هذه المسألة وغيرها، وهؤلاء منعوا وقوع الطلاق في الحيض.

الثاني: جواب من يرى وقوع الطلاق في الحيض، وهؤلاء قالوا: إن آثار الفعل إن كانت مما يضر بالفاعل فتقع عقوبة له، وأما إن كانت مما ينفعه فلا تقع والطلاق في الحيض قلنا بوقوعة نكاية بالفاعل.

وأما النهي الذي لم يتجه إلى الفعل وإنما توجه لأمر خارجي له علاقة بالفعل كشرطه أو محله فالظاهر أنه لا يقتضي فساد الفعل المأمور به أو المأذون فيه كما تقدم.

ومثاله: الصلاة في الدار المغصوبة؛ فإنه لم يرد نهي عن الصلاة في الدار المغصوبة، وإنما ورد النهي عن الغصب والأمر بالصلاة، فإذا صلى في الدار المغصوبة صحت صلاته، وعليه إثم الغصب. وكذلك حج المرأة بلا محرم يصح، وتسقط به الفريضة، وتأثم على خروجها بلا محرم.

وكذلك يقال في البيع مع تلقي الركبان، والبيع مع النجش، فإنهما ينعقدان مع الإثم.

والدليل على ذلك أن الأمر والنهي في هذه الصور لم يردا على محل واحد، بل على محلين فيمكن أن يصح الفعل المأمور به أو المأذون فيه، ويترتب الإثم على مخالفة النهي، فالمصلي في الدار المغصوبة يثاب على صلاته ويأثم على غصبه، والبيع مع النجش يصح، ويثبت به الملك، ويأثم الناجش، ويثبت الخيار للمشترى إذا غبن.

ومما يدل على ذلك أيضًا أن الفعل في هذه الصورة مستكمل الشـروط والأركان فيجب الحكم بصحته.

وأدلة القائلين إن النهي لا يقتضـي الفساد مطلقًا تحمل على هذه الصورة دون غيرها. والله أعلم.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة