وقد جرت عادةُ الأصوليين أنْ يفصلوا الترجيحَ بين الأدلّة النقلية عن الترجيح بين الأدلّة العقليّة.
فلْنأخذ كلَّ نوعٍ على حِدةٍ، فنقول:
طرقُ الترجيح بين الأدلّة النقليّة:
وله ثلاثة أوجه:
1- الترجيح من جهة السند.
2- الترجيح من جهة المتن.
3- الترجيح لأمرٍ خارجيّ.
وله طرقٌ، أهمُّها:
فيُرجَّحُ الخبرُ الذي رُواتُه أكثرُ على الخبر الذي رُواته أقلُّ.
مثاله: رواية رفع اليدين عند الركوع الواردةِ من حديث جماعةٍ من الصحابة، منهم: علي بن أبي طالبٍ، وابن عمرَ، ومالك بن الحويرث، وأبو حميد الساعديّ، ووائل بن حجر. وغيرهم، تُرَجح على رواية البراء بن عازب: «أن النبيَّ ﷺ كان يرفعُ يديه عند تكبيرة الإحرام، ثم لا يعودُ» [أخرجه أبو داود والدارقطني] بأن الخبرَ الأولَ أكثرُ رواةً.
وقد خالف الحنفيةُ في الترجيح بالكثرة، وقاسوا الأخبار على البيِّنات كالشهادات، فكما أن الحقَّ لو شهد به شاهدان ثبت، ولا يزيدُ ثبوتُه بشهادة ثلاثة أو أربعةٍ، أو بمعارضتهم، فكذلك لا يُرجَّحُ بالكثرة في الرواية.
والراجح: صحَّةُ الترجيح بالكثرة في الأخبار؛ لأن الأخبارَ تختلف عن الشهادة في هذا، فالشهادةُ لها نِصابٌ، إذا وُجد تمّتْ وقضى بها القاضي، وأما الرواية فليس لها نِصابٌ محدَّدٌ، ولهذا قد تصلُ الروايةُ إلى التواتر أو الاستفاضة، وقد تقفُ عند درجة الآحاد.
وأيضًا فإن الشهادةَ فيها شائبةُ التعبُّد، بدليل أنها لا تُقبَلُ بلفظ الخبر، ولا تُقبَلُ شهادةُ النساء منفردات، بخلاف الخبر.
وذهب القاضي الباقلاني والغزالي إلى أن العبرةَ بظن المجتهد، فإن غلب على ظنِّه صدقُ الواحد أخذ بحديثه وترك حديثَ الاثنين أو الثلاثة. وهو قريبُ من قول الحنفية.
فتُقذَّمُ روايةُ الفقيه على غيره مطلقًا، أي: سواء أكانت الروايةُ باللّفظ أو المعنى، وتُقدَّمُ روايةُ الأفقه على رواية الأقلِّ فقهًا. وقيل: بل تُقدَّم روايةُ الفقيه إذا كانت الروايةُ بالمعنى دون اللّفظ.
والأول هو الراجح؛ لأن الفقيهَ أقدرُ على نقل اللّفظ والمعنى من غيره، ولأن الفصلَ بين ما رُويَ باللّفظ وما رُويَ بالمعنى ليس بالأمر الهين.
مثالُه: تقديمُ رواية عمر وابنه وابن مسعود وابن عباس على رواية معقِل بن سنان، ونحوه، ممن قلّت مخالطتُهم للرسول ﷺ والتفقُّه عليه، وكذلك الأمرُ فيمَن بعد الصحابة من الرُّواة، فتُقدَّمُ روايةُ إبراهيم النخعيّ عن علقمةَ عن ابن مسعود، على رواية الأعمش عن أبي وائل عن ابن مسعود؛ فالأعمش وأبو وائل أقلُّ فقهًا من النخعيّ وعلقمةَ.
3- كونُ أحدِ الراويين صاحبَ الواقعة أو له صلةٌ قويّةٌ بما رواه:
مثال تقديم رواية صاحب الواقعة: تقديم روايةِ ميمونة رضي الله عنها: تزوجني رسولُ الله ﷺ ونحن حلالان [رواه أبو داود]، على رواية ابن عباسٍ رضي الله عنهما: أن رسول الله ﷺ نكحها وهو محرمٌ [متفق عليه].
ومثال تقديم خبر مَن له صلةٌ قويّةٌ تقديمهم لخبر عائشةَ رضي الله عنها: أن رسولَ الله ﷺ كان يُصبِح جنبًا من غير احتلامٍ، ويصوم [متفق عليه]، على خبر أبي هريرة رضي الله عنه: «مَن أصبحَ جنبًا فلا صومَ له» [متفق عليه].
4- كونُ أحدِ الراويين ممن تأخَّر إسلامُه:
والحجّةُ في تقديم المتأخِّر إسلامًا أن تأخُّرَ إسلامِه دليلٌ على تأخُّرِ حديثه، فيكونُ ناسخًا لما يُعارضه.
ومثّلوه بتقديم رواية أبي هريرة رضي الله عنه في نقض الوضوء بمسِّ الذكر [أخرجه أحمد]، على رواية طلْق رضي الله عنه في عدم نقضه [أخرجه الخمسة].
ونازع في ذلك الآمديُّ، وصحّح العكس. واشترط بعضُهم أنْ يكونَ إسلامُ المتأخِّر بعدَ موت المتقدِّم؛ لنجزمَ بتأخُّر سماعِ المتأخِّر من الرسول ﷺ.
فيُقدَّمُ الأقوى في الحفظ والضبط على مَن دونه، وهذا يُعرفُ بالتجربة والتتبُّعِ لمرويّاته وسيرته. ومثّله إمامُ الحرمين بتقديم رواية عبيد الله بن عمر بن عبد العزيز على رواية أخيه عبد الله؛ لأن الشافعيَّ قال: (بينهما فضلُ ما بين الدرهم والدينار).
6- يُقدَّمُ المسنَدُ على المرسَلِ؛ للخلاف في حجّية المرسَل:
وقال بعضهم: المُرسَلُ إذا كان عن ثقةٍ لا يُرسلُ إلاّ عن ثقات مثل المسنَد أو أولى منه؛ لما روي عن إبراهيم النخعي أنه قال: (إذا قلتُ لكم: قال ابن مسعود فقد سمعته من كثيرٍ من أصحابه، وإذا قلت: حدّثني فلانٌ فهو الذي حدّثني) [أخرجه الدارقطني في سننه].
وله طرقٌ، أهمها:
1- ترجيحُ الخاصِّ على العامِّ، والأخصُّ من العامَّين على الأعم منهما:
وهذا مذهب جمهور الأصوليين من المذاهب الثلاثة. وعند الحنفية: أنهما سواءٌ، وهو روايةٌ عن الإمام أحمدَ.
وعلى ذلك: فإذا عُرف المتأخِّرُ فهو ناسخٌ للمتقدِّم في القدر الذي اشتركا فيه، وإنْ جُهل التاريخُ توقَّف العملُ على عمل الصحابة بأيِّهما كان.
وعلى الأول يكونُ الخاصُّ مخصِّصًا للعامِّ مطلَقًا، ومقدَّمًا عليه. وقد تقدّم تمثيلُه في العموم والخصوص.
وكذا يكونُ الأخصُّ من العامَّين مقدَمًا على الأعمّ منهما. كما يقدَّمُ حديثُ: «مَن قَتل قتيلاً فله سلَبُه» على عموم قوله تعالى: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ﴾ [الأنفال:41] مع أن الحديثَ فيه عمومٌ من جهة المستحِقّ للسلَب، ومن جهة السلَب نفسِه، فإنه يشملُ الثيابَ والسلاحَ، ولكنه أخصُّ من الآية فإنها عامّة في جماعة المسلمين، وعامّةٌ من جهة الغنيمة (ما غنمتم). وعند الحنفية أن السلَبَ يُخمَّسُ كسائر الغنيمة، ولا يرون تخصيص الآية بالحديث المذكور.
2- ترجيح العامِّ المحفوظ على العامِّ المخصوص:
لأن التخصيصَ يُضعفُ دلالةَ العامِّ، عند المحقّقين من الأصوليين، كإمام الحرمين، وسُليم الرازيّ، والفخر الرازيّ، وابن تيمية، وغيرهم، مثاله: تقديمُ حديث: «إذا دخل أحدُكم المسجدَ فلا يجلسْ حتّى يُصلِّيَ ركعتين» [متفق عليه عن أبي قتادة] على حديث النهي عن الصلاة في الأوقات الخمسة.
فالثاني مخصوصٌ بحديث: «مَن نام عن صلاةٍ أو نسيَها، فلْيُصلِّها إذا ذكرها» [متفق عليه عن أنس]، والأول لا يُعرفُ له مخصِّصٌ، فيُقدَّمُ.
3- ترجيحُ ما قلّت مخصِّصاتُه على ما كثرت مخصِّصاتُه:
مثالُه: تقديمُ آية: ﴿ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ ۖ ﴾ [المائدة:5] على آية: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ [الأنعام:121] في الدلالة على حِلّ ما تركوا التسميةَ عليه من ذبائحهم؛ لأن الآيةَ الأولى مخصِّصاتُها أقلُّ، كما بيّن ذلك الإمامُ الشنقيطيّ في: (دفع إيهام الاضطراب)[1].
4- ترجيحُ العامِّ المطلَق على العامِّ الوارد على سببٍ في غير صورة السبب:
وذلك لأن العامَّ الواردَ على سببٍ قال بعضُ العلماء بقصـره على سببه، بخلاف العامِّ المطلَق.
مثاله: تقديمُ حديث: «مَن بدَّلَ دينَه فاقتلوه» [البخاري عن ابن عباس] على حديث: النهي عن قتل النساء والصِبيان [متفق عليه عن ابن عمر]؛ فإنه واردٌ على سببٍ، وهو الحربُ، فإنه ﷺ كان يُوصي الجيشَ بذلك.
5- ترجيحُ الخبر الدالّ على المراد من وجهين على الخبر الدالّ عليه من جهةٍ واحدةٍ:
مثل: تقديم حديث: «إنما الشفعةُ فيما لم يُقسمْ، فإذا وقعت الحدودُ وصُرِّفت الطرقُ فلا شُفعةَ» [متفق عليه عن جابر] على حديث: «الجارُ أحقُّ بصَقَبِه» [البخاري عن أبي رافع].
6- ترجيحُ ما فيه إيماءٌ إلى العلة على ما ليس كذلك:
مثل حديث: «مَن بدَّلَ دينَه فاقتلوه» [البخاري عن ابن عباس] على حديث النهي عن قتل النساء [متفق عليه عن ابن عمر]؛ فإن الأولَ فيه تنبيهٌ على العلّة، وهي الردّةُ، والثاني مطلَقٌ عن التعليل.
7- ترجيحُ ما سِيقَ لبيان الحكم على الدالّ على الحكم بلفظه من غير أنْ يُساقَ لبيانه:
مثل: ترجيحُ الحنفية أحاديثَ النهي عن بيع الملامسة والمنابذة على عموم قوله تعالى: ﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ ﴾ [البقرة:275]؛ فإن الآيةَ لم تُسقْ لبيان حكم البيع بجميع صوره، وإنما سيقت لبيان الفرق بين البيع والربا، وأما الأحاديث فقد سيقت لتحريم تلك البيوع بأعيانها.
وإنما نصصتُ على الحنفية مع موافقة الجمهور لهم؛ لأن الجمهورَ يُعلِّلون تقديمَ الأحاديث بكونها خاصّةً والآيةً عامّةً، والخاصُّ عندهم مقدَّمٌ على العامِّ مطلَقًا.
8- ترجيحُ الناقل عن حكم الأصل على الموافق لحكم الأصل:
وهو البراءةُ الأصليةُ.
وهذا مذهب الجمهور.
مثاله: ترجيحُ أحاديثِ تحريمِ الحُمُرِ الأهليةِ على الأحاديث التي فيها إباحتُها؛ لأن التحريمَ ناقلٌ عن حكم الأصل.
9- ترجيحُ ما يقتضي الحظر على ما يقتضي الإباحة:
لأنه أحوطُ، ولقوله ﷺ: «دعْ ما يَرِيبُك إلى ما لا يَريبُك» [أحمد والترمذي والنسائي وابن حبان عن الحسن بن علي رضي الله عنهما].
ويُمكن تمثيلُه بالمثال السابق في أحاديث الحُمُر الأهلية، وترجيح المحرِّم لها على المبيح.
وكذلك الأحاديث الدالّة على تحريم المتعة على الأحاديث الدالّة على الإباحة، إنْ نازع الخصمُ في النسخ.
10- ترجيحُ المثبِت على النافي:
لأن مع المثبت زيادةَ علمٍ خفِيت على النافي.
مثاله: ترجيحُ حديث بلالٍ رضي الله عنه في صلاة النبيّ ﷺ داخلَ الكعبة [متفق عليه] على حديث أسامةَ رضي الله عنه: أنه لم يُصلِّ [أخرجه مسلم].
وخَصَّ ذلك بعضُ الأصوليين بما إذا لم يذكر النافي سببًا واضحًا للنفي، فإنْ ذكر سببًا لجزمه بالنفي غيرَ عدم العلم فلا يُعدُّ حديثُ المثبِتِ مقدَّمًا، بل هما سواءٌ، وإن استند إلى عدم العلم فحسب، قُدِّمَ حديثُ المثبِتِ.
وهو تفصيلٌ حسنٌ.
11- ترجيحُ النصِّ على الظاهر، والحقيقةِ على المجاز:
مثاله: ترجيحُ الجمهور الخاصّ على العامِّ؛ لكون العامِّ ظاهرًا والخاصِّ نصًّا. وأمثلتُه معروفةٌ.
12- ترجيحُ المنطوقِ على المفهومِ المخالِفِ:
مثل: ترجيح منطوق حديث: «الماءُ طهورٌ لا يُنجِّسْه شيءٌ» [الخمسة إلا ابن ماجه] على مفهوم حديث القُلَّتين؛ فإنه يُؤخذُ منه - بطريق مفهوم المخالَفة - أن ما نقص عن القُلَّتين يتنجّسُ بملاقاة النجاسة، وإنْ لم يتغيّرْ، ومنطوقُ الأول يدلُّ على عدم تنجُّسِه إذا لم يتغيّر لونُه أو طعمُه أو ريحُه.