حجم الخط:

محتوى الدرس (18)

تفسير سورة الفتح

الآيات (10-15)

الآية (10): قال تعالى لرسوله تشريفًا له وتعظيمًا وتكريمًا: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ كقوله: ﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ [النساء:80]، ﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ أي: هو حاضر معهم يسمع أقوالهم ويرى مكانهم، ويعلم ضمائرهم وظواهرهم، فهو تعالى هو المبايع بواسطة رسوله ؛ كقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة:111]. ولهذا قال ههنا: ﴿ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ أي: إنما يعود وَبَال ذلك على الناكث، والله غَنِي عنه، ﴿ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا أي: ثوابًا جزيلًا. وهذه البيعة هي بيعة الرضوان، وكانت تحت شجرة سَمُر بالحديبية، وكان الصحابة الذين بايعوا رسول الله يومئذٍ ألفًا وثلاثمائة. وقيل: وأربعمائة. وقيل: وخمسمائة. والأوسط أصح. وكذلك هو في رواية سلمة بن الأكوع، ومعقل بن يسار، والبراء بن عازب. وبه يقول غير واحد من أصحاب المغازي والسير. وعن جابر قال: كُنَّا يوم الحديبية ألفًا وأربعمائة [متفق عليه].

وعنه قال: كُنَّا يومئذٍ ألفًا وأربعمائة، ووضع يده في ذلك الماء، فنَـبَعَ الماء من بين أصابعه، حتى رَووا كلهم [متفق عليه]. وهذا مختصر من سياق آخر حين ذَكَر قصة عَطَشِهم يوم الحديبية، وأن رسول الله أعطاهم سهمًا من كنانته، فوَضَعُوه في بئر الحديبية، فجَاشَت بالماء، حتى كَفَتْهُم، فقِيْل لجابر: كم كنتم يومئذٍ؟ قال: كُنَّا ألفًا وأربعمائة، ولو كُنَّا مائة ألف لكَفَانا [رواه البخاري]. وفي رواية عن جابر: أنهم كانوا خمس عشرة مائة [متفق عليه].

ذكر سبب هذه البيعة العظيمة: قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله ابن أبي بكر: أن رسول الله قال حين بَلَغَه أن عثمان قد قُتِل: «لا نَبْرَح حتى نُنَاجِزَ القوم». ودعا رسول الله الناس إلى البيعة. فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، فكان الناس يقولون: بايعهم رسول الله على الموت. وكان جابر بن عبد الله يقول: إن رسول الله لم يبايعهم على الموت، ولكن بايعنا على ألَّا نَفِرّ. فبايع الناس، ولم يَتَخَلَّف أحد من المسلمين حَضَرَها إلا الجَدُّ بن قيس أخو بني سَلِمَة، فكان جابر يقول: والله لَكَأنِّي أنظر إليه لاصقًا بإبط ناقته، قد ضَبَأَ[1] إليها يَستَتِر بها من الناس، ثُمَّ أَتَى رسول الله أن الذي كان من أَمْر عثمان باطل. وعن أم مُبَشِّر أنها سمعت رسول الله يقول عند حفصة: «لا يدخل النار -إن شاء الله- من أصحاب الشجرة الذين بايعوا تحتها أحد» [رواه مسلم].

وعن جابر أن عبدًا لحاطب بن أبي بَلْتَعَة جاء يشكو حاطبًا، فقال: يا رسول الله، لَيَدْخُلَنَّ حاطبٌ النار، فقال رسول الله : «كَذَبْتَ، لا يدخلُها؛ فإنه قد شَهِدَ بدرًا والحديبية» [رواه مسلم].

ولهذا قال تعالى في الثناء عليهم: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا كما قال في الآية الأخرى: ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا [الفتح:18].

الآية (11-14): يقول تعالى مُخْبِرًا رسوله بما يَعْتَذِر به المخلفون من الأعراب الذين اختاروا المقام في أهليهم وشغلهم، وتركوا المسير مع رسول الله ، فاعتذروا بشغلهم بذلك، وسألوا أن يستغفر لهم الرسول ، وذلك قول منهم لا على سبيل الاعتقاد، بل على وجه التقية والمصانَعة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا أي: لا يقدر أحد أن يَرُدَّ ما أراده فيكم تعالى وتقدَّس، وهو العليم بسرائركم وضمائركم، وإن صانعتمونا وتابعتمونا؛ ولهذا قال: ﴿ بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا .

ثم قال: ﴿ بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِيهِمْ أَبَدًا أي: لم يكن تَخَلُّفُكم تَخَلُّفَ معذور ولا عاصٍ، بل تَخَلُّف نفاق.

﴿ بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِيهِمْ أَبَدًا أي: اعتقدتم أنهم يُقْتَلُون وتُسْتَأْصَلُ شَأْفَتهم، وتُسْتَبَادُ خضراؤهم، ولا يرجع منهم مُخْبِر، ﴿ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا أي: هَلْكَى. قاله ابن عباس ومجاهد وغير واحد. وقال قتادة: فاسدين.

ثم قال: ﴿ وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ أي: من لم يُخْلِص العمل في الظاهر والباطن لله، فإن الله تعالى سيُعَذِّبه في السعير، وإن أَظْهَرَ للناس ما يعتقدون خلاف ما هو عليه في نفس الأمر.

ثم بيَّن تعالى أنه الحاكم المالك المتصرف في أهل السموات والأرض: ﴿ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا أي: لمن تاب إليه وأناب، وخَضَع لديه.

الآية (15): يقول تعالى مخبرًا عن الأعراب الذين تخلفوا عن رسول الله في عمرة الحديبية، إذ ذهب النبي وأصحابه إلى خيبر يفتحونها: أنهم يسألون أن يخرجوا معهم إلى المغنم، وقد تخلفوا عن وقت محاربة الأعداء ومجالدتهم ومصابرتهم، فأَمَرَ الله رسوله ألَّا يَأْذَنَ لهم في ذلك، معاقبةً لهم من جِنْس ذنبهم؛ فإن الله تعالى قد وَعَدَ أهل الحديبية بمغانم خيبر وَحْدَهم لا يشرِكهم فيها غيرهم من الأعراب الـمُتَخَلِّفِين، فلا يقع غير ذلك شرعًا وقدرًا؛ ولهذا قال: ﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قال مجاهد وقتادة: وهو الوَعْد الذي وُعِدَ به أهل الحديبية. واختاره ابن جرير. وقال ابن جريج: ﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ يعني: بتَثْبِيطِهم المسلمين عن الجهاد. ﴿ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَٰلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ أي: وَعَدَ الله أهل الحديبية قبل سؤالكم الخروج معهم، ﴿ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا أي: أن نشرككم في المغانم، ﴿ بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا أي: ليس الأمر كما زَعَموا، ولكن لا فَهْم لهم.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة