حجم الخط:

محتوى الدرس (11)

المبحث الثاني: أخلاق الداعية

[مقدمة]:

رفع الإسلام الأخلاق مكانا عليًّا حين جعلها من غاية الرسالة، وفي ذلك قال الرسول : «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق»[1]؛ لذا اعتبر الإسلام محاسن الأخلاق ثمرة الإيمان الصادق والتعبد الخالص، وفساد الخلق دليل فساد الإيمان أو فساد العبادة. ومن ثم، فإن التربية الأخلاقية للداعية إلى سبيل الله أوْكَدُ في حقه أكثر من غيره؛ إذ إنه رمز للدين، وأعين المدعوين معقودة على خلقه وسلوكه معهم، فما فعل فهو الحسن، وما ترك فهو القبيح، فليحذر الداعية العاقل أن يأمر غيره بالبر والطريق المؤدية إلى الجنة وينسى نفسه فيهلك. ولأهمية التربية الأخلاقية للداعية، فإن هذا المبحث سيلقي عليها الضوء من خلال العناصر الآتية:

1 - أهمية الأخلاق في نجاح الداعية:

لحُسن الخلق منزلة عالية في الدين، وقد عدَّ الله تعالى جملة من الأخلاق في صفات المتقين: وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴿ ١٣٣ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. وعندما أثنى تبارك وتعالى على نبيه محمد مدحه بحسن الخلق فقال: وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: ٤]. وأعلت السنة النبوية من منزلة حسن الخلق، ومما ورد في ذلك قوله : «إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم»[2]. وجعل أحاسن الناس أخلاقًا أحبهم إليه وأقربهم منه مجلسًا فقال: «إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا»[3].وجعل حسن الخلق شأن خيار الأمة فقال: «إن خياركم أحاسنكم أخلاقًا»[4]. وقد عني السلف بهذا الجانب عناية تليق به، وصنفوا فيه تصانيف يبدأ بها طالب العلم. وكثير من الناس يجد القبول والمكانة لدى الآخرين -بل ربما أعطوه فوق منزلته- لخلقه الحسن، وفي المقابل كثيرٌ ممن يرفضه الناس وينفرون منه يكون الباعث على ذلك سوء خلقه، وربما كان فيه صلاح وعلم وخير؛ قال أبو حاتم البستي رحمه الله: (الواجب على العاقل أن يتحبب إلى الناس بلزوم حسن الخلق؛ لأن الخلق الحسن يذيب الخطايا كما تذيب الشمس الجليد، وإن الخلق السيء ليفسد العمل كما يفسد الخلُ العسلَ)[5].

والناس إذا لاحظوا من الداعية سوءًا في أخلاقه تبرَّموا منه، ونفروا من دعوته خوفًا من تضررهم بأخلاقه السيئة، وقد يفتنون بأهل الفسق والضلال إذا آنسوا منهم حسنًا في الخلق ورفقًا في المعاملة؛ وفي ذلك يقول الفضيل بن عياض رحمه الله: (إذا خالطت فخالط حسن الخلق؛ فإنه لا يدعو إلا إلى خير، وصاحبه منه في راحة، ولا تخالط سيء الخلق؛ فإنه لا يدعو إلا إلى شر، وصاحبه منه في عناء، ولأَنْ يصحبني فاجرٌ حسنُ الخلق أحب إليَّ من أن يصحبني قارئ سيء الخلق؛ إن الفاسق إذا كان حسن الخلق عاش بعقله وخف على الناس وأحبوه، وإن العابد إذا كان سيء الخلق ثقل على الناس ومقتوه)[6].

2 - قواعد اكتساب الأخلاق الفاضلة:

ثمة قواعد وأسس ومبادئ ومنطلقات لاكتساب الأخلاق الفاضلة وتمثُّلِها، يجدر بالدعاة إلى الله معرفتها وإدراك معالمها وسبل تطبيقها حتى يكونوا قدوات بهديهم ودلِّهم وسمتهم ودماثة أخلاقهم؛ من هذه القواعد:

1) إخلاص النية لله، واستشعار أن حسن الخلق من أعظم العبادات التي تقرب إليه؛ فلما سئل رسول الله عن أكثر ما يدخل الناس الجنة قال: «تقوى الله وحسن الخلق»[7]. وهي وصية الرسول لمعاذ حين قال له: أوصني، فقال: «اتق الله حيثما كنت، أو أينما كنت»،قال: زدني. قال: «أتبع السيئة الحسنة تمحها». قال: زدني. قال: «خالق الناس بخلق حسن»[8].

2) إعمار القلب بحب الأخلاق الفاضلة، وتعلم فضلها وفوائدها في الدنيا والآخرة؛ ويكون ذلك بالقراءة في القرآن الكريم منبع الأخلاق الفاضلة؛ كقوله تعالى: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا [البقرة:٨٣]، وقوله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [الأعراف: ١٩٩]، وآداب سورة الحجرات، وغيرها كثير، وتعلم هدي النبي وسيرته -وهو الذي وسع الناس بخلقه عليه الصلاة والسلام- وفي ذلك يقول الإمام ابن حزم رحمه الله: (من جَهِلَ معرفة الفضائل فليعتمد على ما أمره الله ورسوله ؛ فإنه يحتوي على جميع الفضائل)[9].

3) الأخلاق منها ما يفطر الله الإنسان عليه فيكون جبلة وطبعًا بلا تكلُّف، وهذا من أعظم كرامات الله للعبد.

عن ابن عبَّاس رضي الله عنها قال: قال رسول الله للأشجِّ -أشجِّ عبد القيس-: «إنَّ فيك خصلتين يحبُّهما الله: الحِلْم، والأناة»، قال: يا رسول الله، كانا فيَّ أم حدثا؟ قال: «بل قديم»، قال: قلت: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبُّهما[10].

ومن الأخلاق ما يكتسبه العبد بتوفيق الله له ثم بالتعلم والمران وترويض النفس، وقد كان من دعاء النبي : «واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنِّي سيِّئها، لا يصرف عنِّي سيِّئها إلا أنت»[11]. وكان يقول: «اللهُمَّ كما حسَّنتَ خَلْقِي فحسِّن خُلُقِي»[12].

4) (ينبغي -في سبيل تحصيل الأخلاق الإسلامية-

أن تفكر أولاً في فضلها.

فإن لم يدفعك ذلك للتحلِّي بها؛ فتذكر عاقبتها في الدنيا والآخرة.

وإن لم يدفعك هذا للتحلِّي بها؛ فتذكر شؤم تركها في الدنيا والآخرة.

وإن لم يدفعك هذا للتحلِّي بها؛ فتذكر أنه لا خير في ذميم الأخلاق لا في الدنيا ولا في الآخرة.

وإن لم ينفعك ذلك؛ فاعلم أنه لا طِبَّ فيك إلا بمراجعة فطرتك وإيمانك بالله ورجوعك إليه.)[13].

5) إن لاكتساب الأخلاق الإسلامية سبيلين:

أ- تعلمها وتعقلها ومعرفة مضامينها ومقتضياتها من القرآن والسنة وكتب السير والأخلاق.

ب- ثم تطبيقها عمليًا، والملازمة لها دائمًا والاستمرار عليها، والمجاهدة على أن تكون حقيقًا بوصفك بها، ومحاسبة النفس عليها، و«إنما الحلم بالتحلّم»[14]، «ومن يتصبر يصبره الله»[15]؛ فالأخلاق تحتاج إلى وقت، وإلى تدرج، وإلى الصبر والتدرب.

6) الأخلاق منظومة آخذ بعضها بحجز بعض، وكلما تمثل الداعية خلقًا وجد نفسه مدفوعًا لتمثل خلق يدعو إليه؛ فالأمانة تحث على الصدق، والرحمة تدعو إلى العفو.. وهكذا.

7) من الأخلاق ما هو من أُسس الإيمان بالله ولوازمه وواجباته؛ كالصدق، ومنها ما هو من كمال الإيمان؛ كالكرم، ومنها ما هو من معالي الفضائل؛ كالإيثار.

3 - أبرز الأخلاق المتأكدة في حق الداعية:

[بداية]:

مما لا شك فيه أن الداعية يحتاج إلى كم هائل من الأخلاق المحمودة التي تسهم في إنجاح دعوته، وتحقيق مراده، والوصول إلى هدفه المنشود: إصلاح الناس وتعريفهم بالله وتعبيدهم له سبحانه. ولكثرة هذه الأخلاق وتشعبها يجدر بنا أن نسلط الحديث على أبرزها وآكدها في حق الداعية إلى الله تعالى، والتي منها:

أولاً: الصبر:

الصبر لغة الحبس، قال الله تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [الكهف: ٢٨]، أي احبس نفسك وأمسكها معهم، والصبر خلق فاضل من أخلاق النّفس يمتنع به من فعل ما لا يحسن ولا يجمل، وهو قوّة من قوى النّفس الّتي بها صلاح شأنها وقوام أمرها.

والصبر خلق يحتاجه الداعية في حمل الرسالة وتبليغ الدعوة، ويحتاجه لما قد يجده من الإعراض والعناد، أو ما يلقاه من الجدال والمحاجة، أو الأذى الذي قد يلحق به لدعوته، وليقتدي بالنبي الذي صبر على التكذيب والتضييق والانتقاص منه، فكان من أوائل ما نزل عليه : وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ [المدثر: ٧]، والله يقول: وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا [المزمل: ١٠]، فليعلم الداعية إذًا أنه مبتلى، وأنه لا ينجح إلا بالصبر الذي يوجب معية الله له: وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة: ٢٤٩]، وليعلم «أن النصر مع الصبر»[16]، وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [آل عمران: ١٨٦].

وبالصبر تطمئن نفس الداعية وينشرح صدره ويطيب عيشه؛ قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «وجدنا خير عيشنا بالصبر»[17].

ثانيًا: الرحمة:

الرحمة هي الرقة والعطف والرأفة[18]،وهي: رِقَّةُ القلب في الـمُكلَّف، تُوجِبُ بذلَ الخير ونفعَ المرحوم، وكفَّ الأذى عنه[19]، وهذا الخلق هو الوقود الذي يحرك الداعية لنفع الناس والإحسان إليهم، والحرص على نجاتهم وتبصيرهم بالحق.

قال الله تعالى: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة: ١٢٨]، فكم يحتاج الداعية إلى الله أن يتأمل في سيرة نبينا محمدٍ ليتعرف على رحمته وشفقته على أمته، وهو الذي قال الله عنه: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء: ١٠٧]، والذي قال عن نفسه عندما قيل له: يا رسول الله ! ادع على المشركين. قال: «إني لم أبعث لعَّانًا وإنما بعثت رحمة»[20]. وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت للنبي : هل أتى عليك يوم أشد من يوم أحد؟ قال: «لقد لقيت من قومك ما لقيتُ، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة؛ إذ عرضتُ نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردتُ، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردُّوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال، وسلم علي، ثم قال: يا محمد، إن الله قد سمع قول قومك لك، وإني ملك الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك، فما شئتَ، إن شئتَ أن أطبق عليهم الأخشبين؟ فقال النبي : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئًا»[21].

وليعلم الداعية أن رحمته بالناس سبيل رحمة الله له؛ يقول الرسول : «إنما يرحم الله من عباده الرحماء»[22]. وبالرحمة يهون على الداعي ما يصيبه من أذى الناس، فيتحمل أذاهم ولسان حاله يقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون، والرحمة في قلب الداعية تمنعه من احتقار العصاة، فيكلمهم بلسان الرحيم بهم المشفق عليهم، وهذا من أسباب الاستجابة له من المدعوين حينما يرون رحمته بهم وشفقته عليهم.

ثالثًا: الصدق:

الصدق في القول هو مطابقة القول للواقع وهو ضد الكذب، والصدق مع الله قبل الصدق مع الناس، وفي كلام الماورديّ رحمه الله عن بواعث الصّدق إشارة إلى أهميته لقبول الناس لقول الداعية؛ حيث قال: (العقل: من حيث كونه موجبًا لقبح الكذب، والشّرع: حيث ورد بوجوب اتّباع الصّدق وحظر الكذب، والله سبحانه لم يشرع إلاَّ كلّ خير، والمروءة: لأنّها مانعة من الكذب باعثة على الصّدق، وحبّ الاشتهار بالصّدق: فمن يتمتّع بهذا الاشتهار بين النّاس، لا يردّ عليه قوله، ولا يلحقه ندم)[23].

والقرآن يحفل بالآيات الداعية للصدق؛ كما في قصة الثلاثة الذين خلفوا في غزوة تبوك، وما أصابهم من الابتلاء لصدقهم مع رسول الله ، ثم ما نزل من التوبة عليهم؛ قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة: ١١٩]، وقال تعالى: رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا [الإسراء: ٨٠].

وعندما جاء عبدالله بن سلام إلى النبي قال عنه: «عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب»[24]؛ ذلك لظهور أثر الصدق على وجهه وفي كلامه، فكلام الإنسان الصادق يؤثر أثرًا بالغًا. أما الكذب فهو من أقبح الخصال وأرذل الرذائل، وهو يفقد الثقة في الداعية، وفي مصداقية دعوته، ولرب كذبة واحدة يعرفها الناس عن الداعية تسقطه عندهم، وتحول بينهم وبين قبول دعوته، كما أن على الداعية الحذر من استخدام التورية[25]؛ لأن فيها فتنة للمدعوين، الذين قد لا يفرقون بينها وبين الكذب، واسمع لهذا الأثر العظيم عن علي رضي الله عنه: «من كانت له عند النّاس ثلاث وجبت له عليهم ثلاث؛ من إذا حدّثهم صدقهم، وإذا ائتمنوه لم يخنهم، وإذا وعدهم وفّى لهم، وجب له عليهم أن تحبّه قلوبهم، وتنطق بالثّناء عليه ألسنتهم، وتظهر له معونتهم»[26].

ومن صدق الداعية تصديق قوله بفعله، ومقالته بقدوته؛ فقد قيل: إن الصدق استواء السّرّ والعلانية، والظّاهر والباطن بألاَّ تكذّب أحوال العبد أعماله، ولا أعماله أحواله، وقال القشيريّ: (الصّدق أن لا يكون في أحوالك شوب، ولا في اعتقادك ريب، ولا في أعمالك عيب)[27].

رابعًا: التواضع:

التواضع التذلل، والتذلل على المؤمنين محمود كما قال الله عز وجل: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [المائدة: ٥٤]، وقيل هو رضا الإنسان بمنزلة دون ما يستحقُّه فضله ومنزلته، وأن يتجنَّب الإنسان المباهاة بما فيه مِن الفضائل، وهو ضد الاختيال والكبر، ومن تواضع لله رفعه الله؛ قال «وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله»[28].

وقد كان النبي إمام المتواضعين: يخيط ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه[29]، ويمر بالصبيان فيسلم عليهم[30]،وكان يبدأ بالسلام[31]، ويعود المريض[32]، وكانت الأَمَة تأخذ به فتنطلق به حيثما شاءت[33]، ويدخل الرجل المسجد فلا يعرفه بين أصحابه فيقول: أيكم محمد؟[34].

فالتواضع طريق مختصر إلى قلوب الناس، وإزالة للحواجز التي قد يضعونها بينهم وبين المدعوين، ورسالة مطمئنة لهم يبعثها الداعية بحسن تواضعه، (ومن طبيعة الناس أنهم لا يقبلون قول من يستطيل عليهم، ويحتقرهم، ويستصغرهم، ويتكبر عليهم، ولو كان ما يقوله حقًا وصدقًا، فهم يغلقون قلوبهم دون كلامه ووعظه وإرشاده، ومن طبائع الناس أنهم لا يحبون من يكثر الحديث عن نفسه، والثناء عليها)[35].

خامسًا: الحلم:

الحلم صفة عليَّة معناها ضبط النَّفس والطَّبع عن هيجان الغضب، وقيل الحِلْم: (اسم يقع على زمِّ النَّفس عن الخروج عند الورود عليها، ضدُّ ما تحبُّ إلى ما نهي عنه. فالحِلْم يشتمل على المعرفة والصَّبر والأَنَاة)[36].

والحلم للداعية صفة يدفع بها سَورة الغضب ويكبح رغبة انتقامه لنفسه ممن أساء إليه؛ فإنه قد يقع للداعية ما يثير غضبه، وقد يعتدى عليه من الجهول، أو يتجرأ عليه من لا خلاق له، أو يستفزه المعاند للحق والمجادل، والواجب ألا يزيده ذاك إلا حلمًا؛ قال الله تبارك وتعالى: وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت: ٣٤]، وبالحلم يسود الداعية ويكسب القلوب، ويكسر تربص الشيطان وتسلله بين النفوس، وعلى نقيض هذا فإن الغضب والانتصار للنفس يفرق المدعوين ويفضهم عن الداعية.

جاء عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: «كنت أمشي مع رسول الله ، وعليه بردٌ نجرانيٌّ غليظ الحاشية، فأدركه أعرابيٌّ، فجبذه بردائه جَبْذَةً شديدةً، حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله قد أثَّرت بها حاشية البُرْد مِن شدَّة جَبْذَته، ثمَّ قال: يا محمَّد! مُرْ لي مِن مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله ثمَّ ضحك، ثمَّ أمر له بعطاء»[37]،فقد كان من صفاته أنه لا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلمًا. والحلم صفة يحبها الله كما أخبر النبي : «إنَّ فيك خصلتين يحبُّهما الله: الحِلْم، والأناة»[38].

سادسًا: اللين والرفق:

قال الله تعالى مبينًا فضله على نبيه وكيف جمع عليه الناس: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران: ١٥٩]، فباللين والرفق يجتمع الناس حول الداعية ويحبونه، وبالغلظة والفظاظة ينفضّون، والرفق لين الجانب، وهو ضد العنف، «وما كان الرفق في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه» [39]، فالدعوة تزين بالرفق وتُقبل باللين، وهي وصية الله عز وجل لموسى عندما أمره أن يدعو أعظم طغاة التاريخ: اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ ﴿ ٤٣ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ [طه: ٤٣ - ٤٤].

ولا يعني اللينُ المداهنةَ في الباطل، أو التغاضي عن المنكر، أو السكوت عن انتهاك محارم الله، ولكنه يعني الترفق بالناس، وحملهم على الحق بالأسلوب اللين، والتدرج بهم في الأَطْرِ على الحق، وحسن عرض الدعوة لهم، ومراعاة تفاوت أحوالهم.

سابعًا: الكرم:

والكرم الإعطاء والبذل بطيب نفس، والكرم والجود والسخاء والعطاء والبذل أسماء ذات معان متقاربة، وقد كان النبي كريما أجود بالخير من الريح المرسلة، فعن أنس رضي الله عنه قال: «ما سُئل رسول الله على الإسلام شيئًا إلاَّ أعطاه، قال: فجاءه رجلٌ فأعطاه غنمًا بين جبلين، فرجع إلى قومه، فقال: يا قوم أسلموا؛ فإنَّ محمَّدًا يعطي عطاءً لا يخشى الفاقة» [40]، وأهدت امرأة إلى النَّبيِّ عليه الصَّلاة والسَّلام شملةً منسوجة، فقالت: « يا رسول الله، أكسوك هذه، فأخذها النَّبيُّ عليه الصَّلاة والسَّلام محتاجًا إليها، فلبسها، فرآها عليه رجل مِن الصَّحابة، فقال: يا رسول الله، ما أحسن هذه! فاكْسُنِيها، فقال: نعم، فلمَّا قام النَّبيُّ عليه الصَّلاة والسَّلام لامه أصحابه، فقالوا: ما أحسنت حين رأيت النَّبيَّ أخذها محتاجًا إليها، ثمَّ سألته إيَّاها، وقد عرفت أنَّه لا يُسْأَل شيئًا فيمنعه، فقال: رجوت بركتها حين لبسها النَّبيُّ لعلِّي أكفَّن فيها » [41].

والناس مجبولة على حب المحسن، والقرب من الكريم، ورفعه وتقديره، وبالكرم يتألف الداعية قلوب الناس كما كان النبي يتألف الناس بعطائه، والشح والبخل يزري بالداعية ويقبحه عند الناس، قال حبيش الثقفي: ( قعدت مع أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين والناس متوافرون فأجمعوا أنهم لا يعرفون رجلاً صالحًا بخيلاً ) [42].

ثامنًا: التعفف والزهد:

تعفف الداعية وزهده في ما عند الناس عِزٌّ له، وتعففه يعني: ضبط النفس عن الشهوات وقصرها على الاكتفاء بما يحتاج، واجتناب السَّرف في جميع الملذات، وقصد الاعتدال، والزهد: قلة الشيء؛ وهو انصراف الرّغبة عن الشّيء إلى ما هو خير منه، ويقوى الزهد في حق الداعية عن المال والجاه والرياسة والشهرة،التي هي مظنة حصولها له إذا تصدَّر للناس ونفع الله بدعوته، وبخاصة إذا التف حوله أشراف الناس وأعيانهم ووجهاؤهم، ومتى ما لمس الناس أن الداعية عنده أي مطمع دنيوي، أو رغبة مادية بما في أيديهم، فإنه يسقط من أعينهم؛ عن سهل بن سعد السّاعديّ رضي الله عنه قال: أتى النّبيَّ رجلٌ فقال: يا رسول الله، دلّني على عمل إذا أنا عملته أحبّني الله وأحبّني النّاس. فقال رسول الله : «ازهد في الدّنيا يحبّك الله، وازهد فيما في أيدي النّاس يحبك الناس » [43].

وينبغي للداعية أن يكون حكيمًا في هذا المسلك؛ فقد يرغب الناس بالإحسان إليه وقضاء حوائجه، أو يغدقون عليه الهدايا امتنانا منهم لما قدمه لهم من الخير الذي انتفعوا به، فعليه والحالة هذه أن يوازن بين المصلحة والمفسدة في قبول العطية أو ردها - مما قد يسبب الحرج أو إيغار الصدور - وعليه ألا يكون متطلعًا لما عند الناس، وألاَّ تعدوَ عيناه إلى ما رزق أعيانهم من زهرة الحياة الدنيا، وأن يكون متأكدًا أن ليس وراء هذه العطايا مصلحة للمعطي، وقد أُثِر عن السلف قبول العطايا وأُثِر عنهم أيضًا ردها إن خالطتها شبهة، والموفق من وفقه الله بالبصيرة، وقد كان يقبل الهدية ويثيب عليها[44]، وقال صلوات ربي وسلامه عليه: «تهادوا تحابوا»[45].

ومما حكاه التاريخ عن عمرو بن عبيد المعتزلي المبتدع أنه بلغ من قلب أبي جعفر المنصور مبلغًا، ونال إعجابه بتعففه عما في أيدي الناس، حتى قال المنصور لبعض من عنده:

كلكم يمشي الرويد * كلكم يطلب صيد * غير عمرو بن عبيد[46].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة