حجم الخط:

محتوى الدرس (20)

ما يحل وما يحرم من استمتاع الرجل بامرأته الحائض:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة: 222]

قال ابن كثير: (فقوله: ﴿ فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ يعني: في الفَرْج).

[الأحاديث]

153- عن أنس رضي الله عنه أَنَّ اَلْيَهُودَ كَانُوا إِذَا حَاضَتْ اَلْـمَرْأَةُ فِيهمْ لَمْ يُؤَاكِلُوهَا، فَقَالَ اَلنَّبِيُّ ﷺ «اِصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا اَلنِّكَاحَ»، رواه مسلم.

154- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَأْمُرُنِي فَأتّزِرُ، فَيُبَاشِرُنِي وَأَنَا حَائِضٌ»، متفق عليه.

155- وعن معاذ أَنَّهُ سَأَلَ اَلنَّبِيَّ ﷺ: مَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِنِ اِمْرَأَتِهِ، وَهِيَ حَائِضٌ؟ قَالَ: «مَا فَوْقَ اَلْإِزَارِ»، رواه أبو داود وضعَّفه. [وضعَّفه الألباني في ضعيف أبي داود (1/72)].

156- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله ﷺ يتكئ في حجري وأنا حائض فيقرأ القرآن»، متفق عليه.

157- وعن ابن عباس رضي الله عنهما عَنِ رَسولِ الله ﷺ فِي اَلَّذِي يَأْتِي اِمْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ قَالَ: «يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ، أَوْ بنِصْفِ دِينَارٍ»، رواه الخمسة، وصحَّحه الحاكم وابن القطان، ورجح غيرهما وقفه، [وضعَّفه الشافعي فيما نقله البيهقي في معرفة السنن (10/151) وابن المنذر في الأوسط (2/340) وابن عبد البر في التمهيد (2/524)، وقال النووي في شرح مسلم (3/ 205): (هو حديث ضعيف باتفاق الحفاظ)].

التوضيح:

- لم يؤاكلوها: لم يجلسوا معها أثناء الأكل.

- فأتَّزر: أي: ألبس الإزار، وكان لبعض النساء ثياب خاصة بالحيض، كما روى البخاري من حديث أم سلمة رضي الله عنها قالت: «فانسللت فأخذت ثياب حيضتي، فقال: أنُفِسْتِ؟ فقلت: نعم، فدعاني فاضطجعت معه في الخميلة».

- فيباشرني: أي: يلامس بشرتي بإلصاق بشرته بها، والمراد الاستمتاع: ما دون الجماع.

- الحِجر: حضن الإنسان.

- الدينار: هو النقد القديم من الذهب المضروب، وزنه اليوم باعتبار المقاييس المعاصرة ما يساوي: (4.25) جرام.

الدلالات الفقهية:

1 - في حديث أنس دليل على تحريم جماع الحائض، وهو أمر مجمع عليه[1].

2 - وفيه: مخالفة اليهود، ومن ذلك مخالفتهم في ترك مؤاكلة المرأة الحائض واعتزالها[2].

3- دل حديثا أنس وعائشة على جواز مباشرة الحائض فيما بين السرة والركبة، وأنه لا يحرم عليه إلا الجماع في الفرج خاصة، قال النووي: (هذا المذهب أقوى دليلا، وقال من ذهب إلى هذا: وأما اقتصار النبي في مباشرته على ما فوق الإزار فمحمول على الاستحباب)[3].

4- دل مفهوم حديث معاذ على أن ما تحت الإزار لا يحل الاستمتاع به، وهو قول الجمهور، خلافًا للحنابلة الذين قرروا أنه يحل له ما تحت الإزار، ولا يحرم عليه إلا الإيلاج في الفرج خاصة[4].

5- في حديث عائشة الثاني دليل على جواز قراءة المسلم القرآن مضطجعًا، وقائمًا، ومتكئًا، ولو على حجر حائض، كما أن فيه دليل على طهارة أعضاء الحائض.

6- وفي حديث ابن عباس دليل على أن كفارة جماع الحائض هي الصدقة بدينار، أو بنصف دينار، وهو مذهب الحنابلة وقول للشافعية، وذلك بشروط ثلاثة: (أن يكون عالمًا، ذاكرًا، مختارًا)، فإِن كان جاهلًا بالتحريم، أو بالحيض، أو ناسيًا أو حصل الحيض في أثناء الجماع، فلا كفَّارة عليه، ولا إِثم، وذهب الحنفية والشافعية في الصحيح من المذهب إلى أنه يستحب له التصدق بدينار إن كان الجماع في أول الحيض وبنصف دينار إن كان في آخره، وذهب المالكية والثوري والليث وأحمد في رواية عنه، إلى أنه لا كفارة عليه إلا التوبة والاستغفار وترك العود[5].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1- تكريم الإسلام للمرأة، وسبقه إلى ذلك في تلك العصور التي كانت فيها ثقافة كثير من الأمم مبنية على إهانة المرأة، واستقذارها، واعتبارها جسدًا بلا روح.

2- حرم الشرع جماع الحائض لما فيه من الأضرار البالغة على الرجل والمرأة، والتي كشفها الطب الحديث، ومن ذلك ما يلي:

أ - أن جماع الحائض يؤدي إلى اشتداد النزف الطمثي؛ لأن عروق الرحم تكون محتقنة وسهلة التمزق.

ب - أنه يؤدي إلى تعريض الرحم لعدوان البكتيريا لضعَّفه عن المقاومة بسبب الحيض.

وأما بالنسبة للرجل فله نصيبه من الأضرار؛ فإنها تعرض عضو الرجل للالتهاب، وقد يتعدى الضرر إلى قناة مجرى البول؛ أو إلى الجهاز البولي بكامله مع الكلى، والله تعالى حكيم عليم[6].

طريقة الاستدلال:

دل عموم قوله ﷺ: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح»، على مذهب الحنابلة، وهو أنه يحل له ما تحت الإزار، ولا يحرم عليه إلا الإيلاج في الفرج خاصة: وأما حديث معاذ فهو حديث ضعيف، وعلى فرض صحته، فالاستدلال به على تحريم ما تحت الإزار بطريق المفهوم، والاستدلال على أنه لا يحرم إلا الفرج بطريق منطوق، والمنطوق مقدَّم على المفهوم عند التعارض.

حكم صلاة الحائض وصيامها وطوافها:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة: 185]. لم يأمر الله المرأة بقضاء الصلاة بعد الحيض تيسيرًا عليها ورفعًا للمشقة؛ لأن الصلاة تتكرر خمس مرات كل يوم، والحيض عدة أيام كل شهر فيشق القضاء حينئذ عليها، بخلاف الصوم الواجب فإنه يكون مرة واحدة في السنة، فلا يشق قضاء أيام حيضها فيه.

[الأحاديث]

158- عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟»، متفق عليه في حديث طويل.

159- وعن معاذة قالت: «سألت عائشة فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحرورية أنت؟ قلت: لست بحرورية، ولكني أسأل، قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة»، متفق عليه واللفظ لمسلم.

160- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: لَمَّا جِئْنَا سَرِفَ حِضْتُ، فَقَالَ اَلنَّبِيُّ ﷺ: «اِفْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْـحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي»، متفق عليه في حديث طويل.

سبب ورود حديث أبي سعيد:

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: خرج رسول الله في أضحى أو فطر إلى المصلى، فمر على النساء، فقال: «يا معشر النساء تصدقن فإني أريتكن أكثر أهل النار» فقلن: وبم يا رسول الله؟ قال: «تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن»، قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: «أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل» قلن: بلى، قال: «فذلك من نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم» قلن: بلى، قال: «فذلك من نقصان دينها» متفق عليه.

التوضيح:

- أحرورية: أي: هل أنت على مذهب الحرورية؟ وحروراء: بلدة قرب الكوفة، خرجت منها فرقة من الخوارج على عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه، فسُمُّوا بالحروريين نسبة إلى مكان خروجهم.

- سَرِف؛ بفتح السين وكسر الراء: اسم وادٍ شمال مكة، يبعد عن الحرم من جهة التنعيم نحو عشرة كيلومترات، وعن المسجد الحرام نحو ثمانية عشر كيلو مترًا.

الدلالات الفقهية:

1 - في حديثي أبي سعيد وعائشة الأول دليل على أن المرأة الحائض يحرم عليها أن تصلي، أو تصوم، ولا يصحان منها إن فعلت، وتأثم بفعلها؛ لاشتراط الطهارة التامة للصلاة، والطهارة من الحيض في الصيام، وهذا كله مجمع عليه[7].

2 - دل حديث عائشة الأول على أنه لا يجب على المرأة الحائض قضاء الصلاة، وأنه يجب عليها قضاء الصيام، وهذا كله مجمع عليه[8].

3 - في حديث عائشة الثاني دليل على أنه يجوز للحائض أن تأتي بجميع شعائر الحج، من الوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة، ورمي الجمار، والمبيت بمنى، والسعي بين الصفا والمروة لو سبق لها وطافت قبل الحيض، وأن ذلك يصح منها، حيث لا يشترط لهذه المناسك جميعًا الطهارة، وكل ذلك مجمع عليه[9].

4 - وفيه دليل على تحريم الطواف على الحائض، وأنه لا يصح منها، وهذا قول الجمهور[10] من المالكية والشافعية والحنابلة في المعتمد، وذهب الحنفية في الراجح عندهم وهو رواية عن الإمام أحمد إلى أن الطهارة من واجبات الطواف وليست شرطًا فيه، فمن طافت وهي حائض أو نفساء فقد عصت، إذا لم يكن لها عذر وعليها دم، وعليه أجازوا للحائض التي لا يمكنها الانتظار إذا خشيت فوات الرفقة في السفر قبل طهرها أن تعتصب حتى لا تلوث المسجد الحرام وتطوف في حيضها وعليها دم، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتبعه ابن القيم[11]، إلا أنهما لم يوجبا عليها الدم. واتفق الجميع على أنه ليس لها أن تطوف مع الحيض إذا كانت قادرة على الطواف مع الطهر، وأنها تأثم بذلك[12].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - الحكمة من أن الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة: أن الصلاة تتكرر كل يوم، والحيض يتكرر كل شهر غالبًا، فالإلزام بقضاء الصلاة فيه مشقة عظيمة على المرأة، كما أن في صلاتها أيام الطهر ما يغنيها عن صلاة أيام الحيض، فيحصل لها مصلحة الصلاة في زمن الطهر لتكررها كل يوم، بخلاف الصوم فإنه لا يتكرر، بل هو شهر واحد في العام، فلو سقط عنها فعله بسبب الحيض لم يكن لها سبيل إلى تدارك نظيره[13].

2 - احترام بيت الله وتعظيمه، بأن لا يأتيه المسلم إلا على أحسن هيئة، وينبغي على المسلم أن يستحضر في قلبه التعظيم والخوف والرجاء والمحبة حال الطواف؛ فإنه متشبه بالملائكة المقربين الحافِّين حول العرش الطائفين حوله، فليس المقصود طواف الجسم بالبيت فقط، بل المقصود كذلك طواف القلب بذكر رب هذا البيت [14].

طريقة الاستدلال:

1 - في قوله : «أليس إذا حاضت...» أسلوب تقريري ممن يُعلِّم لمن يُعلَّم، حملا للمخاطَب على الإقرار بالأمر وتثبيته وأنه لا شك فيه، فدل على أن ترك الحائض للصلاة والصيام أمر معلوم مقرَّر لا جدال فيه.

2- استدل ابن تيمية وابن القيم على جواز طواف الحائض للضرورة بالقاعدة الشرعية: أن جميع الشروط والواجبات المتعلقة بالعبادة معلقة بقدرة المكلف، فمن عجز عن شرط أو ركن أو واجب سقط عنه فسقط عنها شرط الطهارة في هذه الحال للعجز كسقوط سائر الشـروط بالعجز، ولم يوجبا عليها دمًا، لأن الطهارة واجب يؤمر به مع القدرة لا مع العجز، ولزوم الدم إنما يجب بترك مأمور، وهي لم تترك مأمورًا في هذه الحالة، ولم تفعل محظورًا من محظورات الإحرام.

مدة النفاس:

[تمهيد]

النفاس والحيض شيء واحد فمتى طهرت المرأة صلَّت وصامت.

[الأحاديث]

161- عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: «كَانَتِ اَلنُّفَسَاءُ تَقْعُدُ فِي عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ بَعْدَ نِفَاسِهَا أَرْبَعِينَ يومًا»، رواه الخمسة إلا النسائي، واللفظ لأبي داود. وفي لفظ له: «وَلَمْ يَأْمُرْهَا اَلنَّبِيُّ ﷺ بِقَضَاءِ صَلَاةِ اَلنِّفَاسِ»، وصحَّحه الحاكم. [إسناده ضعيف وفيه اضطراب ونكارة، أنكره ابن حبان في المجروحين (2/176)، وابن القطان في بيان الوهم والإيهام (3/329)، وضعَّفه ابن رجب في فتح الباري (1/548)].

التوضيح:

- النِّفاس: دم يرخيه الرحم مع الولادة أو بعدها أو قبلها بمدة يسيرة.

- تقعد: أي: تترك الصلاة والصيام، وكل ما يحرم على الحائض.

الدلالات الفقهية:

1 - في حديث أم سلمة دليل على أن أكثر مدة النفاس أربعون يومًا، وهو مذهب الحنفية والحنابلة[15]، وهو ما قرَّره الطب[16]، وأن ما زاد عليه يلحق بالاستحاضة، إن لم يصادف عادتها، فإن صادف عادتها فهو حيض.

2 - ليس هناك حدٌّ لأقل النفاس، فمتى طهرت المرأة فإنها تغتسل وتصلي، وهذا قول الجمهور من أهل العلم؛ بل نقل الاتفاق على أنه لا حدَّ لأقلّه[17].

3 - في الحديث سقوط الصلاة عن النفساء وأنها لا تقضيه كالحائض، وهذا أمر مجمع عليه.

طريقة الاستدلال:

استدل العلماء القائلون بأن أكثر مدة النفاس أربعون يومًا: بحديث أم سلمة، وبأنه قول جماعة من الصحابة، ولا مخالف لهم منهم، فوجب المصير إليه، قال ابن قدامة: (ولأنه قول من سمَّينا من الصحابة، ولم نعرف لهم مخالفًا في عصرهم، فكان إجماعًا، وقد حكاه الترمذي إجماعًا، ونحوه حكى أبو عبيد)[18].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة