حجم الخط:

محتوى الدرس (12)

المبحث الثالث: الهدي النبوي في الدعوة

[مقدمة]:

الرسول محمد إمام الدعاة، وقدوتهم وأسوتهم؛ قال الله: قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف: ١٠٨]، وقال الله تبارك وتعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21]، (والداعية إلى الله تعالى بحاجة إلى قدوتين: قدوة حية تجسِّد المثال الواقعي للسلوك الخلقي الأمثل - وهذه متمثلة في الدعاة والعلماء الأكبر منه سنًا وعلمًا وخبرة - وقدوة معصومة يكونُ حاضرًا في الذهن بأخباره، وسيرته، وصورته مرتسمة في النفس بما أُثِر عنه من سِير وقصصٍ، وأنباء من أقوال وأفعال، وهذه متمثلة في سيد المرسلين نبينا )[1]، فدراسة هديه في الدعوة واقتفاء سيرته فيها بصيرة للداعي وسبيل للرشاد.

1 - أهمية اقتداء الداعية بالهدي النبوي في الدعوة:

أ) الأصل في العبادات متابعة النبي فيها، وهي إحدى شرطي قبول العمل الصالح: (الإخلاص لله، ومتابعة رسوله عليه الصلاة والسلام)، والدعوة إلى الخير من أعظم العبادات التي بيَّن الله سبيل الرسول فيها: قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف: ١٠٨]، فدراسة هدي النبي محمد في الدعوة وأحواله مع المدعوين وأساليب دعوته للناس سياج للداعية من التعدي على السنة المتبعة، وسلوك الطريقة المبتدعة.

ب) كما أن الاقتداء بهدي النبي في الدعوة إلى الله سبب لمحبة الله عز وجل؛ كما قال الله تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران: ٣١]. فدليل محبة الله عز وجل اتباع الرسول ، وثمرتها: محبة الله لكم، ( فما لم تحصل منكم المتابعة فمحبتكم له غير حاصلة، ومحبته لكم منتفية ) [2].

ج) والاقتداء به في الدعوة إلى الله عصمة من الضلالة؛ قال : «تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي»[3]،فقد عصمه الله من الشرك والضلالة، وبرَّأه من الزيغ والأهواء، وطهَّره من الفسوق والعصيان، واختاره من أشرف الناس نسبًا، وأكثرهم حلمًا وحكمة، وأعظمهم أمانة، وأقواهم حجة، وأوفرهم ذكاء، فمن استمسك بهديه واقتفى أثره نجا بإذن الله من الضلال.

2 - أخلاق النبي في الدعوة:

زكّى الله تعالى خُلُقَ نبيه بقوله: وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: ٤]، وسُئِلَتْ عائشةُ رضي الله عنها عن خُلُق النبيِّ ، فقالت: «فإن خلق نبي الله كان القرآن» [4]. وقال : «إنما بُعِثْتُ لأُتَمِّم مكارم الأخلاق»[5].

وعن أنس رضي الله عنه قال: كان النبي أحسن الناس خلقًا[6].

لقد كان نموذجًا مثاليًا في دماثة خلقه، وكريم أدبه، وحسن تعامله مع الناس؛ حيث غمر بجميل أخلاقه الناس أجمعين، ووسع إحسانُه الكبير والصغير، والرجل والمرأة، والقريب والبعيد، حتى الحيوان كان له نصيب من إحسانه وخلقه الجميل، فليس ثمة هدي أجمل ولا أحسن من هديه ، وليس ثمة تعامل أرقى من تعامله ؛ فبهديه الجميل وتعامله الراقي استطاع أن يكسب قلوب الناس، ويروض نفوسهم، ويجذب أفئدتهم، ويصحح معتقداتهم، ويهذب أخلاقهم، ويرتقي بهممهم.

وقد ذكرنا في المبحث السابق جملة من الأحاديث التي تبين خلقه في الدعوة، ونذكر هنا بعضًا من سيرته ومواقفه. والمطلوب منك أيها القارئ التأمل فيها واستنباط هديه منها.

3 - نماذج من هدي النبي في الدعوة:

1) عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: بينما نحن في المسجد مع رسـول الله إذ جـاء أعـرابـي فقـام يبـول في المسجد، فقـال أصحـاب رسول الله : مَهْ مَهْ. قال: قال رسول الله : «لا تُزْرموه، دعوه»، فتركوه حتى بال، ثُمَّ إنَّ رسول الله دعاه، فقال له: «إنَّ هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنَّما هي لذكر الله عزَّ وجلَّ والصلاة وقراءة القرآن»، أو كما قال رسول الله ، قال فأمر رجلاً من القوم فجاء بدلو من ماء فشنَّه عليه[7].

2) وعن معاوية بن الحكم السلمي قال: بينا أنا أصلي مع رسول الله إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله. فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثُكْلَ أُمِّيَاه، ما شأنكم تنظرون إلي؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلمَّا رأيتهم يُصمِّتونني لكني سكت، فلما صلَّى رسول الله فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، فوالله ما كهرني، ولا ضربني، ولا شتمني؛ قال: «إنَّ هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام النَّاس، إنَّما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن»[8].

3) عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: «إن فتى شابًّا أتى النَّبيَ فقال: يا رسول الله ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: مه مه، فقال: «ادْنُه»، فدنا منه قريبًا، قال: فجلس، قال: «أتحبُّه لأمِّك؟»، قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال: «ولا النَّاس يحبونه لأمهاتهم»، قال: «أفتحبه لابنتك؟»، قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداءك، قال: «ولا النَّاس يحبونه لبناتهم»، قال: «أفتحبه لأختك؟»، قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال: «ولا النَّاس يحبونه لأخواتهم»، قال: «أفتحبه لعمتك؟»، قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال: «ولا النَّاس يحبونه لعماتهم»، قال: «أفتحبه لخالتك؟»، قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال: «ولا النَّاس يحبونه لخالاتهم»، قال: فوضع يده عليه، وقال: «اللهم اغفر ذنبه، وطهِّر قلبه، وحصِّن فرجه»، فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء[9].

4) قال أنس بن مالك رضي الله عنه كان رسول الله من أحسن النَّاس خلقًا، فأرسلني يومـًا لحاجة، فقلـت: والله لا أذهـب، وفـي نفسي أن أذهب لمـا أمـرني به رسول الله ، فخرجت حتى أمر على صبيان، وهم يلعبون في السوق، فإذا رسول الله قد قبض بقفاي من ورائي، قال: فنظرت إليه وهو يضحك، فقال: «يا أنيس أذهبت حيث أمرتك؟»، قلت: نعم أنا أذهب يا رسول الله[10].

5) روت عائشة رضي الله عنها، أنَّ رجلاً استأذن على النَّبي ، فلما رآه قال: «بئس أخو العشيرة، وبئس ابن العشيرة». فلما جلس تطلَّق النَّبي في وجهه وانبسط إليه، فلما انطلق الرَّجل. قالت له عائشة: يا رسول الله! حين رأيت الرَّجل، قلت له كذا وكذا، ثم تطلَّقت في وجهه، وانبسطت إليه. فقال: رسول الله : «يا عائشة، متى عهدتني فحَّاشا! إنَّ شر النَّاس عند الله منزلة يوم القيامة، من تركه النَّاس اتقاء شرِّه» وفي رواية: «فُحْشِه»[11].

6) عن جرير رضي الله عنه، قال: «ما حجبني النَّبي منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسَّم في وجهي، ولقد شكوت إليه أنِّي لا أثبت على الخيل، فضرب بيده في صدري، وقال: اللهمَّ ثبِّته، واجعله هاديًا مهديًّا»[12].

7) عن موسى بن أنسٍ عن أبيه، قال: ما سُئل رسول الله على الإسلام شيئًا إلاَّ أعطاه، قال: فجاءه رجلٌ فأعطاه غنمًا بين جبلين، فرجع إلى قومه، فقال: يا قوم أسلموا، فإنَّ محمَّدًا يعطي عطاءً لا يخشى الفاقة[13].

8) وقال أبو هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله : «لو كان لي مثل أحدٍ ذهبًا ما يسرُّني أن لا يمرَّ عليَّ ثلاثٌ، وعندي منه شيءٌ إلاَّ شيءٌ أرصدُهُ لدَيْنٍ»[14].

9) عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما ضرب رسول الله شيئًا قط بيده، ولا امرأةً ولا خادمًا إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه، إلا أن ينتهك شيء من محارم الله تعالى، فينتقم لله عزَّ وجلَّ[15].

10) عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنَّه غزا مع رسول الله قِبَل نجد، فلما قفل رسول الله قفل معه، فأدركتهم القائلة في واد كثير العِضاه[16]، فنزل رسول الله ، وتفرق الناس يستظلون بالشجر فنزل رسول الله تحت شجرة، وعلَّق بها سيفه ونمنا نومة، فإذا رسول الله يدعونا، وإذا عنده أعرابي. فقال: «إن هذا اخترط عليَّ سيفي وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده صلتًا، فقال: من يمنعك مني؟ فقلت: الله» ثلاثًا، ولم يعاقبه وجلس[17].

11) لما فتح رسول الله مكة دخل البيت، فصلى بين الساريتين، ثم وضع يديه على عضادتي الباب، فقال: «لا إله إلا الله وحده ماذا تقولون، وماذا تظنون؟ » قالوا: نقول خيرًا، ونظن خيرًا: أخ كريم، وابن أخ، وقد قدرت، قال: «فإني أقول لكم كما قال أخي يوسف : لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [يوسف: ٩٢]»[18].

12) عن عروة بن الزبير رضي الله عنهما قال: قال عكرمة بن أبي جهل: لما انتهيت إلى رسول الله قلت: يا محمد، إنَّ هذه أخبرتني أنَّك أمَّنتني، فقال رسول الله : «أنت آمن». فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنت عبد الله ورسوله، وأنت أبرُّ الناس، وأصدق الناس، وأوفى الناس، قال عكرمة: أقول ذلك وإني لمطأطئ رأسي استحياء منه، ثم قلت: يا رسول الله، استغفر لي كلَّ عداوة عاديتكها، أو موكب أوضعت فيه أريد فيه إظهار الشرك، فقال رسول الله : «اللهم اغفر لعكرمة كلَّ عداوة عادانيها، أو موكب أوضع فيه يريد أن يصدَّ عن سبيلك». قلت: يا رسول الله، مرني بخير ما تعلم فأُعلِّمُه، قال: «قل: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله، وتجاهد في سبيله»، ثم قال عكرمة: أما والله يا رسول الله، لا أدع نفقة كنت أنفقتها في الصدِّ عن سبيل الله إلا أنفقت ضعفها في سبيل الله، ولا قاتلت قتالاً في الصدِّ عن سبيل الله إلا أبليت ضعفه في سبيل الله. ثم اجتهد في القتال حتى قتل يوم أجنادين شهيدًا في خلافة أبي بكر رضي الله عنه[19].

13) عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنَّ رسول الله أخذ بيده وقال: «يا معاذ، والله إنِّي لأحبُّك، والله إنِّي لأحبُّك»، فقال: «أوصيك يا معاذ، لا تدعنَّ في دبر كلِّ صلاة تقول: اللهمَّ أعنِّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك»[20].

14) عن عبد الله رضي الله عنه، قال: «لما كان يوم حنين، آثر النَّبي أناسًا في القسمة، فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عُيَيْنة مثل ذلك، وأعطى أناسًا من أشراف العرب، فآثرهم يومئذ في القسمة، قال رجلٌ: والله إنَّ هذه القسمة ما عُدل فيها، وما أُريد بها وجه الله. فقلت: والله، لأخبرنَّ النَّبي ، فأتيته، فأخبرته، فقال: «فمن يعدل إذا لم أعدل؟، رحم الله موسى، قد أُوذي بأكثر من هذا فصبر»[21].

وتلك صور ونماذج من هدي النبي محمد في الدعوة مع المسلم وغير المسلم، الكبير والصغير، ومع من يحسن القول ومن يغلظه، حال اليسر والعسر، ووقت السلم والحرب،...إلخ؛ الأمر الذي يَفرض على كل مسلم داعية مربِّ الاقتداء بهذا الهدي النبوي في سبيل الوصول إلى الغاية التي تُرضي عنا الله ورسوله . لذا يأتي الفصل التالي لبيان هذا الأمر وتوضيح سبل تحقيقه.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة