طرق دفع التعارض الظاهري:
لدفع التعارُض الظاهريّ بين الأدلّة ثلاثُ طرقٍ، هي:
1- الجمع بين الدليلين.
2- الحكم بنسخ أحد الدليلين بالآخَر.
3- الترجيح.
وقد اختلف العلماءُ فيما يجبُ المصيرُ إليه أوّلاً:
فذهب الحنفية إلى أن المرتبةَ الأولى مرتبةُ النسخ، فإذا أمكنَ نسخُ أحد الدليلين بالآخَر وجب المصيرُ إليه؛ لأنه يُبيِّن أن الدليلين لم يتواردا على زمانٍ واحدٍ.
فإن لم يُمكنْ معرفةُ التأريخِ فيلجأُ المجتهدُ إلى الجمع بينهما بتأويلهما أو تأويل أحدهما.
فإن لم يُمكنْ ذلك لجأ إلى الترجيح.
وعند الجمهور المقدَّمُ هو الجمعُ بين الدليلين إذا أمكنَ بحمل العامّ على الخاصّ أو المطلّقِ على المقيَّد، أو حملِ كلٍّ منهما على حالةٍ غير التي يُحمل عليها الآخَرُ.
فإن لم يُمكنْ نظر في التأريخ، فإنْ أمكن معرفتُه عددنا المتأخِّرَ ناسخًا للمتقدِّم.
فإن لم يُعرف التأريخُ لجأنا إلى الترجيح.
وإليك بيانُ كلٍّ من هذه الطرق وأمثلتها.
ويُمكنُ تعريفُه بأنه: إظهارُ عدمِ التضادِّ بين الدليلين المتضادَّينِ في الظاهر بتأويل كلٍّ منهما أو بتأويل أحدِهما.
طرقُ دفعِ التعارُضِ تشتركُ في أنها تُبيِّنُ عدمَ التضادِّ بين الدليلين المتعارضينِ في الظاهر، وينفصلُ الجمعُ عن الآخَرين بأنْ يكونَ بالتأويل. والتأويل - كما تقدَّم - صرفُ اللّفظ عن ظاهره لدليلٍ.
والتأويلُ للجمع بين الدليلين قد يكونُ تأويلاً لهما معًا، بأنْ يُحملَ كلٌّ منهما على حالةٍ.
مثاله: الجمع بين حديث: «ألا أُخبِرُكم بخير الشُّهداء؟ الذي يأتي بالشهادةِ قبلَ أنْ يُسأَلَها» [أخرجه مسلم عن زيد بن خالد]، وحديث: «إن بعدَكم قومًا يخونون ولا يُؤتَمنونَ، ويَشهدون ولا يُستشهدون» [متفق عليه عن عمران بن حصين].
وذلك أن الحديثَ الأولَ يدلُّ على مدحِ مَن يأتي بالشهادةِ قبلَ أنْ يُسألَها، والثاني يدلُّ على ذمِّه. فيُجمَعُ بينهما بحمل الأول على مَن لديه شهادةٌ لصاحب حقٍّ لا يعلمُ بها صاحب الحق، والثاني على مَن لديه شهادةٌ بحقٍّ وصاحبُه يعلمُ بذلك، ولم يطلبْ منه أنْ يشهدَ.
وقد يكون بتأويل أحدِهما دون الآخَر، مثل حمل العامِّ على الخاصِّ، والمطلَقِ على المقيَّدِ.
مثاله: الجمع بين حديث: «فيما سقت السماءُ... العشرُ» [أخرجه البخاري عن ابن عمر مرفوعًا]، وحديث: «ليس فيما دون خمسة أوسُقٍ صدقةٌ» [أخرجه مسلم عن جابر مرفوعًا].
وذلك بحمل الأول على ما بلغ خمسةَ أوسُقٍ، بحيثُ يكونُ معناه: فيما سقت السماءُ العشرُ إذا بلغ خمسةَ أوسقٍ مما يُكال ويَدَّخرُ.
وأمثلةُ هذا النوع أكثرُ من أنْ تُحصى.