تفسير سورة النور
الآيات (62-64)
الآية (62): وهذا أيضًا أَدَبٌ أَرشَدَ الله عبادَه المؤمنين إليه، فكما أَمَرَهُم بالاستئذان عند الدخول، كذلك أَمَرَهم بالاستئذان عند الانصراف، لا سيما إذا كانوا في أَمْرٍ جامع مع الرسول ﷺ من صلاة جمعة أو عيد أو جماعة، أو اجتماع في مشورة ونحو ذلك، أَمَرَهم الله تعالى ألَّا يَتَفَرَّقوا عنه -والحالة هذه- إلَّا بعد استئذانه ومشاورته. وإن من يفعل ذلك فإنه من المؤمنين الكاملين. ثم أَمَرَ رسوله ﷺ إذا استأذنه أحد منهم في ذلك أن يأذن له إن شاء؛ ولهذا قال: ﴿ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ ﴾ الآية.
الآية (63): قال ابن عباس: كانوا يقولون: يا محمد، يا أبا القاسم، فنهاهم الله عز وجل عن ذلك؛ إعظامًا لنبيه ﷺ. قال: فقالوا: يا رسول الله، يا نبي الله. وهكذا قال مجاهد وسعيد بن جُبَير. وقال قتادة: أَمَرَ الله أن يُهَابَ نبيُّه ﷺ، وأن يُبَجَّل وأن يُعَظَّم وأن يُسَوَّد. هذا قولٌ، وهو الظاهر من السياق؛ كما قال تعالى: ﱡﭐ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا ﱠ [البقرة: 104]. فهذا من باب الأدب في مخاطبة النبي ﷺ والكلام معه وعنده، كما أُمروا بتقديم الصدقة قبل مناجاته.
والقول الثاني: أن المعنى: لا تعتقدوا أن دعاءَه على غيره كدعاء غيره؛ فإن دعاءَه مستجاب، فاحذروا أن يدعو عليكم فتَهْلِكوا. حكاه ابن أبي حاتم عن ابن عباس والحسن والعَوفي، والله أعلم.
﴿ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا ﴾ قال مقاتل بن حَيَّان: هم المنافقون. وقال السُّدي: إذا كانوا معه في جماعة، لاذَ بعضهم ببعض، حتى يتَغَيَّبوا عنه، فلا يراهم. وقال قتادة: يعني: لِوَاذًا عن نبيِّ الله وعن كتابه. وقال سفيان: مِن الصَّفِّ. وقال مجاهد: ﴿ لِوَاذًا ﴾ : خلافًا.
﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ﴾ أي: عن أمر رسول الله ﷺ، وهو سبيله ومنهاجه وطريقته وشريعته، فَتُوزَنُ الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله، فما وافَقَ ذلك قُبِل، وما خالفه فهو مَرْدُود على قائله وفاعله، كائنًا ما كان، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من عَمِل عَمَلًا ليس عليه أَمْرِنا؛ فهو رَدٌّ» [وهذا لفظ مسلم]. أي: فَلْيَحْذَر وليخْشَ من خَالَف شريعةَ الرسول باطنًا أو ظاهرًا ﴿ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ ﴾ أي: في قلوبهم، من كُفر أو نفاق أو بدعة، ﴿ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ أي: في الدنيا، بقتلٍ أو حَدٍّ أو حَبْس أو نحو ذلك.
الآية (64): يخبر تعالى أنه مالك السموات والأرض، وأنه عالم الغيب والشهادة، وهو عالم بما العباد عاملون في سِرِّهم وجَهْرِهم، فقال: ﴿ قَدْ ﴾ و«قد» للتحقيق؛ كما قال قبلها: ﴿ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا ۚ ﴾ [النور: 63].
﴿ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ ﴾ أي: هو عالم به، مُشَاهِد له، كما قال: ﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ [يونس:61]، فهو شهيد على عباده بما هم فاعلون من خير وشر.
﴿ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ ﴾ أي: ويوم يَرْجِعُ الخلائق إلى الله -وهو يوم القيامة- ﴿ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا ﴾ أي: يُخَبِّرُهُم بما فعلوا في الدنيا، من جليل وحقير، وصغير وكبير؛ كما قال تعالى: ﴿ يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ ﴾ [القيامة:13]، وقال: ﴿ وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴾ [الكهف:49]. ولهذا قال ههنا: ﴿ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ .