المرجع في حال الخلاف بين المتبايعين:
قال الله تعالى: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 188].
قوله: ﱡ أَمْوَالِ النَّاسِ ﴾ دلَّ على أن إضافة السلعة إلى مالكها الذي له حق بيعها والتصرف فيها يقيني، وأن إضافتها إلى المشتري ظني فنرجع عند النزاع مع عدم البينة إلى اليقين.
807- عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِذَا اخْتَلَفَ الْـمُتَبَايِعَانِ ولَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ، فَالْقَوْلُ مَا يَقُولُ رَبُّ السِّلْعَةِ أَوْ يَتَتَارَكَانِ»، رواه الخمسة وصحَّحه الحاكم. [ضعَّفه جماعة من الأئمة: الشافعي في الأم (4/20)، والترمذي في السنن (1270)، وابن المنذر في الأوسط (10/349)، والدارقطني في العلل (2/406)، وغيرهم].
- رب السلعة: هو البائع.
- أو يتتاركان: يعني مع تراضيهما على التتارك، وهو أن يرجع لكل واحد ما هو له.
ذهب ا لجمهور إلى أنهما يتحالفان، فيحلف البائع أولًا استحبابًا، مقدمًا النفي على الإثبات، فيقول مثلًا: والله ما بعته بكذا، وإنما بعته بكذا، ثم يحلف المشتري كذلك، ثم يكون كل منهما بالخيار في الفسخ، واستدلوا بما رواه البخاري ومسلم من طريق ابن أبي مليكة، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: «لو يعطى الناس بدعواهم لادَّعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدَّعى عليه»، وجمع ابن قدامة بين هذا الحديث وحديث الباب بقوله: (ويحتمل أن يكون معنى القولين واحدًا، وأن القول قول البائع مع يمينه فإذا حلف فرضي المشتري بذلك أخذ به وإن أبى حلف أيضًا وفسخ البيع بينهما؛ لأن في بعض ألفاظ حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: «إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة ولا بينة لأحدهما تحالفا»، ولأن كل واحد منهما مدَّعٍ ومدَّعَى عليه، فإن البائع يدَّعِي عقدًا بعشرين ينكره المشتري، والمشتري يدَّعِي عقدًا بعشـرة ينكره البائع، والعقد بعشرة غير العقد بعشرين فشرعت اليمين في حقهما)[1].
وذهب الإمام أحمد في رواية، والشعبي إلى أنه إذا اختلف البائع والمشتري في قدر الثمن، فقال البائع: بعته بكذا، وقال المشتري: بل اشتريته منه بكذا، ولا بينة لأحد منهما، أو كان لكل منهما بينة، ولم ترجح إحدى البينتين على الأخرى، فالقول في هذه الحالة هو قول البائع، أو يفسخان البيع[2].
في حالة الترجيح يقدم الحديث الصحيح على الضعيف، فكيف والحديث الذي استدل به الجمهور لا أصل له؟! فلهذا كان الراجح أن القول لرب السلعة أو يفسخان البيع.
قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ﴾ [النساء: 29].
أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما -في الرجل يشتري من الرجل الثوب فيقول: إن رضيته أخذته وإلا رددته ورددت معه درهمًا- قال: هو الذي قال الله عز وجل: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴾ [البقرة: 188].
808- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «الـخَرَاجُ بِالضَّمَانِ»، رواه الخمسة وضعَّفه البخاري وأبو داود، وصحَّحه الترمذي، وابن خزيمة وابن الجارود وابن حبان والحاكم وابن القطان. [ضعَّفه أبو حاتم الرازي في الجرح والتعديل (8/ 347)، وغيره].
- الخراج بالضمان: أي: الغلة بإزاء الضمان، فمن كان ضمان المبيع عليه، فخراجه له.
أنَّ رجلا ابتاع عبدًا من رجل فأقام عنده ما شاء الله أن يقيم، ثم وجد فيه عيبًا، فخاصم المشتري البائع إلى النبي ﷺ، فردَّه عليه، فقال الرجل: يا رسول الله؛ قد استعمل غلامي، فقال النبي ﷺ: «الخَرَاجُ بِالضَّمَان».
1 - معنى الحديث ما خرج من الشيء من غلة ومنفعة وعين، فهو للمشتري عوض ما كان عليه من ضمان الملك، فإنه لو تلف المبيع كان من ضمانه، فالغلة له؛ ليكون الغُنم في مقابلة الغُرم. فما حدث من المبيع من ثمرة وغيرها كالولد والأجرة وكسب الرقيق والركاز الذي يجده وما وهب له فقبله وقبضه كل ذلك للمشتري.
2 - لا يصح أن يشترط المشتري على البائع أنه لا خسارة عليه في المبيع؛ لأن مقتضى العقد أن الشخص يملك السلعة بالبيع، فكما أن الربح منها له، فكذلك الخسارة عليه؛ فكما أنّ الخراج مقابل الضمان، فالضمان عليه في مقابل الربح.
1 - قاعدة: (الخراج بالضمان): وهذه القاعدة مأخوذة من نص الحديث، وقد سبق بيانها.
2- قاعدة: (الغنم بالغرم): الغرم هو ما يلزم المرء لقاء شيء من مال أو نفس، والغنم هو ما يحصل له من مرغوبه من ذلك الشيء؛ أي: إن التكاليف والخسارة التي تحصل من الشـيء تكون على من يستفيد منه شرعًا.
قال الله تعالى: ﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴾ [البقرة: 275].
وقال الله تعالى: ﴿ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ﴾ [الأعراف: 157].
نصَّ الله تعالى في آية سورة البقرة على تحريم الربا ويدخل فيه كل بيع فيه ظلم من غش وجهالة، وغيرهما، وفي آية سورة الأعراف نصَّ على تحريم الخبائث، وهو عموم يشمل تحريم تناوله وبيعه.
809- عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ عَامَ الفَتْحِ، وَهُوَ بِمَكَّةَ: «إِنَّ الله وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الخَمْرِ، وَالمَيْتَةِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالْأَصْنَامِ»، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ الله، أَرَأَيْتَ شُحُومَ الـمَيْتَةِ، فَإِنَّهُ تُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَتُدْهَنُ بِهَا الـجلُودُ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ؟ فَقَالَ: «لَا، هُوَ حَرَامٌ»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: «قَاتَلَ الله اليَهُودَ، إِنَّ الله لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا جَمَلُوهُ، ثُمَّ بَاعُوهُ، فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ» متّفق عليه.
810- وعن ميمونة رضي الله عنها زوج النّبيّ ﷺ: أَنَّ فَأْرَةً وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ، فَمَاتَتْ فِيهِ، فَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْهَا. فَقَالَ: «القُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَكُلُوهُ»، رواه البخاريّ، وزاد أحمد والنّسائـيّ: «فِي سَمْنٍ جَامِدٍ». [زيادة معلولة، ينظر: فتح الباري (1/344)].
811- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا وَقَعَتْ الفَأْرَةُ فِي السَّمْنِ، فَإِنْ كَانَ جَامِدًا فَألقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ»، رواه أحمد وأبو داود، وقد حكم عليه البخاريّ وأبو حاتم بالوهم.
812- وعن أبي مسعود الأنصاريّ رضي الله عنه: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ، وَمَهْرِ الْبَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الكَاهِنِ»، متّفق عليه.
813- وعن أبي الزّبير قال: سَألتُ جَابِرًا عَنْ ثَمَنِ السِّنَّوْرِ وَالْكَلْبِ؟ فَقَالَ: زَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ. رواه مسلم، والنّسائيّ، وزاد: «إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ». [وقال في السنن (4711): هذا منكر].
- الميتة: -بفتح الميم- ما زالت عنه الحياة لا بذكاة شرعية.
- لا هو حرام: أي البيع.
- ويستصبح بها الناس: أي: يضيء بها الناس بيوتهم.
- جملوه: أذابوه.
- مَهْرِ الْبَغِيِّ: الْبَغِيِّ هي الزانية، ومهرها: ما تأخذه على الزنا.
- وحلوان الكاهن: ما يأخذه على كهانته وادعائه مطالعة علم الغيب، وشُبّه بالشيء الحلو من حيث إنه يأخذه بلا مشقة.
1 - دل حديث جابر على تحريم بيع الخمر، وكذلك كل ما فيه ضرر؛ كالمخدرات، والسجائر، وفيه كذلك تحريم بيع الميتة، وتحريم بيع الخنزير وجميع أجزائه، وهذا كله مجمع عليه [3].
2 - يستثنى من عموم تحريم الميتة: ما لا ينجس بالموت من أجزاء الميتة؛ وهو ما لا تحل به الحياة كالشعر، والوبر، والريش، والصوف، وما لا ينجس من الميتات؛ كالسمك، والجراد، وكذلك يجوز بيع الجلد إذا دبغ.
3 - الحديث دال أيضًا على تحريم بيع الأصنام، وعند بعض الشافعية والحنفية بيعها حرام ما دامت على صورتها، فلو كسرت وأمكن الانتفاع برضاضها جاز بيعها.
4 - الضمير في قوله: «هو حرام» يحتمل أنه للانتفاع، ويحتمل أنه للبيع؛ أي بيع الشحوم حرام، وهذا هو الأظهر؛ لأن الكلام مسوق له، وكذلك دل الإجماع على جواز إطعام الميتة للكلاب ولو كانت كلاب الصيد لمن ينتفع بها، وعليه؛ فيجوز الانتفاع بالنجس مطلقًا، وإذا كان التحريم للبيع جاز الانتفاع بشحوم الميتة والأدهان المتنجِّسة في كل شيء غير أكل الآدمي ودهن بدنه، فيحرمان[4].
5 - ويؤخذ مما ذكره في الشحوم أن ما لا يحل أكله والانتفاع به لا يجوز بيعه ولا يحل أكل ثمنه.
6 - ويؤخذ منه جواز الدعاء على من فعل المحرم أو استباحه أو تحيَّل على فعله، أما من تحيَّل على الخلاص من فعله والخروج منه فليس داخلًا في جواز الدعاء عليه وذمه.
7 - وفي حديث ميمونة دل أمره ﷺ بإلقاء ما حول الفأرة الميتة -وهو ما لامسته من السمن- على نجاسة الميتة؛ لأن المراد بما حولها: ما لاقاها.
8 - وفي حديث أبي مسعود دليل على أن الكلب لا يجوز بيعه؛ فلا يجوز بيع الكلب ولو كان كلب ماشية، أو زرع، أو كلب صيد معلّم، التي يباح اتخاذها، وهذا هو مذهب الجمهور[5].
9 - وفيه أيضًا النهي عن مهر البغي وحلوان الكاهن، والإجماع قائم على تحريم هذين؛ لما في ذلك من بذل الأعواض فيما لا يجوز مقابلته بالعوض.
أما الزنا: فظاهر، وأما الكهانة: فبطلانها وأخذ العوض عنها من باب أكل المال بالباطل، وفي معناها كل ما يمنع منه الشرع من الرجم بالغيب[6].
10 - وفي ظاهر حديث أبي الزبير دليل على تحريم بيع الهر، وهو مذهب الظاهرية، ورجَّحه ابن القيم[7]، ومذهب الجمهور الجواز[8]، وذلك أن الهر حيوان طاهر، منتفع به، وما كان كذلك فهو جائز، وحملوا الحديث على أن النهي مخصوص بما ليس فيه نفع؛ كالقط البري المتوحش.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - قال ابن القيم: (ويستفاد من تحريم بيع الأصنام تحريم بيع كل آلة متخذة للشـرك على أي وجه كانت، ومن أي نوع كانت: صنمًا أو وثنًا أو صليبًا، وكذلك الكتب المشتملة على الشرك وعبادة غير الله؛ فهذه كلها يجب إزالتها وإعدامها، وبيعها ذريعة إلى اقتنائها واتخاذها، فهو أولى بتحريم البيع من كل ما عداها؛ فإن مفسدة بيعها بحسب مفسدتها في نفسها، والنبي ﷺ لم يؤخر ذكرها لخفية أمرها، ولكنه تدرَّج من الأسهل إلى ما هو أغلظ منه)[9].
2 - وفي الحديث: تحذير هذه الأمة مما أقدم عليه اليهود من فعل المحرمات بالحيل؛ لئلا يصيبها ما أصابهم من غضب الله، ولعنته، وأليم عقابه[10] .
3 - الإسلام دين صدق فلا يقر الدجالين والمشعوذين، ودين طهارة ونزاهة فلا يرضى كسب المال بالطرق الوسخة والفاحشة والمنكرة، ودين جِد فلا يرضى أخذ أموال الناس إلا بطرق نافعة يستفيد منها الطرفان، أما المنافع المحرمة فلا يعترف بها، ولا يجعل لها ثمنًا، ولا وزنًا[11].
1 - يحرم بيع ما سبق دون استعماله؛ لما سبق ذكره، وكذلك الإشارة إليه في قوله: «ثم باعوه وأكلوا ثمنه»، فإنه ظاهر في توجُّه النهي إلى البيع الذي ترتب عليه أكل الثمن.
2 - قاعدة: (كل ما أبيح نفعه واقتناؤه مطلقًا، فبيعه جائز)[12]: ومفهومه أن ما لم يبح نفعه، أو اقتناؤه أنه لا يجوز بيعه.
3- دلَّ مفهوم قوله: «جامدًا» أنه لو كان مائعًا لنجس كله؛ لعدم تميز ما لاقاها مما لم يلاقها، ودلَّ أيضًا على أنه لا ينتفع بالدهن المتنجس في شيء من الانتفاعات، إلا أنه تقدَّم أنه يباح الانتفاع به فيما عدا الأكل ودهن الآدمي، فيحمل هذا الحديث، وما يأتي من قوله: «فلا تقربوه» على الأكل والدهن للآدمي جمعًا بين مقتضى الأدلة[13].
4 - ودلَّ منطوق حديث أبي هريرة على أن طرحها وما حولها، والانتفاع بالباقي لا يكون إلا في الجامد، وأن الذائب يلقى جميعه.
5 - قال ابن الملقن: (قاعدة: منافع الأعيان المقصودة للمكلفين إما أن تكون كلها مباحة، أو محرمة، أو بعضها حرامًا، وبعضها مباحًا. فالأول: كالعروض. والثاني: كالخمر والخنزير فيجوز بيع الأول إجماعًا دون الثاني. أما الثالث: فإن كان الأغلب هو المقصود فالحكم له كالدابة تركب ولا تؤكل ولا يشرب لبنها وإن كان كلاهما مقصود غلب التحريم)[14].
قال الله تعالى: ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ٢٢ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ ﴾ [محمد: 22، 23]
في الآية لعن لمن أفسد وقطع الأرحام وفي هذا دلالة على تحريم شديد لكل ما يؤدي إلى ذلك من البيوع وغيرها.
814- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «نَهَى عُمَرُ عَنْ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الأَوْلَادِ فَقَالَ: لَا تُبَاعُ، وَلَا تُوهَبُ، وَلَا تُورَثُ، لِيَسْتَمْتِعْ بِهَا مَا بَدَا لَهُ، فَإِذَا مَاتَ فَهِيَ حُرَّةٌ»، رواه مـالك والبيهقي، وقال: (رفعه بعض الرواة فوهم).
815- وعن جابر رضي الله عنه قال: «كُنَّا نَبِيعُ سَرَارِيَنَا أُمَّهَاتِ الأَوْلَادِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ حَيٌّ، لَا يَرى بِذَلِكَ بَأْسًا»، رواه النسائي وابن ماجه والدارقطني، وصحَّحه ابن حبان. [قال أبو حاتم في العلل (6/615): منكر].
816- وعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا، فَرَّقَ الله بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ»، رواه أحمد وصحَّحه الترمذي والحاكم، ولكن في إسناده مقال، وله شاهد. [ضعيف].
817- وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: أَمَرَنِي رَسُولُ الله ﷺ أَنْ أَبِيعَ غُلَامَيْنِ أَخَوَيْنِ، فَبِعْتُهُمَا، فَفَرَّقْتُ بَيْنَهُمَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «أَدْرِكْهُمَا، فَارْتَجِعْهُمَا، وَلَا تَبِعْهُمَا إِلَّا جَمِيعًا»، رواه أحمد، ورجاله ثقات، وقد صحَّحه ابن خزيمة وابن الجارود وابن حبان والحاكم والطبراني وابن القطان. [إسناده منقطع. ينظر: المحرر (2/479)].
أخرج الحاكم عن بريدة قال: كنت جالسًا عند عمر إذ سمع صائحًا، فقال: يا يرفأ انظر ما هذا الصوت، فنظر ثم جاء، فقال: جارية من قريش تباع أمها، فقال عمر: ادع لي المهاجرين والأنصار، فلم يمكث ساعة حتى امتلأت الدار والحجرة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فهل كان فيما جاء به محمد ﷺ القطيعة؟ قالوا: لا. قال: فإنها قد أصبحت فيكم فاشية!! ثم قرأ: ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ﴾ [محمد: 22]، ثم قال: وأي قطيعة أقطع من أن تباع أم امرئ منكم وقد أوسع الله لكم؟! قالوا: فاصنع ما بدا لك، فكتب إلى الآفاق أن لا تباع أم حر، فإنها قطيعة، وإنه لا يحل[15].
1 - حديث عمر ونحوه من الآثار دليل على أن الأَمَة إذا ولدت من سيدها حَرُمَ بيعها، سواء كان الولد باقيًا أو لا، وإلى هذا ذهب أكثر الأمة [16].
2 - بينما دلَّ حديث جابر على جواز بيع أمهات الأولاد، وإليه ذهب الظاهرية[17].
3 - وفي حديث أبي أيوب أن بيع الأم دون ولدها الصغير أو بيعه دونها لا يجوز حتى يستغني الولد، وقد نهى النبي ﷺ عن التفريق بين المحارم، وقد اتفق العلماء على تحريم التفرقة في المبيع بين الأم وولدها[18]، وخالف الظاهرية كما سبق.
4 - وفي حديث عليٍّ رضي الله عنه دليل على بطلان البيع الذي فيه تفريق بين الأخوة، والحديث السابق دلَّ على حرمة التفريق بأي وجه من الوجوه، وهذا الحديث نصٌّ في البيع، وألحقوا به تحريم التفريق بسائر الإنشاءات كالهبة والنذر، وهو ما كان باختيار المفرق، وأما التفريق بالقسمة، فليس باختياره، فإن سبب الملك قهري، وهو الميراث[19].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
الإسلام دين الرحمة والرفق والصلة والإحسان؛ فقد جاء بالإحسان إلى ملك اليمين في التعامل، والنهي عن أن يشق عليهم، والنهي عن بيع أمهات الأولاد، هذا بالإضافة إلى كثرة الكفارات بالعتق والترغيب فيه؛ سعيًا لتحريرهم وتقليص هذه الظاهرة؛ بحيث لو قيل إن تضييق مسالك الرق من مقاصد الشريعة الإسلامية لكان ذلك معضودًا بنصوص كثيرة من الوحيين.
1 - حديث أبي أيوب نصٌّ في تحريم التفريق بين الوالدة وولدها، وقيس عليه سائر الأرحام المحارم بجامع الرحامة. والنصُّ على الإخوة في حديث عليٍّ رضي الله عنه يؤكد صحة هذا القياس.
2 - الجمهور على بطلان هذا النوع من البيع، وأبو حنيفة يرى أنه ينعقد مع العصيان، واستدل الجمهور بأمر النبي ﷺ عليًّا رضي الله عنه أن يرتجع الغلامين [20].
قال الله تعالى: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ ۖ قُلِ الْعَفْوَ ﴾ [البقرة: 219].
والعفو هو الفضل؛ أي: ما زاد عن نفقة الإنسان ومن يعول، قال الحسن: ذلك ألا تجهد مالك ثم تقعد تسأل الناس.
818- عن جابر رضي الله عنه قال: «أَعْتَقَ رَجُلٌ مِنَّا عَبْدًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، فَدَعَا بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَبَاعَهُ»، متفق عليه.
- عَنْ دُبُرٍ: المُدَبَّر: هو الذي علّق سيِّده عتقه بموته؛ مثلَ أن يقول للعبد: إذا مت فأنت حر، فهذا يسمى مدبرًا؛ لأن عتقه دبر حياة سيده، أي: بعدها.
1 - قال النووي: (في الحديث دلالة ظاهرة للشافعي وموافقيه في جواز بيع المدبر، وقال مالك وأصحابه: لا يجوز بيعه إلا اذا كان على السيد دين فيباع فيه)[21]، واحتجوا على المنع من بيع المدبر بأنه قد انعقد فيه سبب الحرية وفي بيعه إبطال لذلك[22]، والراجح جواز بيعه، وهو قول الشافعية ورواية عن أحمد.
2 - قال الشيخ ابن عثيمين: (يجزئ بيع المدبر؛ لأن الملك فيه تام؛ إذ لا يمكن أن يعتق إلا بعد موت السيد... ومثله لو قال: هذا البيت وقف بعد موتي، فله أن يبيعه؛ لأنه إلى الآن ما صار وقفًا)[23].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
من المقاصد الشرعية نظر الإِمام في مصالح رعيته وأمره إياهم بما فيه الرفق لهم، وإبطال ما يضرُّ من تصرفاتهم التي يمكن فسخها.