انقطاع الخلافة الأموية : وخلافة عبد الله بن الزبير (64- 73 /683- 692)
هو عبد الله بن الزبير بن العوام، وأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق، ولد بالمدينة، بعد الهجرة بسنة، وهو أول مولود للمهاجرين، لذا فرح به المسلمون، فقد كان هناك إدعاء أن عقمًا أصاب المهاجرين، وهو صحابي جليل، روى عن الرسول صلى الله عليه وسلم 33 حديثًا، شهد اليرموك، ودافع عن سيدنا عثمان يوم مقتله وجرح آنذاك. شارك في غزو القسطنطينية، وشارك في فتوحات أفريقية في أيام معاوية، كان كثير العبادة، وكان فارس الخلفاء.
بعد مقتل الحسين في كربلاء، خلع ابن الزبير الخليفة يزيد، ودعا لنفسه، فبايعته المدينة ومكة فقاتلها يزيد -كما ذكرنا، ومات يزيد أثناء حصار مكة عام 64هـ/683م فاستقرت الأمور لابن الزبير، وبايعته الأمصار، ولم يبق لبني أمية إلا جزء من الشام فقط. فصار هو الخليفة الشرعي.
بعد موت يزيد تولى ابنه معاوية الذي تنازل فاعتزل، فبايع الأمويون مروان ابن الحكم عام 64 هـ/683م، فاستطاع أن يخضع الشام كلها لسيطرته، ثم استولى على مصر من ابن الزبير، وتوفي عام 65هـ/684م، بعد أن عهد لابنه عبد الملك.
حركة المختار الثقفي 64- 67 هـ/683- 686 م:
كان من أتباع ابن الزبير بمكة، ثم تمرد ورحل للكوفة، ودعا بإمامة المهدي من آل البيت، وكان ضالًا منحرفًا، قاصدًا الجاه والمال، فاستولى على الكوفة والموصل وهاجم مكة، فقاتله عبد الملك فغلبه المختار، وقتل قتلة الحسين ونكَّل بهم إرضاء للشيعة وقتل عبيد الله بن زياد، ثم قضى عليه مصعب بن الزبير، والي البصرة من قبل أخيه عبد الله سنة 67هـ/686م.
استيلاء عبد الملك على العراق والمدينة:
خرج عبد الملك بنفسه لقتال مصعب بن الزبير، فانهزم مصعب وقتل سنة 71هـ/690م فخضعت العراق لعبد الملك، أرسل جيشه إلى المدينة المنورة، فأخضعها.
سير عبد الملك جيشًا كبيرًا إلى مكة بقيادة قائده الشهير الحجاج بن يوسف الثقفي، وكان ابن الزبير متحصنًا بها، حاصر الحجاج مكة، وضرب الكعبة بالمنجنيق، وتخاذل الناس عن ابن الزبير، فقاتل مع خاصته بشجاعة نادرة عند الكعبة، حتى سقطت عليه إحدى شرفات الكعبة فقتلته في عام 73هـ/692م.
فخضعت مكة لعبد الملك، وهكذا خضعت له الأمصار كلها فصار هو الخليفة الشرعي في عام 73هـ/692م.
دامت خلافة عبد الله بن الزبير 9 سنوات تقريبًا.
عبد الملك بن مروان 73- 86 هـ/692- 705م
هو عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، ولاه معاوية على المدينة وعمره 16 عامًا. وكان قبل خلافته عابدًا زاهدًا فقيهًا، ومن علماء المدينة، شارك في فتوحات أفريقيا عام 41، 45 هـ.
في سنة 65هـ/684م تولى الأمر بعد وفاة والده مروان بن الحكم، (وكان الخليفة ابن الزبير) فانتزع العراق من ابن الزبير، ثم أخضع الحجاز كلها بعد أن قتل ابن الزبير، فبايعته باقي الأمصار، ومنذ عام 73 هـ/692 م استقر له الوضع تمامًا.
ويعتبر المؤسس الثاني للدولة الأموية، فقد تولى والعالم الإسلامي متفكك واستطاع بحكمته وسياسته أن يرد البلاد كلها إلى الطاعة ويقضي على كل تمرد وعصيان.
لم تحدث فتوحات واسعة في عهده لانشغاله في قتال الخوارج وقتال ابن الأشعث، وعاد إلى قتال الروم وكانوا يهددون بلاد الشام، أعيد فتح بلاد المغرب، ومن أشهر القادة في ميدان الشمال الأفريقي موسى بن نصير الذي أعاد الاستقرار للمنطقة بعد موت عقبة وفتح طنجة وسبتة. حورب الترك في الشرق وبلاد ما وراء النهر، وسار محمد الثقفي لفتح السند، ولم تحصل فتوحات واسعة في المشرق، ولكن استقرار عهده مهد لفتوحات عظيمة في عهد ولده الوليد.
حركة عبد الرحمن بن الأشعت 81- 85 هـ/700- 704 م:
سيره الحجاج (والي العراق) إلى قتال بلاد الترك سنة 81 هـ فحقق انتصارات، ثم خلع طاعة الحجاج وعبد الملك، قاتل الحجاج وأخضع العراق، ثم دان له المشـرق ما عدا خراسان جرت معارك ضخمة بينه وبين الأمويين إلى أن انهزم وفرَّ في عام 82 هـ، وقتل عام 85هـ/704 م، وقتل الحجاج الكثير من العلماء الذين تبعوا ابن الأشعث، ومنهم التابعي سعيد بن جبير.
الحجاج بن يوسف الثقفي (ت 95هـ/714م):
كان من أعظم رجال عبد الملك. وأحد أشهرالولاة في التاريخ. وقد عرف بالسياسة والدهاء والفتك والبطش والقسوة الشديدة، وكان من ضمن القادة الذين قاتلوا مصعب بن الزبير وضموا العراق إلى الأمويين ثم سيره عبد الملك لقتال عبد الله بن الزبير وإخضاع الحجاز. فأخضعها وقتل ابن الزبير. وصار واليًا عليها، وعندما تجددت الفتن بالعراق ولاه عبد الملك عليها. فاستخدم ضدهم كل وسائل البطش والفتك حتى استكانوا تمامًا، وامتد نفوذه حتى شمل الشرق كله، كان له دور كبير في تذليل العقبات التي واجهت الدولة الأموية ويبدو أن قسوته كانت لازمة لضمان الأمن والسلام والاستقرار.
قوي نشاطهم في العراق والجزيرة، واستطاع القائد الأموي المهلب بن أبي صفره أن يحقق انتصارات عظيمة عليهم، ويقضي على أعداد ضخمة منهم. ومن القادة البارزين للخوارج في هذه الفترة قطري بن الفجاءة وشبيب الشيباني.
إصدار العملة الإسلامية عام 76 هـ/695 م- إعادة بناء المسجد الأقصى- تعريب الدواوين 81- 86 هـ/700- 705 م.
تُوفي عام 86 هـ/705 م.
الوليد بن عبد الملك 86- 96 هـ/705- 714 م:
هو الوليد بن عبد الملك بن مروان، تولى الخلافة بعد أبيه بعهد منه.
بدأ خلافته ببناء جامع دمشق، وانتهى منه بانتهاء خلافته (10 سنوات)، فكان هذا الجامع آية في الإبداع والروعة، بنى مسجد الصخرة بالقدس، وسع مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، وقام بإصلاحات وأعمال عمرانية ضخمة.
كانت هادئة في كل الولايات، فقد ضعف أمر الخوارج، ولم تقم حركة تُذكر في أيامه، وكان عهده عهد سعة ورخاء وأمن واستقرار وفتوحات.
حدثت فتوحات واسعة وعظيمة جدًا، واتسمت بامتدادها على مختلف الجبهات، في المشرق والمغرب والأندلس وفرنسا.
في بلاد الروم وصل القائد مسلمة بن عبد الملك إلى عمورية (أنقرة) وهرقله ففتحها سنة 89 هـ/707 م، ووصل المسلمون إلى خليج القسطنطينية، وغزوا أذربيجان وكان السكان ينقضون مرة بعد مرة، فكثرت الغزوات في تلك الجهات عام 93 هـ/711 م.
في البحر المتوسط: غزا المسلمون جزيرة صقلية وميورقة سنة 89 هـ/707 م.
في أفريقية: وطَّد موسى بن نصير الفتوحات هناك. ثم عمل على نشر الإسلام بين البربر.
فتح الأندلس: قرر القائد موسى بن نصير أن يعبر المضيق وينشـر الإسلام في بلاد أوروبا ويدخلها في نطاق الدولة الإسلامية، فسير مولاه القائد البربري طارق بن زياد إلى الأندلس بحرًا، وألقى خطابه الشهير: أيها الناس أين المفر.. البحر من ورائكم، والعدو أمامكم، وليس لكم إلا الصدق والصبر. فخاض معارك أهمها وأعظمها معركة (وادي لكة).وقد هزم فيها القوط وقتل ملكهم لذريق وفتح الأندلس سنة 92 هـ/710 م، ثم وصل طارق وموسى إلى جبال البرانس، وأخضعا كل تلك المناطق ما عدا جليقية.
بلاد ما وراء النهر: اشتهر هناك القائد قتيبة بن مسلم الباهلي، فتح مدينة بيكند سنة 87 هـ/705 م- وغزا بلاد الصغدونسف وكش عام 89 هـ/707 م- فتح بخارى في 91 هـ/709 م ثم فتح الطالقان والفارياب وبلخ. ثم سمرقند عام 93 هـ/711 م- وغزا بلاد الشاش وفرغانه حتى بلغ خوقند عام 94 هـ/712 م- وفتح كابل في 94 هـ/712 م، ثم فتح مدينة كاشغر (في تركستان الشرقية) عام 96 هـ/714 م، استطاع هذا القائد العظيم أن يمد فتوحاته إلى كل البلاد الواقعة بين النهرين (وهذا يشمل معظم مساحة الاتحاد السوفيتي السابق وبلاد أفغانستان) ثم واصل حتى وصل إلى حدود الصين. وفرض الجزية على ملكها. إلى هنا توقف قتيبة شرقًا.
أخضع قتيبة مناطق شاسعة جدًا، تجاوزت مساحتها 4 ملايين كيلو متر مربع، تمتد من أواسط بلاد القفقاس إلى جنوب بحر الخزر، ثم تمتد شمالا لتتعمق في آسيا الوسطى، وتصل شرقًا إلى أواسط تركستان الشـرقية، ثم تتجه غربًا نحو كابل (أفغانستان، سجستان)[1].
بلاد الهند والسند: (بلاد السند تكون معظم دولة باكستان حاليًا) أرسل الحجاج جيشًا ضخمًا إلى هذه البلاد بقيادة القائد الشاب محمد بن القاسم الثقفي (وهو من قومه)، تمكن القائد محمد بن القاسم الثقفي من تحقيق انتصارات ضخمة هناك وقتل داهر ملك السند، واحتل بلاد السند في الفترة 93- 96 هـ/711- 714 م، فكانت تلك من أعظم الفتوحات[2].
فبلغت الدولة الإسلامية في هذا العهد أقصى اتساع لها عبر التاريخ.
توفي عام 96 هـ/714 م، ودامت خلافته عشر سنوات.

