أوقات النهي عن الصلاة:
قال الله تعالى في خبر الهدهد عن ملكة سبأ قبل إسلامها: ﴿ وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ ﴾ [النمل: 24] ذكر أهل التفسير والتاريخ أنها وقومها كانوا يسجدون للشمس حال طلوعها وحال غروبها، وهذا مما زينه لهم الشيطان؛ ليصدهم عن السبيل، وقد نهانا الله عن اتباع خطواته فقال الله تعالى: ﴿ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ١٦٨ إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 168، 169].
178- عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ»، متفق عليه، ولفظ مسلم: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الفَجْرِ».
179- وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الفَجْرِ إِلَّا سَجْدَتَيْنِ»، أخرجه الخمسة، إلا النسائي. [ضعَّفه الترمذي في السنن (419) وابن القطان في بيان الوهم والإيهام (3/390)، وقال ابن حجر في الدراية في تخريج الهداية (1/110): (في إسناده أيوب بن الحصين وقيل محمد بن الحصين مجهول)].
وفي رواية عبد الرزاق: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ إِلَّا رَكْعَتَيْ الفَجْرِ»، ومثله للدارقطني عن ابن عمرو بن العاص. [ضعَّفه البيهقي في الكبير (5/236)].
180- ولمسلم عن عقبة بن عامر رضي الله عنه: «ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّي فِيهِنَّ، وَأَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تَتَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ». والحكـم الثاني عنـد الشافعي من حديث أبي هريرة بسند ضعيف وزاد: «إِلَّا يَوْمَ الـجمْعَةِ». [ضعَّفه ابن عبد البر في الاستذكار (993) وابن عبد الهادي في تنقيح التحقيق (2/377)]. وكذا لأبي داود: عن أبي قتادة نحوه. [أعلَّه بالإرسال والانقطاع أبو داود في السنن (1072)].
181- وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: صَلَّى رَسُولُ الله ﷺ العَصْرَ، ثُمَّ دَخَلَ بَيْتِي، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَسَألتُهُ، فَقَالَ: «شُغِلْتُ عَنْ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، فَصَلَّيْتُهُمَا الآنَ»، قُلْتُ: أَفَنَقْضِيهِمَا إِذَا فَاتَتْنَا؟ قَالَ: «لَا»، أخرجه أحمد. [ضعَّفه البيهقي في معرفة السنن (3/ 426)، وقال عبد الحق في الأحكام الوسطى (1/262): وهذه الزيادة «أفنقضيهما...» زيادة منكرة]. ولأبي داود عن عائشة رضي الله عنها بمعناه. [ضعَّفه ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (5/64) لعنعنة محمد بن إسحاق وهو مدلس ولم يذكر سماعًا].
182- وعن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «يَا بَنِي عَبْد مَنَافٍ، لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا البَيْتِ وَصَلَّى أَيَّة سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ»، رواه الخمسة، وصحَّحه الترمذي وابن حبان.
1 - عقبة بن عامر بن عبس الجهني، أبو حماد، الإمام المقرئ، من أصحاب الصُّفَّة، كان من أحسن الناس صوتًا بالقرآن، عالمًا، مقرئًا، فصيحًا، فقيهًا، فرضيًا، شاعرًا، قديم الهجرة والسابقة والصحبة كبير الشأن، كان البريد إلى عمر بفتح دمشق، ولي إمرة مصر ومات بها سنة (58هـ).
2 - جبير بن مطعم بن عدي القرشي النوفلي، من المؤلفة قلوبهم، ثم أسلم وحسن إسلامه، أحد حلماء قريش، وسادتهم، وكان يؤخذ عنه النسب، مات بالمدينة سنة (58هـ) أو (59هـ).
- إلا سجدتين: هما ركعتا الفجر.
- قائم الظهيرة: أي: قيام الشمس وقت الزوال، وذلك عند بلوغها وسط السماء.
- حين تضَّيَّف الشمس للغروب: أي: تميل للغروب.
- عبد مناف: هو عبد مناف بن قُصي، الجد الثالث للنبي ﷺ، وكانت في ذريته سقاية الحجيج والرفادة، وهم أعز بيت في قريش، وفيهم السِّدانة والحجابة واللواء والسقاية، فلذا خصَّهم الرسول ﷺ بالخطاب دون سائر قريش.
1- دلَّت أحاديث أبي سعيد الخدري وابن عمر أن الأوقات المنهي عن الصلاة فيها هي:
الأول: من صلاة الفجر إلى طلوع الشمس وارتفاعها.
الثاني: من صلاة العصر إلى غروب الشمس.
2- دل حديث عقبة بن عامر على وقت ثالث ينهى فيه عن الصلاة، هو: إذا قامت الشمس في وسط السماء غير مائلة، وقد ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة أنه وقت كراهة[1].
3- في حديث أبي هريرة رضي الله عنه دليل على استثناء وقت الزوال يوم الجمعة من النهي، وهو قول الشافعي، ووجه في مذهب الحنابلة، ورجَّحه شيخ الإسلام، والحديث في ذلك ضعيف[2]، ومما احتجوا به للجواز أيضًا ما رواه مالك أنهم كانوا في زمان عمر بن الخطاب يصلون حتى يخرج، فإذا خرج عمر جلس على المنبر وأذن المؤذنون جلسوا[3].
4- دلَّت الأحاديث على النهي عن الصلاة في هذه الأوقات، وقد حمله البعض على النفل المطلق الذي لا سبب له، وجوَّزوا الصلوات ذوات الأسباب؛ كتحية المسجد، وركعتي الوضوء، وصلاة الكسوف، وصلاة الجنازة، وقضاء الوتر لمن نسيه أو فاته، وصلاة الاستخارة، وهو قول الشافعية، ورواية عن أحمد، ورجَّحه ابن تيمية، وابن القيم[4].
5- وفي حديث ابن عمر وقع استثناء ركعتين من النهي عن التنفل بعد طلوع الفجر، بينت الرواية الأخرى أن الركعتين هما سنة الصبح الراتبة، فيجوز فعلها فيه.
6- ودلَّ حديث أم سلمة على أن النبي ﷺ صلى ركعتين بعد العصر قضاء لراتبة الظهر لمــّا شُغِلَ عنها، وهذ الحكم عام للأمة، فيجوز لمن فاتته سنة أن يقضي ما فاته وأما زيادة: «أفنقضيهما؟ قال: «لا»» فلم تثبت.
7- وفيه أيضًا إثبات سنة الظهر البعدية، وأن السنن الراتبة إذا فاتت يستحب قضاؤها.
8- ودلَّ حديث جبير بن مطعم على تحريم منع المتعبدين في المسجد الحرام في أي ساعة من ساعات الليل والنهار، وجواز فعل النوافل كلها فيه في أوقات النهي، وهو مذهب الشافعية، وقيل: يجوز فعل ركعتي الطواف في المسجد الحرام في أي ساعة كانت، سواءً في أوقات الكراهة أو غيرها، وهو مذهب الحنابلة[5].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1- علة النهي عن الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت الغروب: أن الشمس تطلع وتغرب بين قرني شيطان، وأنه حينئذ يسجد لها الكفار؛ كما في حديث عمرو بن عبسة الذي أخرجه مسلم، فَنُهِيَ المسلم عن الصلاة في هذين الوقتين؛ ليبتعد عن مشابهة الكفار الذين يسجدون للشمس.
2- ويستفاد من هذا أيضًا عناية الإسلام بالمنع من التشبه بالكفار، وسدِّ جميع الطرق الموصلة إليه، وأن على المسلم الابتعاد قدر وسعه عن التشبه بالكفار، وعليه التمسك بأخلاق الإسلام وعاداته، والاعتزاز بهويته وانتمائه.
3- وفي حديث جبير بن مطعم فضيلةٌ ومنقبة كبيرة لقريش ولبني عبد مناف منهم خاصة، حيث شرفهم الله تعالى بإكرام بيت الله، وخدمة الحجاج.
4- على الإنسان تدارك ما بقي من عمره بعمل الطاعات، وألا يترك قضاء ما فاته من طاعة أو عبادة؛ سدًّا لتكسيل الشيطان له مستقبلًا.
1 - قوله: «لا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْح..»: الأصل في نفي الشـرع أن يكون لنفي الصحة لا لنفي الكمال إلا بدليل، ونفي الصحة نفي للوجود الشرعي في الواقع، فيكون قوله: «لا صلاة» نفيًا للصلاة الشرعية، وهو نفي في معنى النهي، فكأنه قال: لا تصلوا بعد الصبح، وإنما عبر بالنفي لأنه أبلغ من النهي؛ لأن فيه تقريرًا وتأكيدًا لاجتنابه، كأنه أمر لا يمكن أن يكون.
2 - الأصل في فعل النبي ﷺ عموم تشريعه للأمة، وعدم تخصيص الفعل به ﷺ، حتى يقوم الدليل على التخصيص.
قال الله تعالى: ﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ١٤٨ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ [البقرة: 148، 149] قال القرطبي: (وَإِنْ كَانَ يَتَضَمَّنُ الْحَثَّ عَلَى المُبَادَرَةِ وَالِاسْتِعْجَالِ إِلَى جَمِيعِ الطَّاعَاتِ بِالْعُمُومِ، فَالمُرَادُ مَا ذُكِرَ مِنَ الِاسْتِقْبَالِ لِسِيَاقِ الْآيِ، وَالمَعْنَى المُرَادُ: المُبَادَرَةُ بِالصَّلَاةِ أَوَّلَ وَقْتِهَا، وَالله تَعَالَى أَعْلَمُ).
وقال الله تعالى: ﴿ وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ ﴾ [طه: 84] قال ابن القيم: (وَظَاهِرُ الْآيَةِ: أَنَّ الْحَامِلَ لِمُوسَى عَلَى الْعَجَلَةِ: هُوَ طَلَبُ رِضَا رَبِّهِ، وَأَنَّ رِضَاهُ فِي المُبَادَرَةِ إِلَى أَوَامِرِهِ، وَالْعَجَلَةِ إِلَيْهَا. وَلِهَذَا احْتَجَّ السَّلَفُ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَفْضَلُ، سَمِعْتُ شَيْخَ الْإِسْلَامِ ابْنَ تَيْمِيَةَ يَذْكُرُ ذَلِكَ)[6].
183- عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سألت النبي ﷺ أيُّ العمل أحب إلى الله؟ قال: «الصلاة على وقتها»، قال: ثم أي؟ قال: «ثم بر الوالدين»، قال: ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله». قال: حدثني بهن ولو استزدته لزادني، متفق عليه.
184- وعنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أَفْضَلُ الأَعْمَالِ الصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا»، رواه الحاكم، وصحَّحه، وأصله في الصحيحين. [لم يقل لفظة «أول» إلا علي بن حفص عن شعبة، قال الدارقطني فيما نقله ابن حجر في فتح الباري (2/10) ما أحسبه حفظه لأنه كبر وتغير حفظه].
185- وعن أبي محذورة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «أَوَّلُ الوَقْتِ رِضْوَانُ الله، وَأَوْسَطُهُ رَحْمَةُ الله؛ وَآخِرُهُ عَفْوُ الله»، أخرجه الدارقطني بسند ضعيف جدًا، وللترمذي من حديث ابن عمر نحوه دون الأوسط، وهو ضعيف أيضًا. [ضعَّفه أحمد في العلل ومعرفة الرجال (1/548)، وابن عدي في الكامل (10/419) وغيرهما].
أبو محذورة هو: أوس بن معير الجمحي، مؤذن المسجد الحرام، وصاحب النبي ﷺ، كان من أندى الناس صوتًا وأطيبه، دعاه النبي ﷺ لما سمعه وهو صبي فمسح على رأسه وعلَّمه الأذان، فكان لا يَجُز ناصيته ولا يفرقها؛ لأن النبي ﷺ مسح عليها، مات سنة (59)، وقيل غير ذلك.
1- في الأحاديث دليل على أن أحب أعمال البدن إلى الله تعالى الصلاة على وقتها، ثم بر الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله، وتفاوت الأعمال يكون بحسب نفعها ومصلحتها.
2- الحديث دليل على أن الصلاة في أول الوقت أفضل إلا فيما استثناه الشارع، كتأخير صلاة العشاء إذا لم يشق على الجماعة، وتأخير الظهر للإبراد.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1- ينبغي للمسلم أن يراعي مراتب الأعمال عند الله تعالى، وألا يقدِّم المفضول منها على الفاضل، وألا يحرص على المستحب ثم يفرط في الواجب، بل يكون حكيمًا في العناية بالأعمال والحرص على الطاعات ويقدم منها ما كان أفضل عند الله تعالى.
2- الصلاة في أول وقتها أفضل وأعظم أجرًا؛ وينبغي على المؤمن أن يسارع فيها لئلا يفوته هذا الخير العظيم، وقد كان من السلف من يغرز الإبرة في الجلد، فيؤذن المؤذن، فلا يخرجها مسارعًا إلى الصلاة أول الوقت.
3 - في الحديث أيضًا تقديم الصلاة على وقتها وبر الوالدين حتى على الجهاد في سبيل الله، قال ابن بزيزة: الذي يقتضيه النظر تقديم الجهاد على جميع أعمال البدن؛ لأن فيه بذل النفس، إلا أن الصبر على المحافظة على الصلوات وأدائها في أوقاتها والمحافظة على بر الوالدين أمر لازم متكرر دائم، لا يصبر على مراقبة أمر الله فيه إلا الصدِّيقون، والله أعلم[7].
4- ويستفاد من حديث ابن مسعود فضل السؤال عن العلم، خصوصًا الأشياء الهامة، وكذا السؤال عن مراتبه في الأفضلية، وتقديم الأهم فالأهم في الأعمال، وقد أفاد هذا السؤال نفعًا عظيمًا.
5- دل حديث أبي محذورة -بصرف النظر عن ضعف سنده- على أن المسارع لأداء الصلاة أول الوقت مسارع إلى رضوان الله، وهذا المعنى صحيح، قال الله تعالى: ﴿ وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ ﴾ [طه: 84].
قاعدة: قال العلماء: اختلاف أجوبة النبي ﷺ في مراتب الأعمال وأفضليتها يختلف باختلاف الأحوال، واحتياج المخاطبين، وذكر ما لم يعلمه السائل والسامعون وترك ما علموه[8].