أحكام رمي الجمار:
قال الله تعالى: ﴿ وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ ۚ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ لِمَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ [البقرة: 203]. قال ابن تيمية: (فعلم أنه من تعجل قبل اليومين لا يزول عنه الإثم؛ وإنما ذاك لأن بمنى فعلًا واجبًا، ولا فعل بها إلا رمي الجمار؛ لأن المبيت أخف منه، وإنما وجب تبعًا له)[1]. وقال أيضًا: (وإنما يكون التعجيل والتأخير فى الخروج من المكان؛ ولهذا تضاف هذه الأيام إلى مكانها فيقال: أيام مِنى، وإلى عملها، فيقال: أيام التشريق ...فتضاف إلى الأعمال وأماكن الأعمال؛ إذ الزمان تابع للحركة، والحركة تابعة للمكان)[2].
786- وعن ابن عباس أن أسامة بن زيد والفضل بن عباس قالا: «لَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ ﷺ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ»، رواه البخاري.
787- وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «أَنَّهُ جَعَلَ البَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ، وَرَمَى الـجمْرَةَ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ وَقَالَ: هَذَا مَقَامُ الذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ البَقَرَةِ»، متفق عليه.
788- وعن جابر رضي الله عنه قال: «رَمَى رَسُولُ الله ﷺ الـجمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى، وَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَإِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ»، رواه مسلم.
789- وعن ابن عمر رضي الله عنهما: «أَنَّهُ كَانَ يَرْمِي الـجمْرَةَ الدُّنْيَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ عَلَى أَثَرِ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ حَتَى يُسْهِل، فَيَقُومُ فَيَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ، ثمَّ يَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ فَيَقُومُ طَوِيلًا، ثُمَّ يَرْمِي الوُسْطَى، ثُمَّ يَأْخُذُ ذَاتَ الشِّمَالِ حَتَى يُسْهِل، وَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، ثُمَّ يَدْعُو فَيَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيَقُومُ طَوِيلًا، ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ ذَاتِ العَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الوَادِي وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا، ثُمَّ يَنْصَـرِفُ، فَيَقُولُ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَفْعَلُهُ»، رواه البخاري.
- الجمرة: تطلق على الجمرات، وهي الحصيات التي يُرمى بها في منى، قال الخطابي: (وإنما سمي موضع الحصى بمنى الجمار لاجتماع الحصى فيه وواحدة الجمار جمرة) [3]. وهي ثلاث: الجمرة الكبرى، وتسمى جمرة العقبة، والجمرة الوسطى، والجمرة الصغرى، وليست الجمرة العمود الذي بني في منتصف المرمى، بل الجمرة هي المرمى المحيط بذلك العمود الشَّاخص.
- جمرة العقبة: هي الجمرة الكبرى، وهي الأخيرة مما يلي مكة، وخلفها من ناحية الشام وادٍ فيه بايع الأنصار رسول الله ﷺ بيعة العقبة، وهي ملاصقة للجبل، وقد أزيل طرف الجبل المتَّصل بجمرة العقبة، وأنشئت الطرقات بين جمرة العقبة والجبل.
- هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة: أي: هذا الموطن الذي رمى منه النبي ﷺ.
- الجمرة الدُّنيا: هي الجمرة الأولى، وسميت الدنيا لأنها أقرب الجمرات إلى الحجاج في منى.
1 - في حديث ابن عباس دليل على أن التلبية تُقطع قبل رمي جمرة العقبة، وبه قال جمهور الفقهاء[4].
2 - ودلَّ حديث عبد الله بن مسعود على أنه يستحب كون الرمي من بطن الوادي، فيجعل منى عن يمينه، والكعبة عن يساره، وجمرة العقبة أمامه، ثم يرميها بسبع حصيات متعاقبات، يرفع يده مع كل حصاة، ويكبر مع كل حصاة، وعليه أن يتأكد أن الرمي يقع في الحوض داخل المرمى.
3 - لا بد أن يكون الرمي بسبع حصيات، وهو إجماع، فإن رماها بأقل وفاته جبر ذلك كان عليه دم. وأجمعوا على أنه من حيث رماها جاز، سواء استقبلها أو جعلها عن يمينه أو يساره أو رماها من فوقها أو أسفلها أو وقف في وسطها ورماها، فأما رمي باقي الجمرات فيستحب من فوقها.
4 - ودلَّ حديث جابر على أن الرمي أيام التشريق يكون بعد زوال الشمس إلى غروبها، وهذا مجمع عليه[5]، واختلفوا فيما إذا رُميت قبل الزوال، والجمهور على عدم الجواز[6]، وقيل: له أن يرمي قبل الزوال في سائر الأيام، وهو منقول عن ابن عباس، وقول طاوس، والباقر، وبعض الشافعية والحنابلة[7]، قالوا: والنبي ﷺ رخص للرعاء أن يرموا بالليل، وأي ساعة من النهار شاءوا، ولا دليل صريح في النهي عن الرمي قبل الزوال، وقالوا: رمي الرسول ﷺ بعد الزوال هو بمثابة وقوفه بعرفة بعد الزوال إلى الغروب، ومن المعلوم أن الوقوف لا ينتهي بذلك الحد، بل الليل كله وقت وقوف أيضًا، ولو كان الرمي قبل الزوال منهيًّا عنه لبيَّنه النبي ﷺ بيانًا شافيًا صريحًا حينما أجاب السائل الذي سأله عن رميه بعدما أمسى، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز[8]، ولا شك أن الأحوط رمي الجمرات أيام التشريق بعد الزوال، اقتداء بالنبي ﷺ ، وهو قول جماهير الأمة، وخروجًا من الخلاف، ولا مشقة في انتظار الحاج سويعات ليرمي بعد الزوال، لا سيما هذه الأيام بعد بناء الجسور التي خففت الزحام، وتيسَّـر الرمي للجمرات من عدة طوابق، والحمد لله.
5 - وفي حديث ابن عمر أنه يشترط في الجمار أن تكون من حجر، فلا يجوز الرمي بذهب، وحديد، ونحاس، وخشب، ومدر، وطين، وغيرها، وهذا مذهب الجمهور[9].
6 - وفيه أنه يجب في أيام التشريق رمي الجمار الثلاث على الترتيب بدءًا بالجمرة الصغرى، ثم الوسطى، ثم جمرة العقبة، يرمي كل جمرة منها بسبع حصيات، فلو خالف الترتيب وجبت الإعادة، وهو قول الجمهور[10].
7- يَسْقُطُ رَمْيُ الْيَومِ الثَّالِثِ عَمَّنْ نَفَرَ النَّفْرَ الأَوَّلَ وَهُوَ الْيَوْمُ الثانِي مِنْ أيَّامِ التَّشْـرِيقِ، وَهَذَا النفْرُ وَإِنْ كَانَ جَائِزًا فَالتّأخِيرُ إِلَى الْيَوْمِ الثالِثِ أَفْضَل وَمَنْ أَرَادَ النفْرَ الأَوَّلَ نَفَرَ قَبْلَ غُرُوبِ الشمْسِ وَلاَ يَرْمِي في الْيَوْمِ الثانِي عَنِ الثالِثِ [11].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
قال في حجة الله البالغة: (أحسن أنواع توقيت الذكر وأكملها وأجمعها لوجوه التوقيت: أن يوقت بزمان وبمكان، ويقام معه ما يكون حافظًا لعدده؛ محققًا لوجوده على رؤوس الأشهاد حيث لا يخفى شيء.
وذكر الله نوعان: نوع يقصد به الإعلان بانقياده لدين الله، والأصل فيه اختيار مجامع الناس دون الإكثار -ومنه الرمي- ولذلك لم يؤمر بالإكثار هناك.
ونوع يقصد به انصباغ النفس بالتطلع للجبروت، وفيه الإكثار.
وأيضًا ورد في الأخبار ما يقتضي أنه سنة سنها إبراهيم عليه السلام حين طرد الشيطان، ففي حكاية مثل هذا الفعل تنبيه للنفس أي تنبيه)[12].
1 - قوله: «لَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ ﷺ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ»: ما بعد الغاية يخالف ما قبلها في الحكم، وعليه، فالتلبية تنتهي برمي الجمرة.
2 - اختلف في نوع الحكم الذي تدل عليه أفعال النبي ﷺ، قال ابن رشد: (فقال قوم: تدل على الوجوب، وقال قوم: تدل على الندب، والمختار عند المحققين أنها إن أتت بيانًا لمجمل واجب دلَّت على الوجوب، وإن أتت بيانًا لمجمل مندوب إليه دلَّت على الندب; وإن لم تأت بيانًا لمجمل، فإن كانت من جنس القربة دلَّت على الندب، وإن كانت من جنس المباحات دلَّت على الإباحة)[13].
وأفعاله ﷺ في الأحاديث السابقة محمولة على الوجوب لأنها بيان لمجمل واجب، وما كان كذلك فهو واجب، والمجمل الواجب هو الآيات والأحاديث الآمرة بالحج، وأيضًا لقوله ﷺ: «خذوا عني مناسككم».
قال الله تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ [الحج: 78].
ختم الله سورة الحج بهذه الآية، وفي ذلك إشارة إلى رفع الحرج عن أصحاب الأعذار في الحج وغيره. والله أعلم
790- عن ابن عمر رضي الله عنهما أَنَّ العَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْـمُطَّلِبِ رضي الله عنه اسْتَأْذَنَ رَسُولَ الله ﷺ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى، مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ»، متفق عليه.
791- وعن عاصم بن عدي رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ أَرْخَصَ لِرُعَاة الإِبِلِ فِي البَيْتُوتَةِ عَنْ مِنًى، يَرْمُونَ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ يَرْمُونَ الغَدِ ومِنْ بَعْدَ الغَدِ لِيَوْمَيْنِ، ثُمَّ يَرْمُونَ يَوْمَ النَّفْرِ»، رواه الخمسة، وصحَّحه الترمذي وابن حبان [وابن خزيمة في الصحيح (2979)، والنووي في المجموع (8/246)].
وفي لفظ عند النسائي: «يرمون يوم النحر واليومين اللذين بعده يجمعونهما في أحدهما».
عاصم بن عدي البلوي العجلاني، حليف الأنصار، شهد بدرًا والمشاهد كلها مع النبي ﷺ -على خلاف في شهوده بدرًا- وأحرق هو ومالك بن الدُّخشم مسجد الضـرار، كان سيد بني عجلان، توفي سنة (45)، وهو ابن مائة وخمس عشرة.
- يبيت: البيتوتة تطلق على كل من أدركه الليل؛ نام أو لم ينم.
1 - اتفق العلماء على أن المبيت بمنى ليس ركنًا من أركان الحج، والجمهور خلافًا للحنفية قالوا بوجوب المبيت بمنى ليالي التشريق[14]، وفي الترخيص للعباس بن عبد المطلب، وللرعاة دليل على الوجوب.
2 - الواجب على الحاج أن يبيت بمنى معظم الليل، فلو بقي أكثر الليل فله أن يغادر، والسنَّة للحاج أن يبقى في منى طوال اليوم اقتداء بالنبي ﷺ، فالنبي ﷺ لم يخرج من منى إلا لطواف الإفاضة.
3 - وفي حديث ابن عمر عن العباس دليل على أن من ترك المبيت لعذر فلا شيء عليه، ولا فدية ولا كفارة، حيث لم يأمر النبي ﷺ العباس بشيء، وأما من ترك المبيت بمنى ليالي أيام التشريق بغير عذر، فعليه الفدية، فمن ترك ليلة من الليالي، فليس عليه دم، بل عليه إطعام مسكين إن ترك ليلة، وإطعام مسكينين إن ترك ليلتين، وعليه دم إن ترك ثلاث ليالي، والفدية سبع بدنة أو بقرة، أو جذع ضأن، أو ثني معز.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
السر في النزول بمنى أنها كانت سوقًا عظيمًا من أسواق الجاهلية مثل عكاظ، والمجنة، وذي المجاز، وغيرها، وإنما اصطلحوا عليه؛ لأن الحج يجمع أقوامًا كثيرة من أقطار متباعدة، ولا أحسن للتجارة ولا أرفق بها من أن يكون موسمها عند هذا الاجتماع.
ولأن مكة تضيق عن تلك الجنود المجندة، فلو لم يصطلح حاضرهم وباديهم وخاملهم ونبيههم على النزول في فضاء مثل منى لحرجوا، وإن اختص بعضهم بالنزول لوجدوا في أنفسهم.
ولما جرت العادة بنزولها اقتضى ديدن العرب وحميتهم أن يجتهد كل حي في التفاخر والتكاثر، وذكر مآثر الآباء، وإراءة جلَدهم، وكثرة أعوانهم؛ ليرى ذلك الأقاصي والأداني، ويبعد به الذكر في الأقطار، وكان للإسلام حاجة إلى اجتماع مثله يظهر به شوكة المسلمين وعددهم وعدتهم؛ ليظهر دين الله، ويبعد صيته، ويغلب على كل قطر من الأقطار، فأبقاه النبي ﷺ، وحث عليه وندب إليه، ونسخ التفاخر، وذكر الآباء، وأبدله بذكر الله، بمنزلة ما أبقى من ضيافاتهم وولائمهم؛ وليمة النكاح، وعقيقة المولود؛ لما رأى فيها من فوائد جليلة في تدبير المنازل[15].
1 - دلالة المبيت بمنى ليالي أيام التشريق دلالة فعل من النبي ﷺ، ومع ذلك فهي تدل على الوجوب؛ لحديث جابر الطويل، وفيه قول النبي ﷺ: «لتأخذوا عني مناسككم».
2 - يدل على وجوب المبيت بمنى كذلك كون النبي ﷺ رخَّص للعباس بن عبد المطلب أن يبيت بمكة ليالي منى، ولو لم يكن واجبًا لما كان هناك حاجة إلى الرخصة بالتخصيص.
3 - دل القياس على أنه يلحق غير الرعاة بهم، فالنبي ﷺ رخَّص لهؤلاء تنبيهًا على غيرهم، فوجب إلحاق غيرهم بهم، قال ابن القيم: (وإذا كان النبي ﷺ قد رخَّص لأهل السقاية وللرعاة في ترك البيتوتة، فمن له مال يخاف ضياعه، أو مريض يخاف من تخلُّفه عنه، أو كان مريضًا سقطت عنه بتنبيه النص على هؤلاء) [16].