حجم الخط:

محتوى الدرس (31)

باب صفة الAdobe Systemsصلاة

بيان أركان الصلاة:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ [المدثر: 3] وقال تعالى: ﴿ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة: 238] وقال تعالى: ﴿ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ [المزمل: 20] وقال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الحج: 77] وقال الله تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد: 28]. اشتملت هؤلاء الآيات على كثير من أركان الصلاة: التكبير، والقيام، والقراءة، والركوع، والسجود، والطمأنينة.

[الأحاديث]

270- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي قال: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغِ الوُضُوءَ، ثُمَّ اِسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ، فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنْ القُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ اسجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ افعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا» أخرجه السبعة، واللفظ للبخاري. ولابن ماجه بإسناد مسلم: «حَتَّى تَطْمَئِنَّ قَائِمًا». ولأحمد من حديث رفاعة: «فَأَقِمْ صُلْبَكَ حَتَّى تَرْجِعَ العِظَامُ». [صحَّحه ابن حبان في الصحيح (1890)، وغيره].

271- وعن رفاعة بن رافع رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّهَا لَنْ تَتِمَّ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يُسْبِغَ الوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ الله، ثُمَّ يُكَبِّرَ اللهَ، وَيَحْمَدَهُ، وَيُثْنِيَ عَلَيْهِ» رواه أبو داود والنسائي، وفي بعض ألفاظه: «فَإِنْ كَانَ مَعَكَ قُرْآنٌ فَاقْرَأْ وَإِلَّا فَاحْمَدِ اللهَ، وَكَبِّرْهُ، وهلِّلْهُ». [حسَّنه الترمذي في السنن (302) وصحَّحه ابن خزيمة في الصحيح (545)]، ولأبي داود: «ثُمَّ اِقْرَأْ بِأُمِّ القُرْآنِ وَبِمَا شَاءَ الله». [صحَّحه الألباني في صحيح أبي داود (805)]، ولابن حبان: «ثُمَّ بِمَا شِئْتَ». [حسَّنه الألباني برقم: (324) في صحيح الجامع].

ترجمة الراوي:

رفاعة بن رافع: هو أبو معاذ رفاعة بن رافع بن مالك بن العجلان الأنصاري الخزرجي الزُّرَقي، أحد النقباء، شهد مع رسول الله ﷺ العقبة وبدر والمشاهد كلها، توفي سنة (41) أو (42).

سبب ورود الحديث:

عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رجلاً دخل المسجد، ورسول الله جالس في ناحية المسجد، فصلى ثم جاء فسلم عليه، فقال له رسول الله : «وعليك السلام، ارجع فصل فإنك لم تصل»، فرجع فصلى ثم جاء فسلَّم، فقال: «وعليك السلام، فارجع فصل، فإنك لم تصل» فقال في الثانية، أو في التي بعدها: علمني يا رسول الله، فقال:... فذكر الحديث.

التوضيح:

- فأسبغ الوضوء: الإسباغ هو الإتمام والإتقان، وقد سبق.

- ثم اركع حتى تطمئن راكعًا: الركوع هو انحناء الظهر بحيث تصل اليدان إلى الركبتين، والطمأنينة: هي السكون، والمراد بها هنا: استقرار الأعضاء زمنًا ما ولو قل.

- ثم افعل ذلك في صلاتك كلها: أي: افعل كل ما سبق فيما بقي من ركعات صلاتك، وكذلك في صلواتك المستقبلة، فيما عدا تكبيرة الإحرام، فلا تكرر.

- ثم يكبر الله ويحمده ويثني عليه: قيل: المراد بذلك دعاء الاستفتاح، وقيل: بل المراد الفاتحة، وكلاهما مشروع.

الدلالات الفقهية:

1 - حديثا أبي هريرة ورفاعة يعرفان بحديث: (المسيء في صلاته)، وهو من أهم الأحاديث في بيان صفة الصلاة؛ فإن الأوامر فيه بالقول، والقول أقوى من الفعل في الدلالة على الحكم الشرعي[1].

2 - في الحديث وجوب استقبال القبلة في الصلاة، وهو شرط من شروط الصلاة، لا يسقط إلا في حالة الخوف أو العجز، ويجوز أيضا التنفل على الدابة فى السفر إلى غير القبلة.

3 - وفيه: وجوب تكبيرة الإحرام، ووجوب الفاتحة، وكذلك الركوع، والرفع منه حتى يتم الاعتدال وذلك بعود العظام إلى مكانها، والسجود، والاعتدال منه، والسجود الثاني، والترتيب، والطمأنينة، وجميع ما سبق متفق على وجوبه، وأنه من أركان الصلاة، إلا أن الحنفية خالفوا في ركنية الاعتدالين، وفي الطمأنينة، فقالوا: واجبة وليست ركن، والصحيح هو مذهب الجمهور، وهو أن الصلاة لا تصح بدون تحقيق هذه الأركان، ومنها الاطمئنان في الاعتدال[2].

4 - استدل على ركنية الاعتدال في الصلاة برواية ابن ماجه: «حَتَّى تَطْمَئِنَّ قَائِمًا»، ورواية أحمد: «فَأَقِمْ صُلْبَكَ حَتَّى تَرْجِعَ العِظَامُ»، وكذلك يدل عليه أمر النبي بها المسـيء في صلاته عقب كل ركن، بعد أن قال له: «ارجع فصلّ فإنك لم تصل».

5 - في الحديثين دليل على وجوب تكبيرة الإحرام، بلفظ: (الله أكبر).

6 - في حديث رفاعة دليل على ركنية قراءة ما تيسر من القرآن، وتتعين الفاتحة لمن يحسنها، فإن لم يكن يحسنها، ولم يجد وقتًا للتعلم أو قدرة، فإنه يسبح الله ويحمده ويكبره ويهلله.

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - في الحديث دلالة على أهمية حسن التعليم، وطريقة الأمر بالمعروف، بأن تكون بطريقة سهلة ميسرة.

2 - يستحب للمسؤول أن يزيد في الجواب إذا اقتضت المصلحة ذلك؛ كأن تكون قرينة الحال تدل على جهل السائل ببعض الأحكام التي يحتاجها[3].

3 - في الحديث تأخير البيان في المجلس للمصلحة، واستشكل تقرير النبي له على صلاته وهي فاسدة على القول بأنه أخل ببعض الواجبات، وأجاب المازري بأنه أراد استدراجه بفعل ما يجهله مرات لاحتمال أن يكون فعلَه ناسيًا أو غافلا فيتذكره فيفعله من غير تعليم، وليس ذلك من باب التقرير على الخطأ، بل من باب تحقق الخطأ. وقال بن دقيق العيد: (ليس التقرير بدليل على الجواز مطلقًا بل لا بد من انتفاء الموانع ولا شك أن في زيادة قبول المتعلم لما يلقى إليه بعد تكرار فعله واستجماع نفسه وتوجه سؤاله مصلحة مانعة من وجوب المبادرة إلى التعليم لا سيما مع عدم خوف الفوات)[4].

4 - من المقاصد الشرعية: أن يدرك المسلم أهمية موقفه في الصلاة بين يدي الله تعالى، وما يستلزمه هذا الموقف من الخشوع والإخبات، والطمأنينة، واستحضار معاني الأقوال والأفعال التي يؤديها في صلاته ومقاصدها؛ لتتحقق بذلك ثمرة الصلاة من التزكية وتطهير النفس وزيادة الإيمان والسكينة في القلب.

طريقة الاستدلال:

1- حديث المسيء صلاته حديث جليل، تكرر من العلماء الاستدلال به على وجوب كل ما ذكر فيه، وعدم وجوب كل ما لا يذكر فيه.

- أما الاستدلال على أن كل ما ذكر فيه واجب فلأنه ساقه بلفظ الأمر بعد قوله: «لن تتم الصلاة إلا بما ذكر فيه».

- وأما الاستدلال بأن كل ما لم يذكر فيه لا يجب فلأن المقام مقام تعليم الواجبات في الصلاة، فلو ترك ذكر بعض ما يجب لكان فيه تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهو لا يجوز بالإجماع[5].

2 - القاعدة الأصولية تقضي بأن المجمل يحمل على المبين، والمجمل هنا هو قوله: «ما تيسـر من القرآن»، والمبين هو ما جاء في رواية أبي داود: «ثم اقرأ بأم القرآن، وبما شاء الله»، ففي هذه الرواية بيان للإجمال السابق، فدلّ على وجوب قراءة الفاتحة.

3 - في قوله قبل كل ركن: «ثم» دليل على وجوب الترتيب بين أركان الصلاة، وهو محل اتفاق بين المسلمين، فـ(ثم) نص في الترتيب، وهو ما واظب عليه النبي في جميع صلواته، وقد قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي».

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة