لباس الرجل والمرأة في الصلاة:
قال الله تعالى: ﴿ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾ [الأعراف: 31]
قال القرطبي: (عَامٌّ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ لِلصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِلْعُمُومِ لَا لِلسَّبَبِ. ثم قال: الثانية: دلَّت الْآيَةُ عَلَى وُجُوبِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَذَهَبَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّهَا فَرْضٌ مِنْ فُرُوضِ الصَّلَاةِ). اهـ
وقد بين النبي ﷺ تفاصيل لباس الصلاة، ما يصح منها وما لا يصح، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ﴾ [النحل: 44].
216- عن عائشة رضي الله عنها عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قال: «لَا يَقْبَلُ الله صَلَاةَ حَائِضٍ إِلَّا بِخِمَارٍ»، رواه الخمسة إلا النسائي، وصحَّحه ابن خزيمة. [ضعيف معلول تفرَّد به حماد بن سلمة[1] عن قتادة، وحماد ضعيف في قتادة وقد خولف، أعلَّه أبو داود في السنن (637)، والدارقطني في العلل (8/431)، والبيهقي في الكبير(4/216)].
217- وعن جابر رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال له: «إِنْ كَانَ الثَّوْبُ وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِه» -يعني: في الصلاة - ولمسلم: «فَخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ - وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ»، متفق عليه.
218- وعن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: «لا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ» متفق عليه.
219- وعن أم سلمة رضي الله عنها أَنَّهَا سَألتْ النَّبِيَّ ﷺ قالت: أَتُصَلِّي الـمَرْأَةُ فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ، بِغَيْرِ إِزَارٍ؟ قَالَ: «إِذَا كَانَ الدِّرْعُ سَابِغًا يُغَطِّي ظُهُورَ قَدَمَيْهَا»، أخرجه أبو داود وصحَّح الأئمة وقفه. [أعلَّه أبو داود في السنن (636)، والدارقطني في العلل (15/251)، وغيرهما].
- صلاة حائض: المراد بالحائض، المرأة التي بلغت، وصارت مكلَّفة، وليس المراد: من هي حائض؛ لأن الحائض لا صلاة عليها.
- إلا بخمار: الخِمار: ما تخمِّر به المرأة رأسها، أي: تغطيه به.
- الثوب: ما يلبس من إزار أو رداء أو غيرهما، فهو قطعة قماش لم تُفَصَّلْ على قدر البدن، وليس المراد به القميص؛ لأن القميص ثوب ذو أكمام، والقميص يقوم مقام ثوبين؛ لأنه يغطي أعلى البدن وأسفله.
- فالتحف به: الالتحاف أن يتزر بثوب واحد، يخالف بين طرفيه، فيلقي طرفه الأيمن على عاتقه الأيسر، وطرفه الأيسر على عاتقه الأيمن.
- وإن كان ضيقًا فاتزر به: أي: وإن كان الثوب ضيقًا لا يكفي للارتداء والاتزار، فاتزر به فقط، والاتزار: ستر أسفل البدن ما بين السرة والركبة؛ لأن القصد الأصلي ستر العورة، وهو يحصل بالاتزار.
- ليس على عاتقه منه شيء: العاتق: ما بين المنكب وصفح العنق من موضع الرداء من الجانبين جميعًا يقال له العاتق؛ يُذَكَّر ويُؤَنَّث[2].
- الدِّرع؛ بكسر الدال وسكون الراء: المراد به هنا قميص المرأة الذي يغطي بدنها ورجلها.
- الإزار: ثوب يحيط بالنصف الأسفل من البدن.
- سابغًا: أي: واسعًا، ويقال له: (سابغ) إذا طال من فوق إلى أسفل.
1- دلَّ حديث عائشة أنه يجب على المرأة إذا بلغت سن الحيض أن لا تصلي إلا بخمار، وقد أجمع أهل العلم أن على المرأة الحرة البالغة أن تُخَمِّر رأسها إذا صلَّت، وعلى أنها إن صلت وجميع رأسِها مكشوفٌ أن صلاتها فاسدة وعليها إعادة الصلاة[3].
2- وأما إذا انكشف شيء يسير من شعرها وبدنها لم يكن عليها الإعادة عند أكثر العلماء، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد، قاله شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله[4].
3- في حديث جابر وأم سلمة دليل على وجوب ستر العورة في الصلاة.
4- حديث جابر دليل على أن المصلي إن وجد سترة كاملة بأن كان الثوب واسعًا، فعليه أن يلتحف به، فيغطي به من المنكبين إلى ما تحت الركبتين. وأما إن كان الثوب ضيقًا لا يكفي ستر كل البدن، فليستر به العورة الواجب سترها، وهي من السـرة إلى الركبة، ولو أدى ذلك إلى الكشف عن المنكبين وأعلى الجسم.
5- ستر العاتقين في الصلاة مستحب عند الجمهور[5]، والعاتق هو ما بين المنكب والعنق، وذهب الإمام أحمد وابن المنذر إلى أنه يجب أن يضع المصلي على عاتقه شيئًا من اللباس، إن كان قادرًا على ذلك[6].
6- حديث أم سلمة دليل على أن قدمي المرأة عورة في الصلاة، لا يجوز كشفهما، وهذا مذهب الجمهور[7]، بينما ذهب الحنفية إلى أن القدمين ليستا بعورة في الصلاة، فيجوز كشفهما فيها، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية[8].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1- ينبغي للمصلي أن يأخذ زينته في الصلاة، فيصلي في القميص والسراويل ويغطي رأسه، أو يصلي في إزار ورداء وعمامة؛ لقوله تعالى: ﴿ ﭐ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾ [الأعراف: 31].
2- من المقاصد: أن على المسلم أن يتقي الله ما استطاع، فما يقدر على القيام به من الواجبات يقوم به، وما عجز عنه سقط عنه، والله غفور رحيم[9].
1 - نفي القبول في قوله: «لَا يَقْبَلُ الله صَلَاةَ حَائِضٍ إِلَّا بِخِمَارٍ» معناه: عدم الصحة؛ حيث إن نفي القبول: إما أن يكون لفوات شرط، أو لوجود مانع، أو ليس لشيء منهما، فإن كان لفوات شرط، أو وجود مانع فهو نفي للصحة، مثال فوات الشرط: الحديث الذي معنا، ومثال وجود مانع: من تكلم في صلاته لم تقبل. وأما إذا كان نفي القبول لا يتعلق بفوات شرط ولا وجود مانع، فلا يلزم منه نفي الصحة، فقد يراد به نفي القبول التام، الذي يحصل به الرضا وتمام المثوبة[10].
2 - دل القياس على أن ستر العاتقين في الصلاة مستحب وليس بواجب، وذلك أن العاتقين ليسا بعورة، فأشبها بقية البدن.
وعارض الجمهور حديث أبي هريرة بقوله ﷺ لجابر في الثوب: «وإن كان ضيِّقًا: فاتزر به» فمقتضاه جواز الصلاة بما يستر العورة وإن كان فيه تعرية لأعلى البدن، ويحمل النهي في حديث أبي هريرة على الكراهة، وهذا هو الأشهر عند الفقهاء[11].
قال الله تعالى: ﴿ قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾ [البقرة: 144].
قال ابن كثير: (أمَرَ تَعَالَى بِاسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِ الْأَرْضِ، شَرْقًا وَغَرْبًا وَشَمَالًا وَجَنُوبًا، وَلَا يُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا شَيء، سِوَى النَّافِلَةِ فِي حَالِ السفر، فإنه يُصَلِّيهَا حَيْثُمَا تَوَجَّهَ قَالبُه، وقَلْبُه نَحْوَ الْكَعْبَةِ. وَكَذَا فِي حَالِ الْمُسَايَفَةِ فِي الْقِتَالِ يُصَلِّي عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَكَذَا مَنْ جَهِلَ جِهَةَ الْقِبْلَةِ يُصَلِّي بِاجْتِهَادِهِ، وَإِنْ كَانَ مُخْطِئًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، لِأَنَّ الله تَعَالَى لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا). اهـ ويدل على ما ذكره لمن جهل جهة الكعبة بعد التحري قوله تعالى: ﴿ ﭐ وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 115].
220- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «بينا الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آتٍ فقال: إن رسول الله ﷺ قد أنزل عليه الليلة قرآنٌ، وقد أُمر أن يستقبلَ الكعبةَ فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة»، متفق عليه.
221- وعن عامر بن ربيعة رضي الله عنه قال: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي لَيْلَةٍمظلمة فَأَشْكَلَتْ عَلَيْنَا القِبْلَةُ، فَصَلَّيْنَا. فَلَمَّا طَلَعَتِ الشَّمْسُ إِذَا نَحْنُ صَلَّيْنَا إِلَى غَيْرِ القِبْلَةِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ ﭐ وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ﴾ [البقرة: 115]»، أخرجه الترمذي وضعَّفه. [وضعَّفه أبو حاتم في العلل (202)، والعقيلي في الضعفاء (1/140)، وغيرهما].
222- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَا بَيْنَ الـمَشْرِقِ وَالْـمَغْرِبِ قِبْلَةٌ»، رواه الترمذي وقواه البخاري. [قال أحمد في مسائل أبي داود (1904): ليس له إسناد، يعني: حديث عبد الله بن جعفر المخرمي، عن ولد مسور بن مخرمة عن عثمان الأخنسي، عن المقبري، عن أبي هريرة مرفوعًا به، يريد بقوله: ليس له إسناد: لحال عثمان الأخنسي؛ لأن في حديثه نكارة].
223- وعن عامر بن ربيعة رضي الله عنه قال: «رَأَيْتُ النَّبِيِّ ﷺ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ»، متفق عليه، زاد البخاري: يومىء برأسه، ولم يكن يصنعه في المكتوبة.
224- ولأبي داود من حديث أنس رضي الله عنه: «كَانَ إِذَا سَافَرَ فَأَرَادَ أَنْ يَتَطَوَّعَ اسْتَقْبَلَ بِنَاقَتِهِ القِبْلَةِ، فَكَبَّرَ، ثُمَّ صَلَّى حَيْثُ كَانَ وَجْهُ رِكَابِهِ»، وإسناده حسن. [حديث عامر الذي سبق أصح وليس فيه استقبال القبلة، قال ابن القيم في زاد المعاد (1/458): وفي هذا الحديث نظر، وسائر من وصف صلاته ﷺ على راحلته أطلقوا أنه كان يصلي عليها قِبَل أي جهة توجهت به، ولم يستثنوا من ذلك تكبيرة الإحرام ولا غيرها، كعامر بن ربيعة، وعبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله، وأحاديثهم أصح من حديث أنس هذا. والله أعلم].
عامر بن ربيعة بن مالك العَنزي، أسلم قديمًا بمكة، وهاجر إلى الحبشة مع امرأته، ثم هاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا وسائر المشاهد، توفي سنة (33) وقيل غير ذلك.
- فأينما تولوا: تولوا أصلها تتولوا، أي: فإلى أيِّ مكان تتجهون.
- فَثَمَّ: اسم إشارة للمكان، بمعنى: هناك.
- وجه الله: أي: قبلة الله، قاله مجاهد والشافعي[12] .
- على راحلته: الراحلة: المركب من الإبل.
- حيث توجَّهت: أي: إلى أي جهة توجهت الدابة صلّى، سواء أكان إلى القبلة أم إلى غيرها.
- يومئ برأسه: أي: يشير برأسه للركوع والسجود.
1- استقبال القبلة شرط من شرائط الصلاة لا تصح بدونه، سواء كانت الصلاة فرضًا أم نفلًا، لقوله تعالى: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾ [البقرة: 144]، وهذه الآية هي القرآن المقصود بالنزول في حديث ابن عمر.
2- وفي حديث عامر بن ربيعة الأول دليل على أن من صلَّى في الغيم لغير القبلة، ثم استبان له أنه صلّى لغير القبلة فإن صلاته جائزة، وليس عليه إعادة، سواء علم بالخطأ في الوقت أو بعده.
3- أما من صلى في الحضر لغير القبلة، فعليه أن يعيد الصلاة على المشهور من مذهب الإمام أحمد، وذلك لأنه قادر على اليقين، إما بالسؤال، أو برؤية محاريب المساجد، فلم يعذر بالجهل.
4- والواجب على المسافر ونحوه عند حضور الصلاة أن يجتهد ويتحرى القبلة وينظر في الوسائل التي تعينه على ذلك، كالشمس والقمر والنجوم؛ لقوله تعالى: ﴿ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ﴾ [النحل: 16]، أو بالوسائل الحديثة إن تيسَّرت، ثم يصلي حسب ما أداه إليه اجتهاده، فإن ظهر له أنه صلى لغير القبلة فصلاته صحيحة؛ لأنه أدى ما عليه واجتهد، والآية الكريمة: ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ﴾ [البقرة: 115] تفيد ذلك من حيث العموم؛ فحيثما صلّى فقد صلّى لله وإلى وجه الله[13].
5- وفي حديث عامر بن ربيعة الثاني، وحديث أنس دليل على مشـروعية صلاة النافلة في السفر، وأن للمتنفل بالصلاة في السفر على راحلته أن يستقبل جهة سيره، ولا يلزمه استقبال القبلة.
6- لو أراد إنسان أن يتنفل وهو في السيارة أو في الطائرة أو في السفينة، فإنه يسقط عنه الاستقبال، ويصلي إلى جهة سيره، لكن إن تمكن من الاستقبال وأداء الصلاة على الحال الذي تؤدى فيه في غير حال الركوب كما في السفن الحديثة أو الطائرات التي يوجد فيها سعة، فإنه يلزمه ذلك[14].
7- ودلَّ حديث أنس على مشروعية استقبال القبلة حال تكبيرة الإحرام فقط، والجمهور على استحباب ذلك، وحمله بعض العلماء على الوجوب، وهو المذهب عند الحنابلة[15].
8- ودلَّ الحديث على أن الفريضة لا تصلى على الراحلة، بل لا بد أن ينزل على الأرض ويصليها، لقلتها بالنسبة إلى النافلة؛ ولأنها آكد، وقد أجمع العلماء أنه لا يجوز أن يصلي أحد فريضةً على الدابة من غير عذر، كصلاة شدة الخوف[16].
9- أما إذا كان الإنسان في الطائرة أو في السفينة، وليس فيهما مكان مخصص لأداء الصلاة وحضرت الصلاة والرحلة مستمرة، ويخشى فوات الوقت قبل نزول الطائرة أو وقوف السفينة، ولم تكن الصلاة مما يجمع مع غيرها، فإنه يصلي حسب استطاعته، فإن استطاع أن يقف ويركع ويسجد فعل ذلك، وإلا صلى قاعدًا وأومأ بالركوع والسجود؛ لعموم قوله تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾ [التغابن: 16][17].
10 - وفي حديث أبي هريرة دليل على التيسير في أمر القبلة، وأنه يكفي المصلي البعيد عن مكة استقبال جهة الكعبة باجتهاد، وليس عليه إصابة العين، فيكفي غلبة ظنه أن القبلة في الجهة التي أمامه، ولو لم يقدَّر أنه مسامت ومقابل لها، وهو مذهب الحنفية والأظهر عند المالكية والحنابلة وقول للشافعي[18].
11 - أما إن كان المصلي قادرًا على استقبال القبلة، وكان بمكة وفي حال مشاهدة الكعبة ومعاينته لها، فلا خلاف بين الفقهاء في أن عليه التوجه إلى عين الكعبة، ومقابلة ذاتها.
12 - وفي حديث عامر دليل أن ركوع المسافر المتنفل على راحلته وسجوده يكون بالإيماء.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1- قوله تعالى: ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ﴾ [البقرة: 115] يفهم منه أن الاستقبال حقيقة إلى الله ذي الكبرياء والعظمة، فكانت الجهات إليه تعالى سواسية، ولكن اقتضت الحكم الربانية والمصالح الإلهية الأزلية تخصيص الكعبة المباركة المحترمة بالاستقبال، فإذا تعذر الاستقبال عادت الحقيقة الأصلية التي لا تختص بالجهات، ففطن لهذا السر علماء الأمة، وهداة الملة، فوسَّعوا الأمر على العباد في باب القبلة[19].
2- من مقاصد الشريعة: التيسير على الناس ومراعاة قدرتهم وعدم تكليفهم بما لا يطيقون، والتخفيف عنهم فيما لا يتمكنون من القيام به، ومن ذلك أحكام استقبال القبلة، فإنه يجب على من يراها أن يستقبل عينها، وليس على من لا يراها إلا أن يستقبل جهتها.
3- من المقاصد: التسهيل والتخفيف في النوافل ترغيبًا في الإكثار منها، وأنه لا يمنع من الإكثار منها أي عذر[20].
1 - حمل الجمهور حديث أنس على استحباب استقبال القبلة حال تكبيرة الإحرام، ولم يحملوه على الوجوب؛ لأنه فعل، وأفعال النبي ﷺ المجردة لا تحمل على الوجوب، ولأن الأحاديث الواردة في الصحيحين- كحديث عامر بن ربيعة، وحديث ابن عمر، وأنس رضي الله عنهم - ليس فيها استثناء تكبيرة الإحرام، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فدل على الاستحباب فقط.
2 - الأصل تساوي الفريضة والنافلة في الأحكام إلا ما استثناه الدليل، واستثناء الفريضة من الصلاة على الراحلة لم يأتِ الحديث فيه بصيغة النهي، وغاية ما فيه ترك النبي ﷺ لذلك، يقول ابن دقيق العيد: (قوله: «غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة» قد يتمسك به في أن صلاة الفرض لا تؤدى على الراحلة، وليس ذلك بقوي في الاستدلال؛ لأنه ليس فيه إلا ترك الفعل المخصوص، وليس الترك بدليل على الامتناع)[21]، إلا أن الإجماع قد دل عليه.
3 - في حديث ابن عمر دليل على قبول خبر الواحد، وأن عادة الصحابة في ذلك: اعتداد بعضهم بنقل بعض، قال ابن دقيق العيد: (وهناك أمثال لا تحصى، فيثبت بالمجموع القطع بقبولهم لخبر الواحد)[22].
قال الله تعالى: ﴿ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ﴾ [البقرة: 238].
قال ابن كثير: (أَيْ: خَاشِعِينَ ذَلِيلِينَ مُسْتَكِينِينَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَهَذَا الْأَمْرُ مُسْتَلْزِمٌ تَرْكَ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، لِمُنَافَاتِهِ إِيَّاهَا). اهـ، ونقل أبو حيان في البحر المحيط أن معنى قانتين: (رَاكِدِينَ كَافِّي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ). اهـ
225- عن معاوية بن الحكم رضي الله عنه قال: قال رسول الله: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ، وَالتَّكْبِيرُ، وَقِرَاءَةُ القُرْآنِ»، رواه مسلم.
226- وعن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: «إِنْ كُنَّا لَنَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولَ الله ﷺ يُكَلِّمُ أَحَدُنَا صَاحِبَهُ بِحَاجَتِهِ، حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ﴾ [البقرة:238]، فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ، وَنُهِينَا عَنْ الكَلَامِ»، متفق عليه.
227- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ»، متفق عليه، زاد مسلم: «فِي الصَّلَاةِ».
228- وعن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه رضي الله عنه قال: «رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يُصَلِّي، وَفِي صَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الـمِرْجَلِ، مِنْ البُكَاءِ»، أخرجه الخمسة إلا ابن ماجه، وصحَّحه ابن حبان. [وصحَّحه ابن خزيمة في الصحيح (900)، والحاكم في المستدرك (987)، وابن رجب في فتح الباري (4/245) على شرط مسلم، وابن حجر في فتح الباري (2/206)، وغيرهم].
229- وعن عليٍّ رضي الله عنه قال: «كَانَ لِي مِنْ رَسُولِ الله ﷺ مَدْخَلَانِ، فَكُنْتُ إِذَا أَتَيْتُهُ وَهُوَ يُصَلِّي تَنَحْنَحَ لِي»، رواه النسائي وابن ماجه. [ضعَّفه البيهقي في السنن (4/262)، والنووي في خلاصة الأحكام (1663)، وغير واحد].
230- وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «قُلْتُ لِبِلَالٍ: كَيْفَ رَأَيْتَ النَّبِيَّ ﷺ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ حِينَ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ، وَهُوَ يُصَلِّي؟ قَالَ: يَقُولُ هَكَذَا، وَبَسَطَ كَفَّهُ» أخرجه أبو داود والترمذي وصحَّحه.
1 - معاوية بن الحكم السلمي: نزل الصُّفَّة، له صحبة ورواية، سكن المدينة، وروى عن النبي ﷺ.
2 - زيد بن أرقم: بن زيد بن قيس الأنصاري الخزرجي، أبو عمرو، غزا مع النبي ﷺ سبع عشرة غزوة، اسْتُصْغِر يوم أحد، وكان أول مشاهده الخندق، نزل الكوفة وسكنها، توفي سنة (66) وقيل غير ذلك.
3 - عبد الله بن الشخير بن عوف، صحب النبي ﷺ، وروى عنه، ونزل البصـرة بعد ذلك وولده بها، وهو والد مطرف (راوي الحديث عنه) التابعي المشهور الفقيه أحد عباد أهل البصرة وزهادهم.
أن رجلًا عطس في الصلاة، فشمَّته معاوية بن الحكم وهو في الصلاة، فقال معاوية: يرحمك الله، وقال: فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أمياه، ما شأنكم تنظرون إلي؟! فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، قال: فلما رأيتهم يصمتونني، لكي أسكت سكت، فلما صلى رسول الله ﷺ فبأبي هو وأمي ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه، فوالله ما كهرني، ولا ضربني، ولا شتمني، قال: «إن هذه الصلاة... الحديث».
- قانتين: القنوت له معان كثيرة منها: السكوت مع التعظيم، كما هنا.
- وأمرنا بالسكوت: المراد بالسكوت: الكف عن كلام الناس؛ لأن الصلاة فيها قراءة وتكبير وتسبيح ودعاء، وهذا كلام.
- التسبيح: هو قول: (سبحان الله).
- التصفيق: التصويت باليد، بضرب إحداهما بالأخرى.
- تنحنح: النحنحة: هو تردد الصوت في الجوف.
- وفي صدره أزيز: أي: صوت وغليان بالبكاء.
- المِرْجل: بكسر الميم وسكون الراء؛ وهو القدر.
1- في حديث معاوية بن الحكم، وزيد بن أرقم دليل على تحريم الكلام في الصلاة فرضًا كانت أو نفلًا، قليلًا كان الكلام أو كثيرًا، وهو مبطل للصلاة باتفاق الفقهاء[23].
2- ودلَّ الحديث على أن الصلاة لا تبطل بكلام الجاهل بالتحريم إن قرب عهده بالإسلام أو نشأ بعيدًا عن العلماء، وأنه لا يلزمه قضاء ما مضى من صلواته؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر معاوية بإعادة هذه الصلاة ولا سأله هل كان يتكلم فيما مضـى من صلواته، وإنما علَّمه لما يستقبل من أمره.
3- وفي حديث أبي هريرة دليل على أن السنة لمن نابه شيء في صلاته -كإعلام من يستأذن عليه، أو تنبيه الإمام، أو تنبيه مار، أو غير ذلك- أن يسبح إن كان رجلًا، فيقول: (سبحان الله)، وأن تصفق إن كانت امرأة[24].
4- وإذا انتبه المنبَّه بالتسبيح مرة واحدة لم يعده المصلي مرة أخرى؛ لأنه ذكر مشروع لسبب، فيزول بزوال سببه، وإن لم ينتبه كرره حتى يحصل المقصود.
5- وفي حديث مطرِّف دليل على أن البكاء أو النشيج في الصلاة لا يبطلها؛ لأنه ليس بكلام، وإنما هو من آثار الخشوع والانطراح فيها بين يدي الله تعالى عند قراءة الآيات أو سماعها، قال عبد الله بن شداد: سمعت نشيج عمر بن الخطاب في صلاة الصبح وهو يقرأ من سورة يوسف، وأنا في آخر الصفوف، يقرأ: ﴿ قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [يوسف:86][25].
6- وكذلك ما يغلب على المُصلِّي من عطاس وبكاء وتأوه، فالصحيح عند جمهور العلماء أنه لا يبطل الصلاة[26].
7- ودلَّ حديث عليٍّ على أن التنحنح في الصلاة غير مبطل لها، ولكن الأفضل للمصلي أن يسبح؛ لأن الأحاديث الواردة في التسبيح أقوى.
8- وحديث ابن عمر دليل على جواز السلام على المصلي دون كراهة؛ لأن النبي ﷺ لم ينكر عليهم سلامهم، بل أقرهم عليه، وهو ومذهب المالكية والشافعية والحنابلة[27]. وذهب الحنفية، وأحمد في رواية إلى كراهة السلام على المصلي، وهو مروي عن جابر رضي الله عنه، وبه قال عطاء والشعبي وإسحاق؛ لأنه يشغل قلب المصلي؛ ولأنه ربما غلط فرد بالكلام، وعن أحمد رواية أخرى: كراهة السلام على المصلي في الفرض[28].
9- ودلَّ الحديث على أن المصلي يرد السلام بالإشارة، وأن الإشارة لا تبطل الصلاة؛ لأنها قليلة لحاجة، وإنما الذي يبطلها الرد بالكلام؛ لأنه خطاب، وهذا قول جمهور الفقهاء خلافًا للحنفية[29].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1- إنما حرم الكلام في الصلاة لأنه ينافي مقصودها؛ فإن الصلاة صلة بين العبد وربه، وفي الكلام إعراض عن مناجاة الله تعالى وانصراف عنه إلى سواه، ومناجاته سبحانه أرفع درجات العبد، وقد قال النبي ﷺ: «إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربه» متفق عليه.
2- وفي حديث معاوية بن الحكم حسن تعليم النبي ﷺ، وحسن دعوته وإرشاده، ورفقه بالجاهل، فلم يعنفه ولم يوبخه، وإنما علَّمه وأرشده بحكمة ولين إلى أن الصلاة مناجاة مع الله تعالى، لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، كما أرشد الأعرابي الذي بال في المسجد، وكما سكت عن التائب المنيب الذي جامع في نهار رمضان، فما زاد ﷺ على أن أفتاه[30] .
3- ودلَّ حديث زيد بن أرقم على أنه ينبغي على المصلي أن يحرص على حضور قلبه في الصلاة، وألا يلهيه عن معانيها وأحوالها شيء، بل يفرغ قلبه ويستجمعه لاستحضار ما يقول فيها ويفعل، فقد جاء في الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن في الصلاة لشغلًا»، فمقصود الصلاة هو الإقبال على الله في هذه العبادة، والتلذذ بمناجاته، فليحرص المصلي على هذا المعنى السامي.
4- حكمة التفريق يبن الرجال والنساء في حديث أبي هريرة: أن المرأة مأمورة بخفض صوتها في الصلاة مطلقًا خشية الافتتان بها، ولهذا نهيت عن رفع صوتها في القراءة والتلبية والأذان ونحو ذلك ، وكذا في غير العبادة لا ترفع صوتها إذا كان بحضرتها أجانب[31].
5- وفي حديث مطرف بيان حالة النبي ﷺ مع ربه، وهو الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وخصَّه الله بالمقام الرفيع والمكانة العالية، وقد كان مع ما خصَّه الله به أخشى الناس وأتقاهم وأخوفهم من الله تعالى؛ لكمال معرفته بربه، فهو قدوة كل موفق في الخشوع والخشية والتدبر.
6- في حديث ابن عمر حرصه رضي الله عنه على سنة النبي ﷺ وتتبع آثاره، فما فاته من سنته يسأل عنه من حضره، فهو قدوة حسنة لشباب المسلمين في تلمس العلم النافع[32].
1- لم يأمر النبي ﷺ معاوية بن الحكم بإعادة الصلاة لما تكلم فيها؛ لأنه كان جاهلًا، لم يبلغه العلم بتحريم الكلام في الصلاة؛ إذ التكليف مشروط بالقدرة على العلم والعمل، فمن كان عاجزًا عن أحدهما سقط عنه ما يعجزه، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها[33].
2- الأحكام تدور مع عللها وجودًا وعدمًا، ومن ذلك أن للمرأة أن تسبح في الصلاة إذا كانت بحضرة نساء فقط؛ لزوال علة المنع، قال الحافظ ابن رجب: (فأما إن لم يكن معها غير النساء، فقد سبق -أي: في صحيح البخاري- أن عائشة سبحت لأختها أسماء في صلاة الكسوف، فإن المحذور سماع الرجال صوت المرأة، وهو مأمون هاهنا، فلا يكره للمرأة أن تسبح للمرأة في صلاتها. ويكره أن تسبح مع الرجال)[34].
231- عن أبي قتادة رضي الله عنه قال: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتِ زَيْنَبَ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا، وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا»، متفق عليه، ولمسلم: «وَهُوَ يَؤُمُّ النَّاسَ فِي الـمَسْجِدِ».
232- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «اُقْتُلُوا الأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ: الْـحَيَّةَ، وَالْعَقْرَبَ»، أخرجه الأربعة، وصحَّحه ابن حبان. [والترمذي في السنن (395)، والحاكم في المستدرك (954)، وغيرهما].
- أُمَامَة: بضم الهمزة وتخفيف الميمين، هي بنت أبي العاص بن الربيع، ولدت على عهد رسول الله ﷺ، وكان رسول الله ﷺ يحبها.
- قوله: «بنت زينب»: نسب أمامة في الحديث إلى أمها لشـرف نسبها إلى رسول الله ﷺ، وقيل: لأن أباها كان مشركًا آنذاك، وزينب هي ابنة رسول الله ﷺ؛ كبرى بناته، ولدت وللنبي ﷺ ثلاثون سنة، وزوَّجها ابن خالتها أبا العاص بن الربيع بن عبد العزى القرشي رضي الله عنه قبل البعثة بيسير، ثم هاجرت زينب، وتركته على شركه، ثم أسلم قبل الفتح في المحرم سنة (7)، وهاجر، فرد عليه النبي ﷺ زينب، وماتت سنة (8).
- الأسودين: تثنية أسود، يطلق على الحية والعقرب على أيِّ لون كانا، ولو لم يكونا أسودين، وتسميتهما بذلك من باب التغليب[35].
1- في حديث أبي قتادة دليل على أن العمل القليل لا يبطل الصلاة، وأن الأفعال اذا تعددت ولم تتوال بل تفرقت لا تبطل الصلاة[36]؛ سواء كانت فريضة أم نافلة، وسواء كان إمامًا أم منفردًا.
2- فيه دليل على جواز حمل الأطفال في الصلاة، سواء في ذلك الفرض والنفل، والإمام والمأموم والمنفرد، وحمل مالك الحديث فيما رواه عنه ابن القاسم على أن حمله ﷺ لأمامة كان في النفل »[37].
3- ثياب الأطفال وأجسادهم طاهرة، ما لم تتحقق نجاستها، ولو كان محكومًا بنجاستها لم يصل النبي ﷺ وهو حامل أمامة[38].
4- وفي حديث أبي هريرة الأمر بقتل الحية والعقرب، في الصلاة وغيرها، ويغتفر في ذلك المشي اليسير، أو أخذ النعل لضربها، ونحو ذلك.
5- ولعل الأمر بقتلهما والمسامحة عما يحصل من الحركة مقصود به مبادرة الفرصة قبل فواتها؛ كإنقاذ الغريق، وإطفاء الحريق، ونحو ذلك مما يفوت بفوات وقته؛ ولأن في قتلهما دفع انشغال الخاطر بهما، ولا سيما في حال الصلاة، وإزالة الأذى[39].
6- في حديث أبي هريرة أيضا دلالة على جواز العمل اليسير في الصلاة وأن موالاة الفعل مرتين في حال واحدة لا تفسد الصلاة. وذلك أن قتل الحية غالبًا إنما يكون بالضـربة والضربتين، فإذا تتابع العمل وصار في حد الكثرة بطلت الصلاة[40].
7- وفي معنى الحية والعقرب كل مؤذ، فيباح القتل كالزنابير ونحوهما[41].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1- حُسن خلق النبي ﷺ ورأفته وملاطفته للصبيان جبرًا لهم ولوالديهم، وما ينبغي أن يكون عليه المؤمن من التواضع مع الصبيان، وسائر الضعفة، ورحمتهم وملاطفتهم[42].
2- يُسر الشريعة ومراعاتها حاجات الناس وضروراتهم في أحكامها.
عبارة (كان النبي ﷺ يفعل) تشعر عرفًا بالدوام والتكرار، لكنها لا تدل عليه مطلقًا، بل تجيء لما لم يقع إلا مرة واحدة، كما في حديث أبي قتادة؛ فإنه ﷺ لم يحمل أمامة إلا مرة واحدة، وقد ذهب كثير من الأصوليين إلى أنها لا تدل على الدوام ولا على التكرار[43].