حجم الخط:

محتوى الدرس (82)

فضل الصلاة في المسجد الحرام والمسجد النبوي:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ٩٦ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا [آل عمران: 96، 97] ومن بركة البيت الحرام مضاعفة أجر الصلاة فيه.

وقال الله تعالى: ﴿ لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ [التوبة: 108] وذِكر أحقية القيام بالمسجد النبوي يدل على فضله، وبركة الصلاة فيه لدعاء النبي كدعاء إبراهيم عليه الصلاة والسلام للبيت الحرام.

[الأحاديث]

799- وعن ابن الزبير رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ ألفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الـمَسْجِدَ الْـحَرَامَ، وَصَلَاةٌ فِي الـمَسْجِدِ الْـحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مائة صَلَاةٍ فِي هذا»، رواه أحمد وصحَّحه ابن حبان.

ترجمة الراوي:

عبد الله بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي، أول مولودٍ وُلد للمهاجرين بالمدينة بعد الهجرة، أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق، كان كبيرًا في العلم، والشـرف، والجهاد، والعبادة، فارس قريش في زمانه، وكان إذا قام في الصلاة كأنه عود من الخشوع، كثير الصيام، قُتل في مكة سنة (73)، وهو ابن (72) سنة.

الدلالات الفقهية:

1 - في الحديث دليل على أن الصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه من المساجد، وأن الصلاة في مسجد النبي ﷺ خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد.

2 - قال شيخ الإسلام: (وقد جاءت الآثار بأن حكم الزيادة -أي: التوسعة- في مسجده ﷺ حكم المزيد، تضعَّف فيه الصلاة بألف صلاة، كما أن الزيادة في المسجد الحرام حكمها حكم المزيد، فيجوز الطواف فيه، والطواف لا يكون إلا في المسجد لا خارجًا منه، ولهذا اتفق الصحابة على أنهم يصلون في الصف الأول من الزيادة التي زادها عمر ثم عثمان، وعلى ذلك عمل المسلمين كلهم)[1].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

المسجد الحرام هو أول بيت وضع للناس، وقد باركه الله بدعاء خليله أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام، وجعله قبلةً ومثابةً للناس وأمنًا، والمسجد النبوي باركه الله بدعاء خاتم النبيين حبيبه وخليله محمد ﷺ، فتضاعف فيهما ثواب الصلاة أكثر مما سواهما.

طريقة الاستدلال:

1 - قوله: «في مَسْجِدِي هَذَا»: ليس المراد منه نفي مضاعفة الأجر في الإضافات التي أُحدثت في المسجد بعد ذلك، ولكن المراد نفي التضعيف في المساجد الأخرى في المدينة كمسجد قباء وغيره، وقد دل على ذلك اتفاق الصحابة في الصلاة في الزيادات بدون تحرج.

2 - والجمهور على أن الأفضلية ومضاعفة الثواب الواردة في الحديث خاصة بالفرائض دون النوافل؛ لأن صلاة النافلة في البيت أفضل وأقرب إلى الإخلاص وأبعد عن الرياء[2]، واستثنى المالكية الغرباء عن المدينة، فقالوا بأن صلاتهم النافلة في المسجد النبوي أفضل[3].

بينما يرى الشافعية أن التفضيل الوارد بالحديث يعم صلاة الفرض وصلاة النفل؛ للإطلاق في الحديث[4].

باب الفوات Adobe Systemsوالاحصار

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ۚ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة: 196].

الخطاب في قول الله تعالى: ﴿ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ موجه إلى من تلبَّس بإحرام؛ بدليل أول الآية، ومعنى قوله: ﴿ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ أي: مُنعتم من عدو أو غيره أو ضللتم الطريق حتى فات الحج، فمن أُحصر منكم وهو محرم ولم يشترط، لزمه الهدي؛ لأنه جواب الشرط في الآية.

[الأحاديث]

800- عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «قَدْ أُحْصِرَ رَسُولُ الله ﷺ فَحَلَقَ رأسه وَجَامَعَ نِسَاءَهُ، وَنَحَرَ هَدْيَهُ، حَتَّى اعْتَمَرَ عَامًا قَابِلًا»، رواه البخاري.

801- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ ابْنِ عَبْدِ الْـمُطَّلِبِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي أُرِيدُ الْـحَجَّ، وَأَنَا شَاكِيَةٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «حُجِّي وَاشْتَرِطِي: أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي»، متفق عليه.

802- وعن عكرمة عن الحجاج بن عمرو الأنصارى رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ كُسِرَ، أَوْ عُرِجَ، فَقَدَ حَلَّ وَعَلَيْهِ الْـحَجُّ مِنْ قَابِلٍ»، قَالَ عِكْرِمَةُ: فَسَألتُ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَا: صَدَقَ. رواه الخمسة، وحسنه الترمذي. [وصحَّحه الحاكم في المستدرك (1746) والنووي في المجموع (8/309)].

ترجمة الراوي:

الحجاج بن عمرو بن غزية الأنصاري، عداده في أهل المدينة، له صحبة، هو الذي ضرب مروان يوم الدار حتى سقط، شهد صفِّين مع عليٍّ رضي الله عنه.

التوضيح:

- الفوات: يراد به: أن يطلع فجر يوم النحر على الحاج ولم يقف بعرفة.

- الإحصار: هو الحبس والمنع، وهو أن يحصل للإنسان مانع يمنعه من إتمام النسك، حجًا كان أو عمرة.

- أو عَرَج: أي: أصابه شيء في رجله، فلم يستطع أن يمشي جيدًا.

- من قابل: أي: في السنة المقبلة.

الدلالات الفقهية:

1 - دلَّ حديث ابن عباس على أن المحصر الذي مُنع عن الحج كله، ولم يستطع أن يصل إلى البيت، ولم يكن قد اشترط: أنه يجوز له التحلل في المكان الذي حصر فيه بعد أن ينحر هديًا، ثم يحلق رأسه أو يقصره بعد تمام النحر؛ قال الله تعالى: ﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ۚ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [الحج: 196].

2 - وفيه دليل على أن الحلق أو التقصير شرط للتحلل؛ لأن الحلق نسك من مناسك الحج والعمرة، وهو قول الشافعية، والحنابلة[5].

3 - وفيه وجوب ذبح الهدي على المحصر؛ لكي يتحلل من إحرامه وهو قول الجمهور، خلافًا للمالكية [6]، ومن عجز عن الهدي؛ صام عشرة أيام، كصوم التمتع، ومكان ذبح هدي الإحصار حيث كان الحصر[7].

وقال المالكية: لا هدي عليه وإن كان معه هدي نحره حيث حلّ.

4 - ودلَّ حديث عائشة رضي الله عنها على أنه يجوز أن يشترط الحاج والمعتمر في إحرامه أنه إن مرض تحلَّل، وهو قول الجمهور، وحجتهم هذا الحديث الصحيح الصـريح، وقال أبو حنيفة ومالك: لا يصح الاشتراط، وحملوا الحديث على أنها قضية عين، وأنه مخصوص بضباعة[8].

5 - وفيه أن المحصر إذا كان قد اشترط، فبمجرد وجود الحصر يكون قد حل من إحرامه، فيلبس ثيابه، ولا هدي عليه، ولا قضاء.

6 - ظاهر حديث الحجاج بن عمرو الأنصاري وجوب القضاء على المحصـر مطلقًا إذا حلَّ من إحرامه، وقد اتفق الفقهاء على أنه يجب على المحصر قضاء النسك الذي أحصـر عنه إذا كان واجبًا، كحجة الإسلام، والحج والعمرة المنذورين عند جميعهم، وكعمرة الإسلام عند الشافعية والحنابلة، ولا يسقط هذا الواجب عنه بسبب الإحصار [9].

7 - وفيه دليل على أن الإحصار يحصل بكل مانع من مرض، وذهاب نفقة، وغير ذلك من جميع العوائق المانعة من الوصول إلى الحرم، وهو مذهب الحنفية، والظاهرية، خلافًا للجمهور الذين خصوا الإحصار بحصر العدو خاصة دون غيره، فمن أحصر على هذا القول بالمرض مثلًا؛ لم يجز له التحلل حتى يبرأ من مرضه، ويؤدي المناسك[10].

قال الشيخ العثيمين: (والصحيح في هذه المسألة أنه إذا أحصر بغير عدو كما لو كان حصر بعدو لعموم الآية: ﴿ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة: 196]، ولم يقيد الله تعالى الحصر بعدو)[11].

طريقة الاستدلال:

1 - القول بأن حديث ضباعة قصة عين قول ضعيف؛ إذ الأصل عدم الخصوصية[12].

2 - استدل الجمهور بأن الآية نزلت في أصحاب رسول الله حين أحصـروا من العدو، وفي آخر الآية دليل عليه، وهو قوله عز وجل: ﴿ فَإِذَا أَمِنْتُمْ [البقرة: 196] والأمان إنما يكون من العدو.

وأجيب: بأن قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة: 196] عام، والإحصار هو المنع، والمنع كما يكون من العدو يكون من المرض وغيره، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

وبأن الأمن كما يكون من العدو يكون من المرض؛ لأنه إذا زال مرض الإنسان أمن الموت منه أو أمن زيادة المرض.

وبأن قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا أَمِنْتُمْ [البقرة: 196] إنما هو ذكر لبعض أفراد العام، وهو لا يقتضي التخصيص.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة