مدة المسح على الخفين للمقيم وللمسافر:
72- عن صفوان بن عسال رضي الله عنه قال: «كَانَ النَّبِيِّ ﷺ يَأْمُرُنَا إِذَا كُنَّا سَفْرًا أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ، إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ، وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ، وَبَوْلٍ، وَنَوْمٍ» أخرجه النسائي والترمذي واللفظ له وابن خزيمة وصحَّحاه. [قال البخاري فيما نقله الترمذي (96): حديث حسن ليس في التوقيت شيء أصح منه، وصحَّحه ابن حبان في الصحيح (1100)].
73- وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: «جَعَلَ اَلنَّبِيُّ ﷺ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ لِلْمُسَافِرِ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ» - يعني في المسح على الخفين - أخرجه مسلم.
74- وعن أبي بكرة رضي الله عنه عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ: «أَنَّهُ رَخَّصَ لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ، وَلِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً، إِذَا تَطَهَّرَ فَلَبِسَ خُفَّيْهِ: أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا»، أخرجه الدارقطني[1]، وصحَّحه ابن خزيمة. [وحسَّنه البزار في المسند (3621)، وصحَّحه الشافعي فيما نقله البيهقي في معرفة السنن (2/109) وابن حبان في الصحيح (1324)].
75- وعن عمر رضي الله عنه موقوفًا وعن أنس رضي الله عنه مرفوعًا: «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ فَلْيَمْسَحْ عَلَيْهِمَا، وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا، وَلَا يَخْلَعْهُمَا إِنْ شَاءَ إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ» أخرجه الدارقطني والحاكم وصحَّحه. [قال الحاكم في المستدرك (655): وقد روي هذا الحديث عن أنس بن مالك، عن رسول الله ﷺ بإسناد صحيح رواته عن آخرهم ثقات إلا أنه شاذ بمرة، وقال ابن عبد الهادي في المحرر (72): والصواب وقفه على عمر].
76- وعن أُبي بن عمارة رضي الله عنه أنه قال: يَا رَسُولَ الله أَمْسَحُ عَلَى اَلْخُفَّيْنِ؟ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: يَوْمًا؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: وَيَوْمَيْنِ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: وَثَلَاثَةً؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَمَا شِئْتَ»، أخرجه أبو داود، وقال: ليس بالقوي. [وقال النووي في شرح مسلم (3/176): (حديث ضعيف باتفاق أهل الحديث)].
1 - صفوان بن عَسَّال: هو صفوان بن عَسَّال المرادي، سكن الكوفة، وقد غزا مع النبي ﷺ اثنتي عشرة غزوة، وتُوفِّي في حدود (40هـ).
2 - أبو بكرة: هو نُفيع بن الحارث الثقفي، كان قد تدلّى إلى النبي ﷺ من حصن الطائف ببكرة، فاشتهر بأبي بكرة، كان رجلًا صالحًا ورعًا من خيار أصحاب رسول الله ﷺ، آخى رسول الله ﷺ بينه وبين أبى برزة وكان ممن اعتزل يوم الجمل ولم يقاتل مع أحد من الفريقين، مات سنة (51) أو (52) هـ.
3 - أُبيُّ بن عمارة: هو أُبيُّ بن عمارة، من المدنيين، سكن مصر، وله هذا الحديث في المسح على الخفين، وفيه: أن النبى ﷺ صلى القبلتين فى بيته.
1 - سَفْرًا - بفتح السين وسكون الفاء-: اسم جمع لمسافر، أي: مسافرين.
2 - خِفاف - بكسر الخاء-: جمع خُفٍّ، وهو: ما يلبس في الرجل من جلد رقيق.
3 - إلا من جنابة: أي: فننزعها من الجنابة ولو قبل مرور ثلاثة أيام.
4 - الغائط: أصله المكان المنخفض، وسمي الخارج غائطًا؛ لأن الإنسان يطلب لقضاء حاجته مكانًا منخفضًا يستتر به عن أعين الناس.
5 - ولكن من غائط وبول ونوم: أي: ولكن لا ننزعها من غائط وبول ونوم، إلا إذا مرت المدة المقدرة.
1 - في حديث صفوان دليل على أن السنة لمن كان لابسًا للخف على طهارة ألَّا يتكلف نزعهما، بل يبقيهما ويمسح عليهما.
2 - وفيه: أن جواز المسح على الخفين مخصوص بالحدث الأصغر، وأما الحدث الأكبر الموجب للغسل كالجنابة، فلا يكفي فيه المسح على الخفين.
3 - في حديث صفوان وعلي، وأبي بكرة رضي الله عنهم دليل على أن مدة المسح على الخفين في السفر ثلاثة أيام بلياليها، وفي الحضر يوم وليلة، وهو قول الجمهور[2].
4- فيه دليل لمن ذهب إلى أنه لا يلبس قبل غسل الرجل اليسرى؛ لأن من فعل ذلك لم يصدق عليه أنه تطهر، وهذا هو الأحوط في هذه المسألة أنه لا يلبس الخفين إلا بعد كمال الطهارة، ووجه الحجَّة: أنَّ الفاء للتعقيب، فعقَّب طهارة الرِّجلين باللبس.
5 - حديث عمر دليل على أنه يمسح على الخفين بلا توقيت، لقوله: «ولا يخلعهما إن شاء إلا من جنابة»، وقد بوَّب عليه الدارقطني في سننه بقوله: (باب ما في المسح على الخفين من غير توقيت)، وأجيب عنه من وجهين:
الأول: أن حديث عمر مطلق، فيحمل على أحاديث صفوان وعلي وأبي بكرة التي تحدد مدة المسح.
والثاني: أن يكون قوله: «إن شاء»، إشارة إلى أن المسح ليس بواجب دفعًا لما يفيده ظاهره من الوجوب، وظاهر النهي من التحريم.
6- جمع شيخ الإسلام ابن تيمية بين الأحاديث جمعًا حسنًا، فقال: (لكن لو كان في خلعه بعد مضي الوقت ضرر -مثل: أن يكون هناك برد شديد متى خلع خفيه تضرر، كما يوجد في أرض الثلوج وغيرها، أو كان في رفقة متى خلع وغسل لم ينتظروه، فينقطع عنهم فلا يعرف الطريق، أو يخاف إذا فعل ذلك من عدو أو سبع، أو كان إذا فعل ذلك فاته واجب ونحو ذلك- فهنا قيل: إنه يتيمم، وقيل: إنه يمسح عليهما للضرورة، وهذا أقوى؛ لأن لبسهما هنا صار كلبس الجبيرة من بعض الوجوه، فأحاديث التوقيت فيها الأمر بالمسح يوما وليلة وثلاثة أيام ولياليهن، وليس فيها النهي عن الزيادة إلا بطريق المفهوم، والمفهوم لا عموم له، فإذا كان يخلع بعد الوقت عند إمكان ذلك عمل بهذه الأحاديث، وعلى هذا يحمل حديث عقبة بن عامر لما خرج من دمشق إلى المدينة يبشـر الناس بفتح دمشق ومسح أسبوعًا بلا خلع فقال له عمر: أصبت السنة وهو حديث صحيح)[3].
7- حديث أُبي بن عمارة وإن نص على جواز الزيادة عن ثلاثة أيام بقوله بعد الثالثة: «نعم وما شئت»، إلا أنه ضعيف باتفاق أهل الحديث -كما سبق من قول النووي- فلا يُعمل به.
8 - يتحصل لنا مما سبق في هذا الباب أن شروط صحة المسح على الخفين:
أ. أن يكون لابسًا لهما على طهارة كاملة، كما في حديث المغيرة، وهو مجمع عليه[4].
ب. أن يكون المسح في الوقت المحدد شرعًا؛ لحديث علي، وصفوان، وأبي بكرة.
ج. أن يكون المسح عليهما في الحدث الأصغر، لا في الجنابة أو ما يوجب الغسل؛ لحديث صفوان، وهو مجمع عليه[5].
د. أن يكون الخُفّان طاهرين، فإن كانت نجسة لم يمسح عليهما؛ لحديث خلع النبي ﷺ نعليه في الصلاة، وهو مجمع عليه
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
في الحديث دليل على حكمة الشرع، وتنزيل الأمور منازلها، ومراعتها لأحوال الناس في قوتهم وضعَّفهم وحاجتهم؛ فإن النبي ﷺ فرق هنا بين المسافر والمقيم، فجعل للمسافر مدة أطول من مدة المقيم، مراعاة بحال المسافر ومشقته، واحتياجه إلى زيادة المدة، بخلاف المقيم المستقر المرتاح، والله حكيم عليم[6].
1 - في قوله: (رخَّص): الرخصة: هي الحكم الذي ثبت على خلاف الدليل لعذر، فهي أمر سُهِّل على المكلف من أجل التخفيف والتيسير، ومن ذلك: المسح على الخفين، العزيمة فيه غسل الرجلين.
2 - من طرق الجمع بين الدليلين المختلفين حمل المطلق على المقيد، وصورته هنا: حمل حديثي عمر وأبي بن عمارة المطلقين عن التوقيت على بقية الأحاديث المؤقتة لمدة المسح؛ ليزول التعارض بينها.
قال الله تعالى: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾ [البقرة: 286]
77- عن عليٍّ رضي الله عنه قال: «اِنْكَسَرَتْ إِحْدَى زَنْدَيَّ فَسَأَلَتْ رَسُولَ الله ﷺ فَأَمَرَنِي أَنْ أَمْسَحَ عَلَى اَلْـجبَائِرِ». رواه ابن ماجة بسند واهٍ جدًا. [قال ابن معين في العلل ومعرفة الرجال (3944) وأبو حاتم في العلل (102): باطل].
- إحدى زَنْدَيَّ تثنية زَنْد، وهو موصل طرف الذراع في الكف.
- الجبائر: جمع جبيرة، وهي ما يُجبر به العظم المكسور ويلف عليه، ويدخل فيه ما قد يوضع على الجروح من لفائف ولاصق طبي.
1- يجوز المسح على الجبيرة عند جماهير العلماء في الحدث الأصغر والأكبر.
2 - يجب استيعاب الجبيرة بالمسح، وهو مذهب المالكية والحنابلة[7].
استدل من قال بوجوب استيعاب الجبيرة بالمسح بأن الجبيرة بدل عن العضو الواجب غسله، والقاعدة الشرعية تقول: (إن البدل له حكم المبدل منه)، فكما يجب غسل العضو كاملًا، فكذلك ما هو بدل منه.