حجم الخط:

محتوى الدرس (10)

الفصل الثاني : عمر بن الخطاب (13- 23هـ) (634- 643م)

Adobe Systemsنسبه وحياته في الجاهلية:

هو عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى، من بني عدي بن كعب، وهم بطن صغير من قريش، لم يكن في جاهليته صاحب مركز أو شهرة، بل كان فردًا عاديًا، ولولا الإسلام لما اشتهر، ولما عرفه أحد بعد ذلك. وعُرِف بالشجاعة، كما عرف عنه عناده للإسلام، وشدة إيذائه للمؤمنين في جاهليته، أسلم في السنة السادسة من البعثة، فيكون عاش (35) سنة في الجاهلية، و (30) سنة في الإسلام.

Adobe Systemsحياته في الإسلام:

قصة إسلامه: اتجه يومًا غاضبًا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ليقتله، فقابله نعيم بن عبد الله النحام، وهو مؤمن ومن قومه، فلما عرف قصده خاف على الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال لعمر: «هلا بدأت بأهل بيتك إن أختك فاطمة وزوجها سعيد بن زيد قد أسلما»، فاتجه إليهما وهو في أشد الغضب، فلما وصل سمع تلاوة داخل البيتِ، وقد كان عندهما خباب ابن الأرت يتلو سورة طه، فدخل وبطش بسعيد بن زيد فقامت أخته تدافع عن زوجها، فلطمها، فسأل الدم منها، فلما رأى ذلك رق قلبه، فطلب الصحيفة التي فيها الآيات، فرفضا إلا أن يغتسل فاغتسل، فقرأها، فقال: «ما أحسن هذا الكلام!!»

فقال خباب: أرجو أن يكون الله خصك بدعوة نبيه، فإني سمعته يقول: «اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين» عمرو بن هشام (أبو جهل)، أو عمر بن الخطاب.

فقال عمر: «دلني على محمد». فذهب به إليه، وكان عنده الصحابة، فأسلم، فسُـرَّ الرسولُ صلى الله عليه وسلم بذلك أعظم السرور.

قال عبد الله بن مسعود: إن إسلام عمر كان فتحًا، وإن هجرته كانت نصـرًا، وإن إمارته كانت رحمة، ولقد كنا ما نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر، فلما أسلم قاتل قريشًا حتى صلى عند الكعبة، فصلينا معه، وسماه الرسول صلى الله عليه وسلم الفاروق، ولم يكن يجرؤ أحد من قريش على إيذائه.

كان جريئًا شجاعًا، لما عزم على الهجرة إلى المدينة طاف بالكعبة، وصلى ثم قال: «من أراد أن تثكله أمه فليلقني خلف هذا الوادي»، فخرج، ولم يلقه أحد، وكان من الصحابة الذين يستشيرهم الرسول صلى الله عليه وسلم، ولربما نزل الوحي بما يؤيد رأيه. فبعد غزوة بدر استشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فيما يفعل بالأسرى، فأشار عمر بقتلهم، وأشار أبو بكر بفدائهم، فأخذ الرسول صلى الله عليه وسلم برأي أبي بكر، فأنزل الله وحيه مؤيدًا لرأي عمر، ومعاتبًا رسوله، قال تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿ ٦٧ [الأنفال: 67].

كان يتمنى تحريم الخمر، فنزل القرآن بذلك فطابت نفسه، كذلك كان يتمنى فرض الحجاب وبخاصة على نساء النبي صلى الله عليه وسلم، وطابت نفسه عند نزول آية الحجاب.

وعندما تُوفي رأس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول، وأراد النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة عليه، جادله عمر وناقشه، فنزل الوحي بعد ذلك مطابقًا لرأي عمر. قال تعالى: ﴿ وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ ۖ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ ﴿ ٨٤ [التوبة: 84]. وقد حضر عمر المشاهد كلها مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان من الملازمين له في المعارك، لا يفارقه أبدًا، يدافع ويذود عنه، وكان لا يجتهد بل ينفذ كلام الله ورسوله حرفيًا، ويُعد عمر الصحابي الثاني بعد أبي بكر الصديق. وفي عهد الصديق، كان عمر مستشاره، واليد اليمنى له، والمشارك له في تسيير شؤون الدولة.

Adobe Systemsمبايعته:

عندما مرض أبو بكر وشعر بالموت، أراد أن يولي خليفة على المسلمين حتى لا يقع الخلاف بينهم، فوقع اختياره على عمر، فاستشار كبار الصحابة، فأيدوه، لما مات أبو بكر بايعه المسلمون.

Adobe Systemsالفتوحات:

[تمهيد]

تمت في عهد عمر أعظم الفتوحات الإسلامية على مر العصور، فقد تم طرد الروم وإنهاء وجودهم في الشام، وتم القضاء على الإمبراطورية الفارسية تمامًا، ثم انتقل القتال إلى مصر وشمال أفريقية وجزر البحر المتوسط.

أولاً: الجبهة الشمالية (فتوحات بلاد الشام):

* معركة اليرموك (14هـ/635م):

عندما تولى عمر الخلافة، كان المسلمون بقيادة خالد بن الوليد مجتمعين أمام جموع الروم الهائلة، (تجاوزوا 200 ألف مقاتل، والمسلمون حوالي 24 ألف فقط) نشب القتال، فكانت معركة حامية، زلزل الله فيها الكفار، ففر الروم وتابعهم المسلمون فأسروا وغنموا الكثير.

* فتح دمشق وبقية مدن الشام:

ثم تقدمت الجيوش الإسلامية بقيادة أبي عبيدة ومعه خالد نحو مدن الشام، فاستولت على فحل وبيسان ثم دمشق فحمص، وبعدها قنسـرين وقيسارية والبقاع وبعلبك. ثم فتحوا أجنادين. ومدن الجزيرة (الرها ونصيبين) وغيرها.

* فتح بيت المقدس عام (15هـ/636م)[1]:

حاصرت الجيوش الإسلامية بيت المقدس، فطلب حكامها أن يقدم عليهم عمر بنفسه ليستسلموا له، فقدم إلى الشام، فسلموا له مفتاح بيت المقدس، وصالحهم على الجزية، وصلى بالمسلمين في المسجد الأقصى.

وتم فتح حلب ومنبج وإنطاكيه وحران والرها وباقي المدن صلحًا.

* فتح سواحل بلاد الشام:

تولى معاوية بن أبي سفيان فتح المدن الساحلية بأمر أبي عبيدة، ففتح صور وصيدا وبيروت وطرابلس. بذا أصبحت بلاد الشام كلها بيد المسلمين وتم طرد الروم منها. وهكذا تم فتح سوريا وفلسلطين.

* فتح مصر (20 هـ/640م):

كان لا بد من الزحف لفتح مصر، بعد فتح سوريا وفلسطين، فهي كانت خاضعة للروم، ولن يستقر الأمر للمسلمين إذا لم يتم فتحها، فكان ذلك.

لما فتح عمرو بن العاص فلسطين، استأذن من عمر أن يفتح مصـر، فوافق، فسار إليها، وعرض الإسلام أو الجزية أو القتال (كما يفعل المسلمون قبل كل قتال) نشب القتال، وانتصر المسلمون، وفُرِضت الجزية عليهم، ثم تقدم المسلمون، وفتحوا الإسكندرية (مقر المقوقس)، وكانت عاصمة مصـر، وبنوا هناك مدينة الفسطاس (مكان خيمة عمرو بن العاص). وفتحوا بقية المدن، وفرضوا الجزية عليها، وهكذا أصبحت مصر تابعة للخلافة الإسلامية.

* فتح برقة (ليبيا):

ثم سار عمرو بن العاص غربًا وفتح برقة ثم زويلة، فطرابلس وصبراته وشروس، ومنعه عمر أن يتقدم أكثر من ذلك غربًا.

ثانيًا: الجبهة الشرقية (مع الفرس):

[تمهيد]

بعد فتح دمشق عاد جيش خالد إلى العراق بأمر الخليفة، كما أرسل جيشًا بقيادة أبي عبيد بن مسعود الثقفي، ثم أضاف مددًا بإمرة جرير البجلي، ساروا باتجاه الكوفة، وتلاقيا، والتقيا بجيش من الفرس، فهزمهم المسلمون.

* معركة النمارق (13هـ/634م):

التقى أبو عبيد الثقفي بالفرس في النمارق (بين الحيرة والقادسية) فألحق بهم هزيمة منكرة، ففروا إلى المدائن.

* معركة الجسر: شعبان (13هـ/634م):

أرسل الفرس جيشًا كثيفًا لقتال المسلمين، فجرت معركة عنيفة، استشهد فيها القائد أبي عبيد، والقواد الذين بعده، فتولى القيادة المثنى بن حارثة وواصل القتال، ثم انسحب بالمسلمين، وقد جرح جرحًا بليغًا، وقد قتل وغرق من المسلمين كثير.

* معركة البويب: رمضان (13هـ/634م):

كانت قرب الكوفة، وبقيادة المثنى، وانتصر فيها على الفرس انتصارًا ساحقًا، ثم جاء مدد بقيادة سعد بن أبي وقاص، وأمر بتعيينه قائدًا عامًا.

* معركة القادسية الكبرى: 16هـ/637م:

قدم سعد مع الجيوش الإسلامية، فعسكر في (القادسية) وأرسل يزدجرد كسـرى الفرس قائده رستم على (120) ألف مقاتل، ومثلهم مددًا، أرسل سعد رسلًا إلى رستم فقاموا بعرض الإسلام أو الجزية أو القتال، وقد تجلى في هؤلاء الرسل أنفة الإسلام وعزته، فمما قالوه: «جئنا لنخرجكم من عبادة العباد إلى عبادة الله». نشب القتال. واستمر عنيفًا لمدة أربعة أيام، استخدم الفرس فيلة ضخمة ففقأ المسلمون عيونها، فرجعت على الفرس وقتلتهم، انتهت المعركة بانتصار عظيم للمسلمين، فقد قتل قائد الفرس ومعظم جنده، وغنم المسلمون غنائم هائلة جدًا، وبشروا الخليفة بذلك.

* فتح العاصمة وبقية المدن وإنهاء الإمبراطورية الفارسية:

تقدم المسلمون نحو المدائن، التقوا بعدة جيوش من الفرس فسحقوهم، فتحصن الفرس أخيرًا بمدينة (بهرسير) الحصينة في المدائن. ثم فروا إلى داخل المدائن، فتبعهم المسلمون[2].

* فتح المدائن: صفر (16هـ/637م):

دخل المسلمون المدائن وهي عاصمة الفرس ومركز حكمهم، وكانت خالية فقد فرَّ كسرى فارس (يزدجرد) وفرَّ أهلها، سكن سعد في القصر الأبيض (قصـر يزدجرد) واتخذ الإيوان مصلى، وغنم المسلمون غنائم هائلة من خزائن كسرى، فتلا سعد قوله تعالى: ﴿ كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ﴿ ٢٥ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ﴿ ٢٦ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ ﴿ ٢٧ كَذَٰلِكَ ۖ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ ﴿ ٢٨ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ ﴿ ٢٩ [الدخان: 25- 29]. وهكذا سقطت العاصمة الفارسية العريقة في أيدي المسلمين.

ولا شك أن سقوطها آذن بالانهيار الكامل للإمبراطورية الفارسية.

* فتح جلولاء:

وهي المدينة التي فرَّ إليها يزدجرد، وتجمع معه الفرس هناك، فتحصنوا بها، فتقدم إليها المسلمون وفتحوها، وانتصروا انتصارًا عظيمًا، ولم تقل غنائمها عن المدائن.

ثم فتح المسلمون حلوان، تكريت، الموصل، ماسبذان، الأهوز، تستر، السوس، جنديسابور.

وقبض المسلمون على الهرمزان وهو من أكابر الأمراء وأرسلوه إلى عمر مع الغنائم.

* فتح نهاوند (فتح الفتوح) (21هـ/641م):

أراد عمر أن يسير بنفسه لإكمال قتال الفرس، فمنعه الصحابة، فسير النعمان ابن مقرن المزني إلى نهاوند على (30) ألف. ووصلت جموع الفرس إلى (150) ألف مقاتل نشبت المعركة، وكانت حامية، قتل فيها من الفرس أكثر من (100) ألف، وتجلل وجه الأرض بجثثهم، وقتل قائدهم (الفيرزان)، واستشهد النعمان في المعركة، وتولى بعده حذيفة بن اليمان، ففتحت نهاوند، وكان نصـرًا عظيمًا مبينًا. ثم واصل المسلمون تقدمهم، وفتحوا إصبهان، وقاشان (قم) وكرمان.

انسياح المسلمين في فارس (22- 23هـ) (642- 643م):

كان عمر يرفض انسياح المسلمين في فارس الواسعة، خوفًا عليهم من الضياع حتى أقنعه الأحنف بن قيس بذلك. بعدها انساحت الجيوش الإسلامية على أرض فارس.

1- فتح نعيم بن مقرن همدان ثم الري (طهران)، وصالح أهل (جرجان) وطبرستان، ووصل إلى بعض بلاد أذربيجان.

2- فتح سراقة بن عمرو باب الأبواب (دربند) على سواحل بحر الخزر الغربية.

3- فتح الأحنف بن قيس بلاد خراسان.

4- فتح عثمان بن أبي العاص بقية إصطخر وشيراز وأرمينيا.

5- فتح عاصم بن عمرو التميمي سجستان.

6- فتح سهيل بن عدي كرمان.

7- فتح الحكيم التغلبي مكران.

8- وفتح عتبة بن فرقد شمال غرب بلاد فارس.

وهكذا قضي على الإمبراطورية الفارسية من على الوجود. يخيل للإنسان كأن الجزيرة العربية تحولت إلى جيش يجاهد في سبيل الله لنشر الإسلام في بقاع الأرض.

ملاحظة:

وهكذا سقطت فارس عسكريًا، ولكنهم ظلوا يصارعون الإسلام فكريًا، وكان ذلك من أهم أسباب ضعف العالم الإسلامي. فهم كانوا سبب الانحراف في بعض الاتجاهات الشيعية، وهم وراء معظم الحركات الهدامة التي أرادت تدمير الإسلام مثل حركات الزنادقة والزنج والقرامطة وسنباذ والمقنع المروزي وبابك الخُرَّمي وغيرهم[3].

استشهاد الخليفة:

استشهد رضي الله عنه في مؤامرة دبَّرها بعض أعداء الإسلام من اليهود والفرس (الحاقدين عليه، لكونه سبب زوال ملكهم).

فمات نتيجة طعنات تلقاها أثناء صلاته من أبي لؤلؤة المجوسي (مولى فارسي) بخنجر مسمومة، وقبل موته اختار ستة صحابة من المبشرين بالجنة وهم عثمان وعلي وطلحة والزيير وابن عوف وابن الوقاص، وأوصى هؤلاء الستة أن يختاروا واحدًا من بينهم خليفة.

كانت وفاته في ذي الحجة (23هـ/643م)، ودامت خلافته عشر سنوات.

من أعماله:

- الخليفة عمر رضي الله عنه أول من تلقب بأمير المؤمنين.

- وهو أول من دون الدواوين، فكان ديوان الجند وديوان العطاء (الديوان كالوزارة حاليًا) ورتب البريد، وصك النقود.

- وهو الذي وضع التاريخ العربي، فجعله بالهجرة النبوية الشريفة.

- وقام بتوسعة الحرم.

استشهد عمر مخلفًا سيرة من أعظم السير التي يرويها التاريخ ويسجلها بمداد الفخر.

الوصف: 2

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة