حجم الخط:

محتوى الدرس (36)

تفسير سورة التين

[تعريف بالسورة]

وهي مكية، [وعدد آياتها (8) آيات].

[فضل السورة]

عن البراء بن عازب قال: سمعت النبي يقرأ ﴿ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ في العشاء، وما سمعت أحدًا أحسن صوتًا منه أو قراءةً [متفق عليه].

[التفسير]

الآية (1-8): ﴿ وَالتِّينِ اختلف المفسرون ههنا على أقوال كثيرة، فقيل: المراد بالتين مسجد دمشق. وقيل: هي نفسها. وقيل: الجبل الذي عندها. وقال مجاهد: هو تِينُكُم هذا.

﴿ وَالزَّيْتُونِ قال قتادة وابن زيد وغيرهم: هو مسجد بيت المقدس. وقال مجاهد وعكرمة: هو هذا الزيتون الذي تَعْصِرُون.

﴿ وَطُورِ سِينِينَ قال غير واحد: هو الجبل الذي كَلَّمَ الله عليه موسى. ﴿ وَهَٰذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ يعني: مكة. قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة والحسن وإبراهيم النَّخَعِي، ولا خلاف في ذلك.

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ هذا هو المقسم عليه، وهو أنه تعالى خَلَقَ الإنسان في أَحْسَن صورة وشَكْل؛ منتَصِب القامة، سَويِّ الأعضاء حَسَنِها. ﴿ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ أي: إلى النار. قاله مجاهد وأبو العالية والحسن وابن زيد وغيرهم. ثم بعد هذا الـحُسْن والنَّضَارَة مصيره إلى النار إن لم يُطِع الله ويَتَّبِع الرسل؛ ولهذا قال: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ . وقال بعضهم: ﴿ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ أي: إلى أَرْذَل العمر. رُوي هذا عن ابن عباس وعكرمة. واختار ذلك ابن جرير. ولو كان هذا هو المراد لَـمَا حَسُن استثناء المؤمنين من ذلك؛ لأن الـهَرَم قد يُصِيبُ بعضهم، وإنما المراد ما ذكرناه؛ كقوله: ﴿ وَالْعَصْرِ ﴿ ١ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴿ ٢ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [العصر:1-3].

﴿ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ أي: غير مقطوع. ثم قال: ﴿ فَمَا يُكَذِّبُكَ يعني: يا ابن آدم ﴿ بَعْدُ بِالدِّينِ ؟! أي: بالجزاء في المعاد، وقد علمتَ البَدْأَة، وعرفتَ أن من قَدَرَ على البَدْأَة، فهو قادر على الرَّجْعة بطريق الأولى، فأيُّ شيء يَحْمِلُكَ على التكذيب بالمعاد وقد عرفتَ هذا؟!

﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ أي: أما هو أحكمُ الحاكمين، الذي لا يجور ولا يَظْلِم أحَدًا، ومن عَدْله أن يُقِيمَ القيامة فيُنْصِف المظلوم في الدنيا ممَّن ظلمه.

تفسير سورة اقرأ (العلق)

[تعريف بالسورة]

وهي أول شيء نزل من القرآن، [وعدد آياتها (19) آيةً].

[فضل السورة]

عن عائشة قالت: أول ما بُدِئ به رسول الله من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فَلَق الصبح. ثم حُبِّب إليه الخلاء، فكان يأتي حراء فيَتَحَنَّث فيه -وهو: التَّعَبُّد- الليالي ذوات العدد، ويتزوَّد لذلك ثم يَرجع إلى خديجة فيتزَوَّد لمثلها حتى فَجَأَهُ الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملَك فيه فقال: اقرأ. قال رسول الله : «فقلت: ما أنا بقارئ». قال: «فأخذني فَغَطَّني حتى بَلَغَ مِنِّي الـجَهْد ثم أرسلني، فقال: اقرأ. فقلتُ: ما أنا بقارئ. فَغَطَّني الثانية حتى بَلَغَ مني الـجَهْد، ثم أرسلني فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارئ. فغَطَّني الثالثة حتى بَلَغَ مني الـجَهْد، ثم أرسلني فقال: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ حتى بلغ: ﴿ مَا لَمْ يَعْلَمْ » قال: فرجع بها تَرجُف بَوادره حتى دخل على خديجة فقال: «زملوني زملوني» [متفق عليه].

[التفسير]

الآية (1-5): هذه الآيات الكريمات المباركات فيها التنبيه على ابتداء خلق الإنسان من علقة، وأن من كَرَمِه تعالى أن عَلَّم الإنسان ما لم يَعلَم، فشَرَّفَه وكَرَّمَه بالعِلْم، وهو القَدْر الذي امتاز به أبو البرية آدم على الملائكة، والعِلْم تارةً يكون في الأذهان، وتارةً يكون في اللسان، وتارةً يكون في الكتابة بالبنان، ذِهْنِيٌّ ولَفْظِيٌّ ورَسْمِيٌّ، والرَّسْمِيُّ يستلزمهما من غير عَكْس، فلهذا قال: ﴿ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴿ ٣ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴿ ٤ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ . وفي الأثر: قَيِّدُوا العلم بالكتابة.

الآية (6-12): يُخْبِر تعالى عن الإنسان أنه ذو فَرَح وأَشَر وبَطَر وطغيان إذا رأى نفسه قد استغنى وكَثُرَ ماله. ثم تَهدَّده وتَوَعَّدَه ووَعَظَه فقال: ﴿ إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الرُّجْعَىٰ أي: إلى الله المصير والمرجع، وسيُحَاسِبُك على مالك: من أين جَمَعْتَه؟ وفِيمَ صَرَفْتَه؟

﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَىٰ ﴿ ٩ عَبْدًا إِذَا صَلَّىٰ نَزَلَتْ في أبي جهل لعنه الله؛ توَعَّد النبيَّ على الصلاة عند البيت، فوَعَظَه الله تعالى بالتي هي أحسن أولًا، فقال: ﴿ أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَىٰ ؟! أي: فما ظَنُّكَ إن كان هذا الذي تَنهَاهُ على الطريق المستقيمة في فِعْلِه؟! ﴿ أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَىٰ بقوله، وأنت تَزْجُره وتَتَوَعَّده على صلاته؟! ولهذا قال: ﴿ أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ ﴿ ١٣ أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَىٰ .

الآية (13-19): ﴿ أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ ﴿ ١٣ أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَىٰ أي: أمَا عَلِمَ هذا الناهي لهذا المهتدي أن الله يَراه ويَسمَع كلامه، وسيُجَازيه على فِعْله أَتَمَّ الجزاء. ثم قال تعالى مُتَوعِّدًا ومتهدِّدًا: ﴿ كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ أي: لئن لم يَرجِعْ عمَّا هو فيه من الشِّقَاق والعِنَاد ﴿ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ أي: لنَسِمَنَّها سَوَادًا يوم القيامة.

ثم قال: ﴿ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ يعني: ناصية أبي جهل كاذبةٌ في مقالها خاطئةٌ في فِعَالها. ﴿ فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ أي: قومه وعشيرته، أي: ليَدْعُهم يَستَنْصِر بهم، ﴿ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ وهم ملائكة العذاب، حتى يَعلَم من يَغْلِبُ: أَحِزْبُنا أَوْ حِزْبُهُ؟! عن ابن عباس: قال أبو جهل: لئن رأيتُ محمدًا يصلي عند الكعبة لَأَطَأَنَّ على عُنُقه. فبَلغَ النبي ، فقال: «[لو][1] فَعَلَه لأَخَذَتْه الملائكة» [رواه البخاري].

﴿ كَلَّا لَا تُطِعْهُ يعني: يا محمد، لا تُطِعْهُ فيما يَنهَاكَ عنه من المداومة على العبادة وكَثْرَتها، وصَلِّ حيثُ شِئْتَ ولا تُبَالِهِ؛ فإن الله حَافِظُك وناصِرُك، وهو يَعصِمُك من الناس، ﴿ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ كما ثَبَتَ عند مسلم عن أبي هريرة: أن رسول الله قال: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء» وتقدم عن أبي هريرة قال: سَجَدْنا مع رسول الله في ﴿ إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ و ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [رواه مسلم].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة