تفسير سورة النور
الآيات (32-35)
الآية (32-34): ﴿ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنْكُمْ ﴾ هذا أمر بالتزويج. وقد ذهب طائفة من العلماء إلى وجوبه على كل من قَدَر عليه. ا ﴿ الْأَيَامَىٰ ﴾ : جمع أيِّم، ويُقَال ذلك للمرأة التي لا زَوجَ لها، وللرجل الذي لا زَوجَة له. وسَواءٌ كان قد تزوَّج ثم فَارَق، أو لم يَتَزَوَّج واحد منهما.
﴿ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ قال ابن عباس: رَغَّبَهُم الله في التزويج، وأَمَرَ به الأحرارَ والعبيد، ووَعَدَهم عليه الغِنَى. وعن ابن مسعود: التَمِسُوا الغِنَى في النكاح. ﴿ وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ هذا أَمْرٌ من الله تعالى لِـمَن لا يَجِد تزويجًا بالتَّعَفُّف عن الحرام؛ كما قال -عليه الصلاة والسلام-: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج. ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» [متفق عليه]. ﴿ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ﴾ : هذا أَمرٌ من الله تعالى للسَّادَة إذا طَلَب منهم عَبيدُهم الكتابةَ أن يُكاتِبُوا، بِشَرْط أن يكون للعبد حيلةٌ وكَسْبٌ يُؤَدِّي إلى سَيِّده المال الذي شَارطه على أدائه. وقد ذهب كثير من العلماء إلى أن هذا الأمر أمرُ إرشاد واستحباب، لا أمر تَحَتُّمٍ وإِيجَابٍ. وذهب آخرون إلى أنه يجب. واختار ابن جرير الوجوب لظاهر الآية. ﴿ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ﴾ قال بعضهم: أمانةً. وقيل: صِدْقًا. وقيل: مالًا، وقيل: حِيلةً وكَسبًا.
وقوله: ﴿ وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ﴾ قيل: معناه اطْرَحُوا لهم من الكتابة بعضها، ثم قال بعضهم: مقدار الربع. وقيل: الثلث. وقيل: النصف. وقيل: جزء من الكتابة من غير حَدٍّ. وقال آخرون: بل المراد هو النصيب الذي فَرَضَ الله لهم من أموال الزكوات. وهذا قول الحسن وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وأبيه ومقاتل. واختاره ابن جرير.
﴿ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ الآية. كان أهل الجاهلية إذا كان لأحدهم أَمَةٌ أرسلها تزني، وجعل عليها ضريبةً يأخذها منها كلَّ وقت. فلمَّا جاء الإسلام نهى الله المسلمين عن ذلك. وكان سبب نزول هذه الآية الكريمة -فيما ذكره غير واحد من المفسرين من السَّلَف والـخَلَف- في شأن عبد الله بن أُبيِّ ابن سلول المنافق، فإنه كان له إماء، فكان يُكرهْهُن على البِغاء طلبًا لخَراجهن، ورغبةً في أولادهن، ورياسةً منه فيما يَزعُم. ﴿ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا ﴾ : هذا خَرَج مخرج الغالب، فلا مفهوم له[1]. ﴿ لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ أي: مِن خَرَاجهن ومهورهن وأولادهن. وقد نهى رسول الله ﷺ، عن كسب الحجَّام، ومهر البَغيّ، وحُلْوان الكاهن [متفق عليه].
﴿ وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ أي: لَـهُنَّ، وقال ابن عباس: إِثْمُهُنَّ على من أَكرَهَهُنَّ. ﴿ وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ ﴾ يعني: القرآن فيه آيات واضحات مُفَسِّرَات.
﴿ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾ أي: خَبَرًا عن الأمم الماضية، وما حَلَّ بهم في مخالفتهم أوامر الله تعالى. ﴿ وَمَوْعِظَةً ﴾ أي: زاجرًا عن ارتكاب المآثم والمحارم، ﴿ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ أي: لمن اتَّقَى الله وخَافَه.
الآية (35): ﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ قال ابن عباس: هادِي أهل السموات والأرض. وقال مجاهد وابن عباس: يُدَبِّر الأمر فيهما؛ نجومهما وشمسهما وقمرهما. وقال أنس بن مالك: إن إلهي يقول: نوري هُداي. واختار هذا القول ابن جرير. وقال السُّدي: فبنوره أضاءت السموات والأرض. ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ في هذا الضمير قولان: أحدهما: أنه عائد إلى الله عز وجل ، أي: مَثَل هُداه في قلب المؤمن ﴿ كَمِشْكَاةٍ ﴾ ، قاله ابن عباس. والثاني: أن الضمير عائد إلى المؤمن الذي دَلَّ عليه سياق الكلام، وتقديره: مثل نور المؤمن الذي في قلبه ﴿ كَمِشْكَاةٍ ﴾ . فشَبَّهَ قَلبَ المؤمن في صفائه في نَفْسِه بالقنديل من الزجاج الشَّفَّاف الجوهري، وما يَسْتَهْدِيه من القرآن والشَّرْعِ بالزيت الجيِّد الصافي الـمُشرِق المعتدل، الذي لا كَدَر فيه ولا انحراف.
﴿ كَمِشْكَاةٍ ﴾ قال ابن عباس وغير واحد: هو موضع الفتيلة من القنديل. هذا هو المشهور. ﴿ فِيهَا مِصْبَاحٌ ﴾ وهو الذُّبالة التي تُضِيء.
﴿ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ﴾ أي: هذا الضوء مشرق في زجاجة صافية.
﴿ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ﴾ كأنها كوكب من دُرٍّ. قال أُبَيُّ بن كعب: كوكبٌ مضيءٌ. وقال قتادة: مضيء مُبِين ضَخْم. ﴿ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ ﴾ أي: يَسْتَمِدُّ من زيت زيتون شجرة مباركة، ﴿ زَيْتُونَةٍ ﴾ بدلٌ أو عطفُ بيان، ﴿ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ ﴾ أي: أنها في مستوى من الأرض، في مكان فسيح بارز ظاهر ضَاحٍ للشمس، تَفْرَعُهُ من أوَّل النهار إلى آخره، ليكونَ ذلك أصفى لزيتها وأَلْطَف، كما قال غير واحد؛ ولهذا قال: ﴿ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ﴾ . قال عبد الرحمن بن زيد: يعني: لِضَوْء إِشْرَاق الزَّيت. ﴿ نُورٌ عَلَىٰ نُورٍ ﴾ قال ابن عباس: إيمان العبد وعمله. وقال مجاهد والسدي: نور النار ونور الزيت. وقال أُبيّ: فهو يتَقَلَّب في خمسة من النور: فكلامه نور، وعمله نور، ومَدْخَلُه نور، ومَخْرَجُه نور، ومصيره إلى النور يوم القيامة إلى الجنة. وقال السُّدي: نور النار ونور الزيت، حين اجتمعا أضاءا، ولا يُضِيء واحد بغير صاحبه، كذلك نور القرآن ونور الإيمان حين اجتمعا، فلا يكون واحد منهما إلا بصاحبه. ﴿ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ ﴾ أي: يُرشِدُ الله إلى هدايته من يختاره.
لَـمَّا ذَكَر تعالى هذا مثلًا لنور هُدَاه في قلب المؤمن، خَتَم الآية بقوله: ﴿ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ أي: هو أعلم بمن يَستَحِقُّ الهداية ممَّن يَستحِقُّ الإضلال.