حجم الخط:

محتوى الدرس (4)

Adobe Systemsالتاريخ السياسي للعرب (قبل الإسلام):

[تمهيد]

كان العرب -كما ذكرنا- بدو وحضر. والفكر السياسي عند البدو يختلف عنه عند الحضر.

قبائل البدو:

البدو عاشوا كقبائل صغيرة متفرقة في الصحاري، ووحدة القبيلة تربط بينها الدم والعصبية. ولم يكن سهلًا قيام ارتباط بين عدد من القبائل لتكوين ممالك؛ لطبيعة التمرد وعدم الخضوع عند البدو.

مملكة كندة (480- 529م):

وهي المملكة الوحيدة التي قامت في أواسط الجزيرة العربية بين الحكم القبلي. وكانت قصيرة العمر، وأول ملوكها (حجر آكل المرار) وكان تابعًا لملوك حمير في اليمن. واستطاع حفيده الحارث بن عمرو أن يمد نفوذه إلى الحيرة. ثم انهار ملكهم وعادت الحياة القبلية. وينسب امرؤ القيس (أحد شعراء المعلقات الجاهليين) إلى ملوك كنده، وقد حاول إعادة ملك آبائه ففشل.

ممالك الحضر:

[نبذة]

تركزت في ثلاث مناطق: اليمن - الشمال - الحجاز.

1- ممالك اليمن:

[نبذة عنها]

- مملكة معين، مملكة قتبان: (1200 ق. م - 700 ق.م)، وهما متعاصرتان تقريبًا. وهما أقدم ممالك اليمن. والمعلومات المتوفرة عنهما قليلة.

- مملكة سبأ: (955- 115 ق.م): قامت سبأ على أنقاض معين وقتبان. وانضمت لها حضرموت، وكانت عاصمتها مأرب، وترجع شهرة سبأ إلى سببين هامين هما:

أ- ملكة سبأ (بلقيس) وقصتها مع النبي سليمان (سورة النمل).

ب- سد مأرب العظيم الذي كانت نتيجته أن كثر الرخاء باليمن وعمت الخيرات. ثم ضعف هذا السد وانهار أخيرًا، فكان سيل العرم. فهاجر كثير من السكان إلى الشمال، وآذن ذلك بسقوط سبأ، وقيام حمير.

قال تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ ۖ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ ۖ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ ۚ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ﴿ ١٥ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ ... الآية [سبأ:15-16].

- مملكة حمير: (115 ق. م- 500م): قامت بعد انهيار نفوذ مملكة سبأ. واتخذت ظفار عاصمة لها. وكان ملوكها يلقبون بالتبابعة. وقد خلفت سبأ وحمير آثارًا تدل على العظمة والرقي.

ضعفت هذه الدولة في أواخر عهدها، مما أدى إلى احتلال اليمن من قبل الروم ثم الفرس.

سيطرة الروم على اليمن:

خَيَّر (ذو نواس) ملك حمير الذي اعتنق اليهودية خير المسيحيين في نجران بين اعتناق اليهودية أو الموت، فاختاروا الموت، فحفر لهم أخدودًا وأحرقهم فيه. قال تعالى: ﴿ قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ ﴿ ٤ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ ﴿ ٥ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ ﴿ ٦ [البروج:4- 6].

ففر بعضهم، واستنصروا بحاكم الحبشة المسيحي (النجاشي) الذي طلب مساعدة قيصر الروم (حامي المسيحية) والذي أرسل السفن والسلاح، فاستطاع النجاشي إخضاع اليمن بواسطة قائده (أرياط)، الذي سرعان ما تمرد عليه (أبرهة) أحد مساعديه، فقتله، وأصبح هو حاكم اليمن، وكان ذلك في زمن عبد المطلب بن هاشم (جد الرسول محمد).

سيطرة الفرس على اليمن:

ثم فر أحد أولاد ملوك حمير واسمه (سيف بن ذي يزن) إلى فارس، وطلب نجدتهم لإخراج الأحباش من بلاده، فاستجاب الفرس، فقدموا وانتصروا على الروم، ثم أمر كسرى أن يتوج سيف ملكًا على اليمن. وبعد مقتل سيف، أرسل كسـرى (وهرز) ليكون حاكمًا لليمن تابعًا للفرس، وبعد وهرز حكم أبناؤه وأحفاده. وعند بعثة محمد كان حاكم اليمن الفارسي (باذان) وهو من ذرية وهرز، وقد دخل باذان في الإسلام عندما دُعِيَ إليه.

2- ممالك شمال الجزيرة:

أ- مملكة الأنباط (400 ق. م- 105م):

هم قبائل بدوية. استقروا جنوب سوريا. وامتدت مملكتهم من غزة شمالًا حتى العقبة جنوبًا، فاتخذت موقعًا هامًا في طريق التجارة بين الشمال والجنوب. وكان لها إتاوة على التجارة الصاعدة والهابطة. وعاصمة الأنباط مدينة (البتراء).

بلغت غاية مجدها في القرن الأول الميلادي. حيث امتد نفوذها إلى دمشق، وامتدت جنوبًا حتى مدائن صالح (ولهم آثار معمارية عظيمة هناك حتى الآن). وأشهر ملوكهم: الحارث الثالث، وعبيدة الثاني. استولى عليها الرومان سنة (105 م).

ب- مملكة تدمر:

وهي عريقة في القدم. وقد ورد لها ذكر قبل الميلاد بأكثر من ألف عام، وبلغت ذروة مجدها في القرن الثاني والثالث الميلادي. وكان لها موقع تجاري واستراتيجي هام بين الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية، وكانت مرتبطة بالرومان. لذا خاضت حروبًا مدمرة ضد الفرس، وانتصرت فيها انتصارات مؤزرة، وذلك في عهد ملكهم (أذينة) الذي بسط نفوذه على سوريا كلها، ثم تولت بعده زوجته زنوبيا (الزباء)، التي تحدت الروم. وخاضت معهم صراعات عنيفة، إلى أن هزمت، ودمرت مملكتها. وقد عبد الأنباط والتدمريون الأوثان وقوى الطبيعة.

ج- مملكة الحيرة:

هم من عرب اليمن المهاجرين، قامت مملكتهم في شمال الجزيرة (جنوب العراق) تابعة للفرس، تحميهم ويحمونها، وأشهر ملوكهم: عمرو بن عدي والمنذر بن ماء السماء والنعمان بن المنذر، وبعد النعمان عين كسرى إياس بن قبيصة على الحيرة. وأشرك معه رجلًا فارسيًا، وفي هذا العهد قدم المسلمون وفتحوا الحيرة بقيادة خالد بن الوليد سنة (12 هـ/633 م) فصالحهم إياس على الجزية، ثم دخلوا في الإسلام بعد ذلك.

د- مملكة غسان:

هم من عرب اليمن الهاجرة بعد انهيار سد مأرب -مثل مناذرة الحيرة- وقد استقروا ببادية الشام، فأصبحوا تابعين للروم يحمونها من هجمات العرب. وكان الحكم في البداية لقبيلة (الضجاعمة) وأشهر ملوكهم: زياد بن الهيولة. ثم حكمت قبيلة بني جفنة واتخذوا دمشق عاصمة لهم، ومن أشهر ملوكهم: الحارث بن جبلة، والمنذر ابن الحارث، وجبلة بن الأيهم، وهو آخر ملوك الغساسنة، وفي عهده دخل المسلمون بلاد الشام، ويقال أن جبلة أسلم ثم ارتد وهرب إلى الروم في عهد عمر بن الخطاب.

الأهمية الحضارية للمناذرة والغساسنة:

أهم دور لعبته هاتان الملكتان هو أنهما كانتا جسرًا عبرت عليه ألوان من حضارة الفرس والروم إلى الجزيرة العربية. وأهم هذه الألوان الحضارية: الأديان وضروب من المعارف العامة، والفنون الحربية وغيرها.

3- الحجاز:

[نبذة]

الحجاز هو الموطن الأول للدعوة الإسلامية، فيه ولد الرسول ونشأ، وهو منزل الوحي، ومشرق النور، ومن الحجاز انطلقت صيحة الإصلاح ودعوة الإسلام. وقد نقل الإسلام الحجاز من مكان عربي إلى مكان إسلامي عالمي.

نشأة مكة (وقصة إسماعيل عليه السلام):

كما ذكرنا سابقًا - قدم إبراهيم بزوجه هاجر وابنه إسماعيل، وتركهما في مكة، وقد كانت صحراء قاحلة، وكان الله قد أمره بذلك، ودعا إبراهيم ربه أن يجعل مكة دار أمان وعمار.

تدفقت بئر زمزم. ومرت قبيلة جرهم اليمنية حول مكة، فسمحت لهم هاجر بسكناها، ونشأ إسماعيل بينهم وتعلم لغتهم العربية، ثم تزوج منهم، وكان إبراهيم يزورهم بين حين وآخر.

وفي إحدى الزيارات أمره الله بذبح ابنه إسماعيل، فاستسلما لأمر الله وعند التنفيذ فداه الله بكبش عظيم. وكان ذلك ابتلاء من الله، ثم قاما ببناء الكعبة تنفيذًا لأمر الله. وبعث الله إسماعيل رسولًا لقبيلة جرهم ومن حول مكة. قال تعالى: ﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿ ١٢٧ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴿ ١٢٨ [البقرة:127-128].

بعد إسماعيل تغلبت جرهم على مكة فحكمتها، ثم أفسدت فيها، ثم خضعت مكة لخزاعة وهم من اليمن أيضًا، وكان بنو إسماعيل على الحياد. ودخلت عبادة الأصنام إلى مكة في أيام خزاعة، ادخلها زعيمهم عمرو بن لحي حيث جلبها من الشام فعبدها. ثم عبدها أهل مكة.

تكاثر بنو إسماعيل ومنهم كنانة (وقريش فرع من كنانة)، فاستطاع سيدهم قصـي ابن كلاب (الجد الرابع للرسول) أن يطرد خزاعة من مكة ويتزعمها، فأصبحت سيادة مكة لقريش، وحكمها بعده ابنه عبد مناف، وتقاسم الزعامة من بعده أبناؤه هاشم والمطلب وعبد شمس ونوفل.

وكان عبد المطلب بن هاشم (جد الرسول محمد) هو سيد مكة يوم حاول أبرهة غزوها فرده الله. وعرف هذا العام بعام الفيل، وهو عام مولد الرسول صلى الله عليه وسلم في (750 م/52 ق.هـ).

عام الفيل ومحاولة هدم الكعبة:

بنى أبرهة الأشرم (حاكم اليمن الحبشي) كنيسة ضخمة مزخرفة في صنعاء وأسماها (القليس) ودعا الناس للحج إليها بدلًا من الكعبة (لأسباب دينية وسياسية واقتصادية) ففشل فشلًا ذريعًا (ولم يحج إليها أحد) فغضب وقرر هدم الكعبة، فسار إليها على جيش ضخم تتقدمه الأفيال. ولم يتصدى له أحد. وعندما دخل مكة وهم بهدم الكعبة أهلكه الله وجيشه. والقصة مذكورة في سورة الفيل.

وكانت حادثة الفيل كبيرة الأهمية عند العرب، فأخذوا يؤرخون بها، وهو العام الذي ولد فيه الرسول عليه السلام.

اقتصاديات العرب:

أهم مصادر الثروة عند العرب ارتبطت بالتجارة، وقد اشتهر العرب في الجاهلية بالتجارة شهرة واسعة.

وكانت التجارة عند قريش عصب الحياة، وقد ورد في القرآن ﴿ لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ ﴿ ١ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ ﴿ ٢ [قريش:1-2]. وكانت رحلة الشتاء إلى اليمن. ورحلة الصيف إلى الشام.

زمن الفترة:

نلاحظ أن الرسالة انقطعت عن الجزيرة العربية مدة طويلة (من زمن إسماعيل إلى بعثة الرسول، وانقطعت عن العالم عمومًا منذ أن رفع الله عيسى حوالي عام (610 ق. هـ/33 م).

وسميت هذه المدة زمن الفترة (فترة انقطاع الرسل).

فتخبط المجتمع أيما تخبط. وكان بأشد الحاجة إلى نبي، يعيده إلى الحق والصواب، وخاصة بعد أن حرفت الديانات السماوية وضاعت، فكانت رسالة محمد صلى الله عليه وسلم إلى البشر كافة.

Adobe Systemsموجز التاريخ القديم:

- خلق الله البشر وبعث الرسل، لعبادته، وإقامة شريعته في الأرض.

- وكان آدم هو أول البشر وأول الأنبياء.

- تتابعت الحضارات وتوالى الأنبياء والرسل وأقدم الحضارات ظهرت في العراق ومصر والشام وجزيرة العرب.

- أهم حضارات العراق: السومرية، الأكادية، العيلامية، البابلية، الآشورية، والكلدانية. وأنبياء هذه البلاد: نوح وإبراهيم ويونس عليهم السلام.

- وأهم حضارات الشام: العمورية، الفينيقية، الكنعانية، الآرامية، ثم حضارة الأنباط وتدمر، ثم الغساسنة والمناذرة.

وأغلب الأنبياء والرسل ظهروا في بلاد الشام، فمنهم: لوط، إسحاق، يعقوب، أيوب، اليسع، يس، إلياس، داود، سليمان، زكريا، يحيى، وعيسى عليهم السلام، وهم من بني إسرائيل، وأرسلوا إليهم وإلى غيرهم.

- وقامت في مصر الحضارة الفرعونية وحضارة الهكسوس، وظهر فيها من الأنبياء يوسف، موسى عليهما السلام.

- وظهر في جزيرة العرب قوم عاد وثمود وأهل مدين، وحضارات اليمن (معين، سبأ، حمير قتبان) والقبائل المهاجرة بعد انهيار سد مأرب، والأحباش، وذرية إسماعيل ابن إبراهيم. وأنبياء جزيرة العرب هم: هود، صالح، شعيب، إسماعيل عليهم السلام.

- وظهرت حضارات أخرى وسادت على وجه الأرض كحضارة الفرس ثم الإغريق ثم الرومان.

النتيجة:

معظم هذه الممالك والجماعات كذبت برسلها، وتمادت في غيها وانحرافها، وما آمن إلا قليل. ثم بعث الله آخر رسله (محمد) إلى البشر كافة في جميع أصقاع الأرض، وعلى يديه كانت هداية البشرية الضالة.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة