حجم الخط:

محتوى الدرس (6)

باب الوضوء

مواطن تأكُّد استحباب السواك:

[الأحاديث]

35 - عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ» أخرجه مالك وأحمد والنسائي، وصحَّحه ابن خزيمة. [رواه مالك في الموطأ (رواية يحيى الليثي 173) بهذا اللفظ موقوفًا، وأما المرفوع فليس فيه: «مع كل وضوء»، وعلَّقه بصيغة الجزم البخاري في الصحيح (3/31)].

36- وعنه، عن النبي ﷺ قال: «لولا أَن أَشُقَّ على أمتي لأَمرتهم بالسواك عند كل صلاة» متفق عليه.

37- وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما قال: «كان رسول الله ﷺ إذا قامَ من اللَّيل يَشُوصُ فَاه بالسِّواك». متفق عليه.

38- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «دخل عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق على النبي ﷺ وأنا مُسنِدَتُهُ إلى صدري، ومع عبد الرحمن سواكٌ رطبٌ يستَنُّ به فأبدَّه رسولُ الله ﷺ بَصَـرَهُ، فأخذت السواك فَقَضَمْتُهُ، فطيبته، ثم دفعته إلى النبي ﷺ فاستنَّ به، فما رأيت رسول الله ﷺ استنَّ استنانًا أحسن منه، فما عدا أن فرغ رسول الله ﷺ رفع يده -أو إصبعه- ثم قال: «في الرفيق الأعلى» ثلاثًا، ثم قضى». وكانت تقول: «مات بين حاقِنتي وذاقِنتي».

وفي لفظ: «فرأيته ينظر إليه، وعرفت أنه يحب السواك فقلت: آخذه لك؟ فأشار برأسه: أن نعم». هذا لفظ البخاري، ولمسلم نحوه.

39- وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: «أتيت النبي ﷺ فوجدته يستنُّ بسواك بيده، يقول أع أع، والسواك في فيه كأنه يتهوع» متفق عليه واللفظ للبخاري.

ترجمة الراوي:

هو أبو موسى الأشعري عبد الله بن قيس، المقرئ الفقيه، استمع النبي ﷺ لتلاوته وأثنى على حسَّنها، ولم يكن في الصحابة أحد أحسن صوتًا منه، دعا له رسول الله ﷺ فقال: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعَبْدِ اللهِ بنِ قَيْسٍ ذَنْبَهُ، وَأَدْخِلْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُدْخَلًا كَرِيْمًا»، كان يصلى الصبح ثم يستقبل الصفوف رجلًا رجلًا يُقرئهم القرآن، توفي سنة (44هـ)، وقيل غير ذلك.

التوضيح:

1 - الوُضوء بالضم: في اللغة: من الوضاءة: أي: الحسن والنظافة، وفي الشرع: استعمال الماء في أعضاء مخصوصة على صفة مخصوصة، فهو بالضم: الفعل، وبالفتح (الوَضوء): الماء الذي يُتوضأ به، والوُضوء مشتق من الوَضاءة؛ وسمي بذلك لأن المتوضئ يصير وضيئًا.

2 - السواك: اسم للعود الذي يستاك به من الأراك وغيره، ويطلق السواك على الفعل وهو التسوُّك.

3 - يشوص فاه: يدلك أسنانه وينقيها، والشَّوص - بالفتح-: الغسل والتنظيف.

4 - يستَنُّ: يُمِرُّ السواك على أسنانه.

5 - فأبدَّه: بالباء وتشديد الدال مد إليه بصره وأطاله.

6 - الحاقنة: ما بين التُرقوتين وحبل العاتق.

7 - والذاقنة: طرف الحلقوم الأعلى.

8 - فقضمته: مضغَتْهُ بأسنانها ليكون ليِّنًا، والقضْم: الأكل بأطراف الأسنان.

9 - يتهوَّع: قارب القيء، فأصدر صوتًا يشبه صوت من يتقيأ.

الدلالات الفقهية:

1 - دلَّت الأحاديث على مشروعية السواك وفضله، وهو كذلك بإجماع العلماء[1].

2 - دل حديث أبي هريرة الأول: أن السواك مستحب عند الوضوء.

3 - دل حديث أبي هريرة الثاني على تأكُّد استحباب السواك أيضًا عند كل صلاة، فريضة أو نافلة [2]، ويحتمل أن يكون المراد الصلوات المكتوبة وما ضاهاها من النوافل التي ليست تبعا لغيرها كصلاة العيد وهذا اختاره أبو شامة[3].

4- يستدل به على جواز السواك للصائم بعد الزوال، ووجه دلالته: أن عموم كلمة (كل)، تدل على تناول الاستحباب لكل ما يسمى وضوءًا وصلاة، ومن جملة الأفراد الوضوء والصلاة الواقعين بعد الزوال، فيتناوله الاستحباب[4].

5 - دل حديث حذيفة على استحباب السواك بعد نوم الليل؛ لأن النوم يسبِّب تغيُّر الفم، وذلك يقتضـي استحباب السواك عند كل تغيُّر للفم.

6- دل حديث عائشة على مشروعية الاستياك بالسواك الرطب بعد إصلاحه وتهيئته، وعلى جواز الاستياك بسواك الغير بعد تطهيره وتنظيفه، وعلى استحباب المبالغة في التسوُّك.

7 - ودلَّ أيضًا على مشروعية السواك عند الاحتضار؛ لأن المسلم عندها مُقبل على لقاء ربه تعالى، كما نص عليه الشافعية[5].

8- وفيه دلالة على تأكد أمر السواك؛ لكونه لم يُخِلَّ به مع ما هو فيه من شاغل المرض.

9- فيه العمل بما يُفهَم من الإِشارة، وقد أعملها الفقهاء في غير ما مسألة من الأخرس وغيره.

10- جواز أن يكون الذي قربت وفاته جالسًا مستندًا إلى زوجته ونحوها ممن يعز عليه، وجواز دخول محارم الزوجة على الزوج في مرضه وغيره.

11 - دل حديث أبي موسى على استحباب الاستياك على اللسان، ويستاك على اللسان طُولًا، وبهذا قال الأئمة الأربعة[6].

12 - دلَّت الأدلة على استحباب الاستياك في كل وقت، ويتأكد ذلك في خمسة مواضع، هي:

1- عند الوضوء. 2- عند الصلاة. 3- عند القيام من النوم.

4- عند تغير رائحة الفم. 5- عند قراءة القرآن[7].

وذكر ابن الملقن ستة مواضع أخرى يتأكد فيها السواك، هي:

1 - عند اصفرار الأسنان. 2- عند دخول الإنسان منزله. 3- عند إرادة النوم.

4- عند الأكل. 5-بعد الوتر. 6- عند السحر[8].

13- في حديث أبي موسى استياك الإمام بحضرة رعيته إذا لم يكن يحتشمهم، وأن ذلك ليس من خوارم المروءة[9].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - في الأحاديث نموذج عظيم لعناية الإسلام بما يتصل بصحة الإنسان وما ينبغي أن يكون عليه المسلم حتى يجمع بين الكمالات الدينية والدنيوية.

2 - التخفيف في الأمر بالسواك يبين سعة هذه الشريعة وسماحتها، ومسايرتها للطبيعة البشـرية، قال الله تعالى: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ [النساء:28]، وقال: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج: 78][10].

2- ما كان النبي عليه من الرفق بأمته، وحرصه على رفع العنت عنهم؛ فإنه ترك أمرهم بالسواك، وترك تأخير العشاء وصلاة الليل في رمضان خشية أن تفرض فتشُقَّ عليهم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة: 128].

3 - الحكمة في استحباب السواك عند القيام إلى الصلاة كونها حالًا تقرب إلى الله فاقتضـى أن تكون حال كمال ونظافة إظهارًا لشرف العبادة[11].

4 - مشروعية النظافة على وجه العموم، وأنها من سنة النبي ﷺ ، ومن الآداب السامية.

5- فضل عائشة رضي الله عنها ، وفطنتها في معرفة مراد النبي ﷺ دون الحاجة إلى قول أو إشارة.

6- ما اشتملت عليه حياة النبي ﷺ مع نسائه من حُسن التعامل وطيب المعشـر، ويتبين ذلك من أخذ عائشة للسواك وتطييبه بفمها ثم استياك النبي ﷺ به بعدها.

7 - ذكر بعض المعاصرين في الحكمة من الاستياك عند الوضوء: أن المسواك لا يزيل فضلات الأكل والرواسب، بل يزحزحها ويحركها فقط من مواضعها، والمضمضة هي الوسيلة لإخراج هذه الرواسب وإزالتها من الفم [12].

8 - قال ابن الملقن -بعد بحث طويل جدًّا في السواك-: (وقد اجتمع بحمد الله وعونه من الأحاديث من حين شرع المصنف في ذكر السواك إلى هذا المكان زيادة على مائة حديث كلها في السواك ومتعلقاته، وهذا عظيم جسيم، فواعجبًا سنة واحدة تأتي فيها هذه الأحاديث ويهملها كثير من الناس بل كثير من الفقهاء المشتغلين، وهي خيبة عظيمة نسأل الله المعافاة منها)[13].

طريقة الاستدلال:

1- في حديث أبي هريرة دليل على أن الأمر للوجوب من وجهين:

أحدهما: أنه نفى الأمر مع ثبوت الندبية، ولو كان للندب لما جاز النفي.

ثانيهما: أنه جعل الأمر مشقة عليهم، وذلك إنما يتحقق إذا كان الأمر للوجوب؛ إذ الندب لا مشقة فيه؛ لأنه جائز الترك[14].

2-قاعدة: (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح)؛ فإن النبي ﷺ، ترك فرض السواك، على الأمة مع ما فيه من المصالح العظيمة، خشية أن يفرضه الله عليهم فلا يقوموا به فيحصل عليهم فساد كبير، بتركِ الواجبات الشرعية[15].

3 - هذا الحديث الشريف من أدلة القاعدة الفقهية الكبرى: (المشقة تجلب التيسير)؛ لأن خشية المشقة سبب عدم فرضيته.

خصال الفطرة:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖ قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة: 124].

عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ قال: «ابتلاه الله بالطهارة: خمس في الرأس، وخمس في الجسد، في الرأس: السواك، والاستنشاق، والمضمضة، وقص الشارب، وفرق الرأس، وفي الجسد خمسة: تقليم الأظفار، وحلق العانة، والختان، والاستنجاء من الغائط، والبول، ونتف الإبط»[16].

قال ابن كثير بعد ذكره أقوالًا أخرى في تفسير المراد بالكلمات التي أُمر بها إبراهيم عليه السلام: (إنَّ الْكَلِمَاتِ تَشْمَلُ جَمِيعَ مَا ذُكِرَ)[17]. وقد أمرنا الله باتباع إبراهيم عليه السلام فقال: ﴿ ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [النحل: 123].

[الأحاديث]

40- عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، ونتف الإبْط، وقص الشارب، وتقليم الأظفار» متفق عليه.

التوضيح:

1 - الفطرة: ما طبع الله الخلق عليه وجبل طباعهم على فعله، أو السُّنة أي: أنها من سنن الأنبياء.

2 - الختان: قطع الجلدة التي تغطي الحشَفة في الذكر؛ لكي لا تجتمع فيها الأوساخ.

3 - الاستحداد: حلق شعر العانة.

الدلالات الفقهية:

1- مشروعية الختان، وهو واجب على الرجال والنساء عند الشافعية والحنابلة، وعند الحنفية والمالكية سنة للرجال، مندوب على النساء عند المالكية ومكرمة لهنَّ عند الحنفية [18].

2 - يُشرع حلق الشعر الذي حول الفرج، سواء أكان قُبلًا أم دُبرًا؛ لأن بقاءه في مكانه يجعل منطقة العانة مُعرَّضة للتلوث بالنجاسات، وربما أخلَّ ذلك بالطهارة الشرعية.

3- يُشرع قص الشارب؛ مخالفة لزي الأعاجم، ولأن زوالها عن مدخل الطعام والشراب أبلغ في النظافة، وأنزه من وضر الطعام.

4 - يُشرع تقليم الأظافر؛ تحسينا للهيئة والزينة وإزالة للقباحة من طول الأظفار، ولأنه أقرب إلى تحصيل الطهارة الشرعية على أكمل الوجوه، لما عساه يحصل تحتها من الوسخ المانع من وصول الماء إلى البشرة.

5 - يُشرع نتف الإبط، الذي يجلب بقاؤه الجراثيم والرائحة الكريهة.

6- اتفق العلماء على استحباب فعل الأشياء المذكورة عدا الختان، فمختلف فيه هل هو واجب أو مستحب [19].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - الختان من خصال الفطرة، وهو من سنن الأنبياء، ففي بقاء الجلدة التي تغطي الحشفة تشويه، وتلوث بالنجاسة؛ لأن النجاسة تتجمع تحت هذه القَلفة وتتراكم، فيحصل بذلك نجاسة للإنسان وقد يتضرر، فجاء الشرع الحكيم بإزالتها للجمال، ولإزالة الأذى واتَّقاء الضرر.

2 - إزالة هذه الأشياء من محاسن الإِسلام، الذي جاء بالنظافة والطهارة، والتأديب والتهذيب، ليكون المسلم على أحسن حال وأجمل صورة.

3- يقول ابن حجر: (يتعلق بهذه الخصال مصالح دينية ودنيوية تدرك بالتتبع، منها: تحسين الهيئة، وتنظيف البدن جملة وتفصيلا، والاحتياط للطهارتين، والإحسان إلى المخالط والمقارن بكف ما يتأذى به من رائحة كريهة، ومخالفة شعار الكفار من المجوس واليهود والنصارى وعباد الأوثان، وامتثال أمر الشارع، والمحافظة على ما أشار إليه قوله تعالى: ﴿ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ [غافر:64]، والمحافظة على المروءة وعلى التآلف المطلوب)[20].

طريقة الاستدلال:

1 - في ظاهر قوله: «الفطرة خمس»: دلالة على الحصر، والحصر نوعان: حقيقي ومجازي. وقد ورد في رواية أخرى: «خمس من الفطرة»: وليس فيها حصـر، فوجب إزالة الرواية الأولى عن ظاهرها المقتضي للحصر؛ أي الحقيقي [21].

وعليه فالحصر للمبالغة تأكيدًا لأمر الخمس المذكورة؛ كقوله: «الدين النصيحة».

2 - دلالة الاقتران وإن كانت ضعيفة عند جمهور الأصوليين، إلا أن الاستدلال بها على عدم وجوب الختان؛ لاقترانه بالخصال الأخرى المستحبة قوي؛ لأن لفظة (الفطرة) لفظة واحدة استعملت في هذه الأشياء الخمسة، فلو استعملت في بعض هذه الأشياء لإفادة الوجوب، وفي بعضها لإفادة الندب، لزم استعمال اللفظ الواحد في معنيين مختلفين، وإنما تضعف دلالة الاقتران إذا استقلت الجمل في الكلام، ولم يلزم منه استعمال اللفظ الواحد في معنيين [22].

3 - ومما استدل به على عدم الوجوب كذلك أن الختان قطع جزء من الجسد ابتداء فلم يكن واجبًا بالشرع قياسًا على قص الأظفار، ولأنه لم يرد في الشرع ذمُ تاركه ولا توعُّدُه بعقاب.

4 - ومما استدل به الشافعية على وجوب الختان، أنه لو لم يكن واجبًا لكان حرامًا لما فيه من قطع عضو وكشف العورة، والنظر إليها، وهذا داخل عندهم تحت القاعدة الفقهية: (ما كان ممنوعًا منه إذا جاز وجب) أو: (جواز ما لو لم يشرع لم يجز، دليل على وجوبه)[23].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة