المبحث الأول: تطوير الذات
تعني الذات: قيم الشخص واتجاهاته عن نفسه؛ بما يشمله ذلك من عقل الإنسان وروحه وقلبه وجسده، وتطوير الذات - بناءً على ذلك - منهج يعمل على التنمية واكتساب المعلومات والقيم والمهارات أو السلوكيات التي تعين الإنسان على تحقيق أهدافه وتوطيد علاقته مع الآخرين والتعامل مع أي عائق يمنعه من ذلك، وبذلك فتطوير الذات عملية تغيير النفس الإنسانية إلى نفس أفضل في شتى المجالات؛ حتى يشعر الإنسان بالرضا والسعادة في حياته كلها.
ولقد أكد الإسلام على ذلك مرارًا وتكرارًا؛ حيث حث المسلم دائمًا على إصلاح نفسه وتطهيرها؛ قال تعالى: ﭽ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ﴿ ٧ ﴾ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴿ ٨ ﴾ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴿ ٩ ﴾ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﭼ [الشمس: ٧-١٠]. والداعية المربي يسعى دائمًا إلى الارتقاء بنفسه والتسامي بها إلى أعلى منازلها؛ فالنفس لها ثلاث درجات أو منازل على النحو الآتي:
- النفس الأمارة: التي يتحكم فيها الهوى؛ وإن كان هواها في غير ما فيه رضا الله؛ قال تعالى: ﭽ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ﭼ [يوسف: ٥٣].
- النفس اللوامة: التي تلوم صاحبها وتحاسبه على ما صدر منه من قبائح وعيوب؛ قال تعالى: ﭽ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ﭼ [القيامة: ٢].
- النفس المطمئنة: التي اطمأنت إلى وعد الله الذي وعد به أهل الإيمان في الدنيا من الكرامة، وفي الآخرة فصدّقت بذلك؛ قال تعالى: ﭽ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ﴿ ٢٧ ﴾ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ﭼ [الفجر: ٢٧ - ٢٨].
وتدل نصوص كثيرة على ضرورة الوصول إلى هذه الدرجة وأهميتها، منها: قول الرسول ﷺ: «إن الله يحب معالي الأمور وأشرافها، ويكره سفاسفها»[1].
وحتى يتمكن الفرد من تطوير ذاته، فإنه من الضروري أن يتعرف على: كيفية اكتشاف ذاته وتفعيلها، تحديد أهدافه، إدارة الوقت، تطوير مهارات التعلم والتفكير. وفيما يلي إلقاء الضوء على ذلك:
تتحدث بعض النصوص الإسلامية في القرآن والسنة حول مسائل النهوض بالإنسان وترقية حاله، وتهيئة الأجواء والبيئات التي تعينه على ذلك؛ مما يدل دلالة واضحة على أن المنهج الرباني الأقوم -الذي ارتضاه اللطيف الخبير بأحوال خلقه- يستهدف الإنسان على نحو رئيس، فإذا صلُح: أمكنه أن يُصلح كل ما حوله، وإذا فسد: أفسد كل ما حوله.
وقد انتشر في السنوات الأخيرة وتواتر مفهوم تنمية الموارد البشرية، وتكوين رأس المال البشري، والتنمية التعليمية والعقلية، وغير ذلك من المفاهيم التي تؤكد أن الإنسان هو محور التنمية، وفاعلها، ومنظمها، ومطورها، ومجددها. وهكذا يعد الإنسان -بصفته غاية وهدفًا ووسيلة ونتيجة في ذات الوقت- المعيار الجوهري في تقويم الجهود الإنمائية؛ فالتنمية تكون لذات الإنسان، وفي ذاته، ومن أجله، ومن خلاله.
ولعل مكانة الإنسان من التنمية هي التي جعلت البشر من أهم الموارد التي يمتلكها أي مجتمع وأغلاها؛ وذلك إذا أُحسنت تربيتها وتعليمها واكتشاف مكنوناتها، حتى يمكنهم الاضطلاع بمهماتهم المجتمعية، والأخذ بالمبادئ والمقومات المطلوبة للتنمية الشاملة للمجتمع. ويتضح لنا من هذا السياق، أن أمة الإسلام تملك أهم شيئين -إذا أُحسن استثمارهما أصبحا عامل الرجحان والغلبة في موازين التنمية والإصلاح والتغيير العالمي- وهما:
(أ) المنهج الرباني
(ب) الثروة البشرية
فإذا استطاعت التربية الإسلامية أن تُشيع في الأمة ثقافة تنمية الذات وتفعيلها، وشحذ الهمم، وبرمجة الشخصية المسلمة وفق ما أراد الله -سبحانه وتعالى- فإننا نكون قد أوجدنا الأساس الضروري لجعل المسلم دائمًا في الطليعة الخيرة والمنتجة. وبمعنى آخر: إذا تعلّم كل مسلم كيف يتشبث بمبادئه وأصوله وقيمه الإسلامية، وتعلّم كيف يكتشف ذاته، وكيف ينمي إمكاناتها ومهاراتها باستمرار، فإنه بذلك قد استطاع تطويرها وتقديرها؛ لأن أسوأ أحوال الإنسان تظهر عند مقارنته بأحوال السبّاقين من أهل الصلاح والنجاح الذين نخالطهم أو نقرأ عنهم، كما أن أفضل أحوال الإنسان تظهر عند اكتشافه أحواله الخاصة، والوقوف على إمكاناته الكامنة، وتحديد المشكلات التي يعاني منها، والمصاعب التي تواجهه.
وإن خلاصة القول هي أنَّ: من عرف نفسه عرف ربَّه، وعرف أيضًا كيف يتعامل مع الناس برّهم وفاجرهم، فالسؤال الآن هو: هل تعرف نفسك جيدًا؟ أو هل تستطيع اكتشاف ذاتك حتى تطورها؟ أم أنك تجهل ذاتك؟
إن من أشد أنواع الجهل خطورة: جهل الإنسان بنفسه، أو الجهل بأنه جاهل، أو ادعاء العلم والمعرفة دون أن يمتلكهما؛ لأن مثل ذلك يسبب له الكثير من الارتباك، ويشوه تعامله مع الله جل وعلا، ومع الناس، كما يحرمه من الفرص المتاحة له، ويعرضه للكثير من الأخطار التي تهدده.
وفي سبيل تحديد الإجابة عمَّا سبق، تعرَّف جيدًا على ما يلي:
1) ما مؤشرات اكتشاف الذات؟
هل تستطيع كتابة قصة حياتك أو سيرتك الذاتية في ورقة واحدة؟ إذا لم تستطع فأنت لا تعرف ذاتك، وإذا كانت كتابتك مقتضبة جدًا فأنت تعيش على هامش الحياة، وإذا كانت كتابتك تصوِّر ذاتك بما تحمله من مواهب وقدرات وإمكانات، وكذلك الأسرار، وربما أوجه القصور والعيوب، فإنك حينئذ تستطيع اكتشاف ذاتك، وبالتالي تطوير ما فيها من محاسن ودعمها، وتلافي ما فيها من مساوئ.
ولاكتشاف الذات والتعرف عليها أدوات عديدة؛ ومن ذلك: اختبارات الشخصية، الاختبارات العقلية، مواقف الحياة والتجارب العملية، سؤال الآخرين، التأمل الذاتي في النفس.
وعند الأخذ بهذا الأسلوب، ينبغي على المرء أن يسأل نفسه دائمًا الأسئلة الآتية كي يكتشف ذاته:
- ماذا كان وضعي في السابق؟ وأين أنا الآن؟ وكيف وصلت إلى ذلك؟
- ما الهدف من حياتي؟ وما طموحاتي؟ وماذا أنجزت من ذلك؟
- لماذا أحب الحياة؟ وما مسؤولياتي فيها؟
- ماذا لديَّ من معارف وقيم ومهارات ومواهب وطاقات؟
- ما ميولي واهتماماتي؟ ماذا أحب؟ وماذا أكره؟
- ما الميزات التي أتمتع بها؟ وما المساوئ التي أتصف بها؟
- ما التحديات والمشكلات التي أواجهها؟ وكيف أتعامل معها؟
- ما الذي يُشغل تفكيري باستمرار؟ وكيف أقضي وقتي في أثناء العمل أو الفراغ؟
- ما مدى ثقتي بنفسي أمام نفسي وأمام الآخرين؟
- ما علاقتي بما يحدث من حولي من تغيرات مجتمعية على المستويين المحلي والعالمي؟
2) معوقات اكتشاف الذات وتطويرها:
- عدم وجود أهداف أو خطط.
- التكاسل والتأجيل.
- عدم تنظيم الوقت.
- التعود على عدم إكمال الأعمال وعدم إنجازها.
- سوء فهم الآخرين، أو سوء الظن بهم.
- عدم الرغبة أساساً في التطوير.
- سرعة اليأس من المحاولة.
- الانطواء على الذات.
- كثرة الشكوى والاعتراض دون تقديم حلول أو بدائل مناسبة.
3) مراحل تطوير الذات:
لتطوير الذات ثلاث مراحل أساس، هي:
المرحلة الأولى: تعرَّف على احتياجاتك وحدد أهدافك:
* اسأل نفسك: ماذا أفعل في هذه الحياة؟
* صنِّف اهتماماتك إلى أبواب؛ مثل: علاقتك بـ(ربك، نفسك، عائلتك، عملك، مجتمعك، أمتك).
* اكتب الأهداف التي تريد أن تحققها في كل مجال لمدة محددة من الزمن، مثل: (في مجال علاقتي بربي أريد أن أحفظ عشرة أجزاء من القرآن خلال سنة من الآن).
* تذكّر كافة النشاطات التي قمت بها في حياتك، بداية من طفولتك حتى الآن.
* اكتب هذه النشاطات على ورقة.
* صف باختصار ما قمت به في كل نشاط.
* استخدم أفعالاً تصف نشاطاتك؛ مثل: (كتبتُ، أنجزتُ، شرحتُ، نظمتُ، ربحتُ).
* اكتشف المهارات التي استخدمتها أو تعلمتها في كل نشاط؛ مثل: (مهارات الاتصال، حل المشكلات، التخطيط).
* صنِّف نفسك في جمل، مثل: (تعلمت النظام من اصطفافي في الصلاة).
المرحلة الثالثة: قوِّم نفسك (SWOT):
* حدِّد نقاط القوة لديك (Strength).
* حدِّد نقاط الضعف لديك (Weakness).
* حدِّد الفرص المتاحة لديك والتي تميزك عن غيرك (Opportunities).
* حدِّد التهديدات التي يمكن أن تعيقك عن تحقيق أهدافك (Threats).
4) ملامح تطوير الذات:
للناجحين القادرين على تطوير ذواتهم ملامح وعادات يتَّسمون بها، يمكن لكل فرد التحقق من مدى توفرها في ذاته للحكم عليها بالتطوير أم عدمه؛ ومن هذه الملامح والعادات أنهم:
* لا يتورطون أبدًا في عادات رتيبة ضارة بهم.
* لديهم أهداف واضحة ومحددة.
* يرحبون بالنقد البناء والنصائح المفيدة.
* لا يهدرون الكثير من الوقت أو الجهد في معارك مع خصومهم.
* يسعدون بالاعتراف بأي نقص أو عيب.
* لديهم القدرة على الإصلاح الذاتي وتحسين سلوكهم وأدائهم باستمرار.
* لا يزعجهم نجاح الآخرين أو سعادتهم.
* يظهرون الود والثقة تجاه الآخرين مهما اختلفوا معهم.
* يقومون بالأعمال التي لا يحبونها أولاً.
* لديهم القدرة على تقدير الذات وضبط السلوك في الأزمات والمواقف المحرجة.
* يحبون العمل مع الآخرين، وفي كل مجالات الحياة، تبعًا لقدراتهم.
5) عوامل تسهم في تنمية الذات وتفعيلها:
* التعامل مع القيم والمبادئ والاقتناعات الكبرى بحذر وأناة وروية؛ فليست القيم ثيابًا نلبسها ونخلعها متى شئنا.
* الرقي الحقيقي ليس الرقي في العمران، وإنما هو الرقي الروحي الأخلاقي الذي ينبع من الإحساس بحلاوة التقرب إلى الله تعالى، ومن نشوة الانتصار على الأهواء والمغريات والشهوات والمصالح الذاتية.
* تزكية أحوال القلب والروح؛ فعلى المربي: إخلاص النية لله تعالى، وحب الله تعالى، والأنس به، والشوق إلى ذكره ومناجاته، والتفكر في نِعَم الله تعالى وآلائه وفضله وعظمته، والرضا بما يقضيه الله تعالى، وحمده على ما جرت به المقادير.
* تنمية الأحاسيس والمشاعر الحسنة والبناءة؛ وذلك من خلال التفاؤل برؤية الجوانب المشرقة في حياتنا، وعدم الاستغراق في الندم والتحسر على ما فات.
* عدم التكاسل في العمل الصالح؛ لأن العمل هو البرهان الحقيقي على صدق الإيمان وحيويته.
* تعلُّمُ كيفية التخلص من العادات السيئة، وإحلال العادات الحسنة محلها للارتقاء بالنفس، وهذا التغيير بلا شك ليس سهلاً على النفس بل ينطوي على قدر من المشقة. ومثال ذلك: المسلم الذي يذهب كثيرًا للصلاة في المسجد متأخرًا، أو عند سماع الإقامة للصلاة، فهل يستطيع التغلب على ذلك بالمحافظة على صلاة الجماعة بالذهاب إلى المسجد عند الأذان على أن يدرك الصلاة من بدايتها وفي الصف الأول؟ وهكذا مع باقي أمور العبادة والحياة.
* الاستعانة على الكلام بالصمت، وعلى الاستنباط بالفكر.
* حُب القراءة والعلم والمعرفة؛ فسلطان العلم هو الذي يُمكِّن الإنسان من اكتشاف المنهج الأكثر ملاءمة لحل مشكلاته والنهوض به وتقدمه، ومع أهمية ذلك فعلى المرء أن يعتقد أنه ليس المقصود من العلم حمله وحفظه وتخزينه وسرده وعرضه (مثل الحاسب الآلي)، بل المطلوب هو التعامل مع المعلومات المكتسبة في هيئة: منهج، ونظام، ونماذج إرشادية، وعلاقات ارتباطية، وتوجهات ومبادئ وحقائق أساس.
* البحث عن الطرق الجديدة لاكتساب المعارف وتوظيفها في تحقيق النهضة والتنمية الشاملة.
* السعي إلى استيضاح الرؤية المستقبلية عن طريق تخطيط المناشط والأعمال والعلاقات المختلفة.
ثانيًا: وضوح الأهداف وتحديدها:
إن التعريف الواضح والمحدد للأهداف هو المطلب الأساس الأول من أجل التنفيذ الناجح لأي مشروع أو برنامج تربوي من ناحية، ومن ناحية أخرى تثير الأهداف الواضحة والمحددة من وجهة نظر العلاقات الإنسانية دافعية المسؤولين عن تحقيقها، وتسهل المشاركة والتنسيق فيما بينهم.
ولكن قد تجد أناسًا يمارسون العمل الدعوي دون منهج وغاية؛ فتجدهم يهتفون بالشعارات، ويتشدقون بالعبارات الإنشائية، ولا يمارسون ما يقولون، وربما يكون لدى أحدهم رؤية ويسعى لتحقيق أهداف كبرى تحتاج إلى وقت ليس بالقصير، ولكن مع غياب المنهج والغاية، ومع مرور الوقت يتسلل إلى النفوس الشعور بالفشل والإحباط.
لذا، فإن السبيل الصحيح للداعية المربي هو وضوح أهدافه وتحديدها، وحتى لا يتعثر المسلم في طريق دعوته عليه كتابة أهدافه وتحديدها على النحو الآتي:
1) تحديد الأهداف الكلية والجزئية:
فإذا كان الداعية يحلم بإصلاح المجتمع، فهو حينئذ يحدد هذه الغاية الكبرى لتكون نصب الأعين، ثم يحدد أهدافًا جزئية يسعى كل منَّا لتحقيقها، وقد يكون هذا الهدف الجزئي دعوة الزوجة أو الزوج، دعوة الأب أو الأم، دعوة الأخ أو الأخت، دعوة الصديق أو الجار، دعوة زملاء العمل أو رفقاء السفر. لكن يتبقى سؤال مهم في هذا الصدد ألا وهو: إلام ندعو؟ ما الغاية الكبرى والأهداف الخاصة أو الجزئية التي ندعو إليها؟
يقول الأصوليون: إن المقاصد العامة للشريعة الإسلامية خمسة؛ هي: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العِرض، وحفظ العقل، وحفظ المال، وأن ثمة مقاصد جزئية يتحقق بها المقصد الكلي، ومن ثم، فإذا كان الهدف الأم هو نشر دين الله تعالى في شتى بقاع الأرض، فإن هذا لا يتحقق إلا بثلاثة أهداف فرعية هي:
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (كان المقصود بالدعوة: وصول العباد إلى ما خُلقوا له من عبادة ربهم وحده لا شريك له. والعبادة أصلها عبادة القلب المستتبع للجوارح؛ فإن القلب هو الملك والأعضاء جنوده، وهو المضغة التي إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد - وإنما ذلك بعلمه وحاله - كان هذا الأصل الذي هو عبادة الله بمعرفته ومحبته هو أصل الدعوة في القرآن؛ قال تعالى: ﭽ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﭼ [الذاريات: ٥٦] )[2].
ب -اتباع النبي محمد ﷺ وصحبه رضوان الله تعالى عليهم:
وهنا تأتي قضية الالتزام بسنة النبي محمد ﷺ ، ومحاربة البدع، ومحاربة التيارات الإلحادية التي تسعى من حين لآخر للنَيْل من السنة، وينبغي أن تشهد الساحة الدعوية مزيدًا من التكثيف لنشر السنة، والتزام هدي السلف الصالح؛ لأنها بمنزلة التطبيق العملي الذي يشكل النموذج القدوة الذي يضعه الناس في كل زمان أمامهم ليرشد مسيرتهم ويهدي خطاهم.
من الأهداف التي تحتاج إلى مزيد عناية من الدعاة قضية: تزكية النفوس؛ فلا يكفي مطلقًا تركيز الدعاة على المادة العلمية الشرعية، أو بعض المواعظ، مع الابتعاد عن الجانب الأخلاقي السلوكي النفسي؛ فما أكثر العلماء والدعاة في الأمة الذين خرَّجوا جيلاً من المتعالمين ومن أنصاف طلبة العلم، لكن السؤال الأهم هو: أين العلماء والدعاة المربون؟
فهذه هي الدعوة التي جاء النبي محمد ﷺ بها: ﭽ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﭼ [الجمعة: ٢]، فكل مقصد من هذه المقاصد التي ذكرتها الآية له وسائله، وينبغي السعي في إيجاد هذه الوسائل لتتحقق الأهداف.
2) تحديد مَنْ ندعوه إلى الله:
الناس أصناف عدة فمنهم:
* الغافل الذي يحتاج إلى الموعظة.
* والجاهل الأمي الجافي.
* والمكابر المغرور المجادل.
وكل صنف من هذه الأصناف الثلاثة يحتاج إلى فقه عالٍ في التعامل معه، ولهذا كان من شرط الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر: أن يكون حكيًما فيما يأمر وفيما ينهى؛ إذ إن الحكمة هي وضع الأمور في نصابها. كذلك ينبغي أن يراعي الداعية المربي فقه الحال والتبصر بواقع الأمور.
3) البدء بالأهم فالمهم:
في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: «إنك ستأتي قومًا أهل كتاب، فإذا جئتهم، فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتُرَدُّ على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتّقِ دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينه وبين الله حجاب»[3].
فالنبي ﷺ يعلم معاذًا -رسوله وداعيته إلى اليمن- أن يتدرج معهم، وهذا ما يسمى بفقه الأولويات؛ بأن نقدم الواجبات الأولى فالأولى، ونراعي أن نقدم الفرض على المندوب، والنهي عن المحرمات قبل المكروهات. والتدرج لا يعني بحال تقسيم الدين إلى قشور ولباب كما قد يفهم البعض، بل دين الله تعالى كله واحد. ولكي يصل الداعية إلى هذا ينبغي أن يكون فقيهًا فيما يأمر وفيما ينهى، يعرف كيف يبدأ بما يناسب الناس، فيراعي أخلاقياتهم وأعمارهم وأوقاتهم وأعمالهم.
4) تطوير طرق الدعوة:
لا بد من مراعاة الطرق المعروفة مع أهل الزمان حتى تكون أكثر وقعًا وتأثيرًا في النفوس والقلوب؛ فلا مانع من استخدام الدعابة المهذبة الجميلة، لكن دون إفراط يذهب بوقار العلم، ولا مانع من استخدام الأسلوب القصصي في عصر أدمن فيه الناس مشاهدة الأفلام، فلماذا لا نقدم لهؤلاء القصص القرآني والنبوي بأسلوب شيق ونستخرج منها الفوائد ليتعلم الناس أمر رشد لا ضلال فيه؟
وينبغي أن نستخدم كل وسيلة شرعية ممكنة من: الكتب، والرسائل، ووسائل التواصل الاجتماعي الإلكتروني، ووسائل الإيضاح من لافتات ونحوها، لكن لا يجوز بحال أن نستخدم وسائل غير شرعية؛ كالغناء والموسيقى، والاختلاط؛ فليس المقصود هو التجميع فحسب، فنتنازل عن أمور شرعية من أجل أهواء الناس وإرضاءً لهم.
5) التعرف على مواصفات الهدف الفعال:
بعد أن تحدد هدف رسالتك، يتبقى لك أن تعرف مواصفات صياغة الهدف الفعال وكيفيته؛ وهي:
* أن يكون الهدف واضحًا غير مبهم.
* أن يكون حقيقيًا غير متوهم ولا زائف.
* أن يُقاس أو يسهل قياسه.
* أن يمثل تحديًا يمكن تحقيقه.
* أن يرتبط ببرنامج زمني محدد.
* أن يرتبط الهدف بموضوع واحد.
* أن يرتبط الهدف بنتيجة وليس بنشاط وقتي.
* أن يكون الهدف مشروعًا غير ممنوع.