تفسير سورة محمد (القتال)
وهي مدنية، [وعدد آياتها (38) آيةً].
الآية (1-3): ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أي: بآيات الله، ﴿ وَصَدُّوا ﴾ غيرهم ﴿ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾ أي: أَبْطَلَهَا وأَذْهَبَهَا، ولم يَجْعَلْ لها جزاءً ولا ثوابًا؛ كقوله: ﴿ وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا ﴾ [الفرقان:23]. ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ أي: آمنت قلوبهم وسرائرهم، وانقادت لشَرْع الله جوارحهم وبواطنهم وظواهرهم، ﴿ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ ﴾ عَطْفُ خاصٍّ على عام، وهو دليل على أنه شَرْط في صحة الإيمان بعد بِعْثَته ﷺ. ﴿ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ﴾ جملة معترضة حَسَنَة؛ ولهذا قال: ﴿ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ﴾ قال ابن عباس: أي أمْرَهم. وقال مجاهد: شأنهم. وقال قتادة وابن زيد: حالهم. والكل متقارب. وقد جاء في حديث تشميت العاطس: «يهديكم الله، ويُصْلِحُ بالكم» [رواه البخاري].
ثم قال: ﴿ ذَٰلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ ﴾ أي: إنما أَبْطَلنا أعمال الكفار، وتَجَاوَزْنا عن سيئات الأبرار، وأَصْلَحنا شؤونهم؛ لأن الذين كفروا اتَّبَعُوا الباطل، أي: اختاروا الباطل على الحقِّ، ﴿ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ ﴾ أي: يُبَيِّن لهم مآل أعمالهم، وما يصيرون إليه في مَعَادهم.
الآية (4-9): يقول تعالى مُرشدًا للمؤمنين إلى ما يعتمدونه في حروبهم مع المشركين: ﴿ فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ ﴾ أي: إذا واجهتموهم فاحْصُدُوهم حَصْدًا بالسيوف، ﴿ حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ ﴾ أي: أَهْلَكْتُمُوهم قَتْلًا ﴿ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ ﴾ وَثَاقَ الأسارى الذين تَأْسِرُونَهم، ثم أنتم بعد انقضاء الحرب وانفصال المعركة مُخَيَّرُون في أمرهم: إن شئتم مَنَنْتُم عليهم فأطلقتم أساراهم مجانًا، وإن شئتم فاديتموهم بمال تأخذونه منهم وتشارطونهم عليه. والظاهر أن هذه الآية نَزَلَت بعد وقعة بدر؛ فإن الله سبحانه عاتب المؤمنين على الاستكثار من الأسارى يومئذٍ ليأخذوا منهم الفِدَاء، والتقليل من القَتل يومئذٍ.
ثم ادعى بعض العلماء أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿ فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ﴾ الآية [التوبة:5]، رواه العوفي عن ابن عباس. وقاله قتادة والضحاك والسُّدِّي وابن جُرَيْج. وقال الأكثرون: ليست بمنسوخة. ثم قال بعضهم: إنما الإمام مُخَيَّر بين الـمَنِّ على الأسير ومفاداته فقط، ولا يجوز له قتله. وقال آخرون منهم: بل له أن يقتله إن شاء؛ لحديث قَتْل النبي ﷺ النَّضْر بن الحارث وعُقْبة بن أبي مُعَيط من أسارى بدر[1]، وقال ثمامة بن أثال لرسول الله ﷺ حين قال له: «ما عندك يا ثمامة؟» فقال: إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تمنن تمنن على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت [رواه البخاري].
وقوله: ﴿ حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ﴾ قال مجاهد: حتى ينزل عيسى ابن مريم عليه السلام. وكأنه أَخَذَه من قوله ﷺ: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يُقَاتل آخرهم الدجال» [رواه أبو داود، وصححه الألباني]. وقال قتادة: حتى لا يبقى شرك. ثم قال بعضهم: أي: أوزار المحاربين، وهم المشركون، بأن يتوبوا إلى الله عز وجل. وقيل: أوزار أهلها بأن يبذلوا الوسع في طاعة الله عز وجل.
وقوله: ﴿ ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ ﴾ أي: هذا ولو شاء الله لانتقم من الكافرين بعقوبة ونَكَال مِن عنده، ﴿ وَلَٰكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ﴾ أي: ولكن شَرَع لكم الجهاد وقتال الأعداء ليَخْتَبِرَكم، ويَبْلُوَ أخباركم. كما ذَكَر حكمته في شرعية الجهاد في سورتي «آل عمران» و«براءة» في قوله: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾ [آل عمران:142]. وقال في سورة براءة: ﴿ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ﴿ ١٤ ﴾ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَىٰ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة:14-15].
ثم لَـمَّا كان من شأن القتال أن يُقتل كثيرٌ من المؤمنين، قال: ﴿ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾ أي: لن يُذهبها بل يُكَثِّرها ويُنميها ويُضاعفها. عن عبد الله بن عَمْرو، وأبي قتادة y؛ أن رسول الله ﷺ قال: «يُغفر للشهيد كل شيء إلا الدَّيْن» [رواه مسلم]. و«يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته» [رواه أبو داود، وصححه الألباني]. والأحاديث في فضل الشهيد كثيرة جدًّا.
وقوله: ﴿ سَيَهْدِيهِمْ ﴾ أي: إلى الجنة؛ كقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ﴾ [يونس:9]. وقوله: ﴿ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ ﴾ أي: أَمْرهم وحالهم، ﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾ أي: عَرَّفَهُم بها وهداهم إليها. وروى البخاري عن أبي سعيد رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده، إن أحدهم بمنزله في الجنة أهدى منه بمنزله الذي كان في الدنيا». ثم قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾ ؛ كقوله: ﴿ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ﴾ [الحج:40]، فإن الجزاء من جنس العمل؛ ولهذا قال: ﴿ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ ﴾ عكس تثبيت الأقدام للمؤمنين الناصرين لله ولرسوله ﷺ. وقوله: ﴿ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾ أي: أَحْبَطَها وأَبْطَلَها؛ ولهذا قال: ﴿ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴾ أي: لا يريدونه ولا يحبُّونه، ﴿ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ﴾ .
الآية (10-11): ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا ﴾ يعني: المشركين بالله المكذِّبين لرسوله ﴿ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾ أي: عاقبهم بتكذيبهم وكفرهم، أي: ونَجَّى المؤمنين من بين أَظْهُرهم؛ ولهذا قال: ﴿ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا ﴾ .
ثم قال: ﴿ ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَىٰ لَهُمْ ﴾ ، قال أبو سفيان يوم غزوة أحُد: لنا العُزَّى، ولا عُزَّى لكم. فقال ﷺ: «ألا تجيبوه؟!» قالوا: وما نقول يا رسول الله؟ قال: «قولوا: الله مولانا، ولا مولى لكم» [رواه البخاري].