باب ا
لإقرار
قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ﴾ [النساء: 135].
وقال الله تعالى لأنبيائه: ﴿ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِي ۖ قَالُوا أَقْرَرْنَا ۚ قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ﴾ [آل عمران: 81].
والإقرار هو شهادة بالحق على النفس مأمور بها، وإذا كان مقبولًا في التوحيد فقبوله في غيره أولى.
911- عن أبي ذرّ رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله ﷺ: «قل الحق، ولو كان مُرًّا» صحَّحه ابن حبان في حديث طويل. [حديث منكر، في إسناده كذَّاب].
- قل الحق: يشمل قوله على نفسه، وعلى غيره.
- قوله: «ولو كان مُرًّا» من باب التشبيه؛ لأن الحق قد يصعب إجراؤه على النفس، كما يصعب عليها إساغة المر لمرارته[1].
1 - ذكر ابن حجر هذا الحديث تبعًا للرافعي؛ فإنه ذكره في باب الإقرار لأن فيه دلالة على اعتبار إقرار الإنسان على نفسه في جميع الأمور، وهو أمر عام لجميع الأحكام.
2 - الإقرار حجة ثابتة؛ فإن النبي ﷺ أقام الحد على ماعز والغامدية بناء على إقرارهما بالزنا. وقد أجمعت الأمة من عهد النبي ﷺ إلى الآن على أن الإقرار حجة على المقر؛ يؤخذ به ويعامل بمقتضاه، والفقهاء مجمعون على أن الإقرار أقوى الأدلة الشرعية؛ لانتفاء التهمة فيه غالبًا[2].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - الدين الإسلامي يربي النفوس على الصدق والصدع بالحق، إحقاقًا ونصـرةً له؛ وعدم المحاباة والمداهنة في ذلك طلبًا لإرضاء الناس أو خوفًا منهم.
2 - الصدع بالحق مقام صدق يوفق الله له الصادقين من عباده، وهو من أعظم الطاعات والقُرَب؛ ولذا كان أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر.
قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا ﴾ [النساء: 58].
العارية من الأمانات التي يجب أن تؤدى كما أُخذت مادام الإنسان قادرًا على المحافظة عليها، لأن الله أمر بأدائها.
912- عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «عَلَى اليَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ»، رواه أحمد والأربعة، وصحَّحه الحاكم. [ضعَّفه ابن حجر في فتح الباري (5/ 241)].
913- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنْ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ»، رواه أبو داود والترمذي وحسّنه، وصحَّحه الحاكم، واستنكره أبو حاتم الرّازي. [والشافعي في الأم (6/270)، وأحمد فيما نقله ابن حجر في التلخيص الحبير (5/2086)، وغيرهم]. وأخرجه جماعة من الحفاظ وهو شامل للعارية.
914- وعن يعلى بن أميّة قال رضي الله عنه: قال لي رسول الله ﷺ: «إِذَا أَتَتْكَ رُسُلِي فَأَعْطِهِمْ ثَلَاثِينَ دِرْعًا»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَعَارِيَةٌ مَضْمُونَةٌ أَوْ عَارِيَةٌ مُؤَدَّاةٌ؟ قَالَ: «بَلْ عَارِيَةٌ مُؤَدَّاةٌ»، رواه أحمد وأبو داود والنسائي، وصحَّحه ابن حبَّان. [قال ابن عبد الهادي في المحرر (931): (رواته ثقات، وقد أُعِلَّ)].
915- وعن صفوان بن أميّة رضي الله عنه: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَعَارَ مِنْهُ دُرُوعًا يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَقَالَ: أَغَصْبٌ يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: «بَلْ عَارِيَةٌ مَضْمُونَةٌ»، رواه أبو داود والنسائي، وصحَّحه الحاكم. [قال البخاري في التاريخ الكبير (2/ 8): فيه اضطراب]. وأخرج له شاهدًا ضعيفا عن ابن عباس. [فيه راو متروك].
صفوان بن أمية بن خلف الجمحي، أحد أشراف قريش، وهو من مسلمة الفتح، ومن المؤلفة قلوبهم، شهد اليرموك أميرًا، أحد المطعمين، مات بمكة سنة (42) في أول خلافة معاوية.
- عارية مضمونة: أي: مضمونة الرد.
- الفرق بين المؤداة والمضمونة: أن المضمونة هي التي تُضمن إن تلفت بالقيمة، والمؤداة: التي تجب تأديتها مع بقاء عينها، فإن تلفت لم تضمن بالقيمة.
1 - في حديث سمرة بن جندب دليل على وجوب رد ما قبضه المرء وهو ملك لغيره، ولا يبرأ إلا بمصيره إلى مالكه أو من يقوم مقامه، وهو عام في الغصب والوديعة والعارية، وذكره ابن حجر في باب العارية لشموله لها[3].
2 - وحديث أبي هريرة شامل كذلك للعارية والوديعة ونحوهما، فيجب أداء الأمانة كما أفاده قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا ﴾ [النساء: 58].
3 - استدل بظاهر هذا الحديث مَنْ مَنَعَ صاحبَ الحق أن يأخذ حقه إلا بعلم من عليه الحق، أو رَفعِه إلى الحاكم؛ لقوله: «ولا تخن من خانك»، والصحيح جواز ذلك، وهو قول الجمهور، واشترط ابن القيم ألا يكون سبب الاستحقاق خفيًّا، فإذا كان خفيًّا فإنه لا يجوز لصاحب الحق أخذه بغير علمه، وعلَّة المنع فيه: أن ذلك ذريعة إلى رميه بالخيانة، وفي ذلك مخالفة للحديث الذي معنا، وفيه جمع بين الأدلة، وقد رجحه كذلك الشيخ السعدي[4].
4- بناء على ما سبق يكون معنى الحديث: لا تعامله بمعاملته، ولا تقابل خيانته بخيانتك فتكون مثله، وليس منها ما يأخذه من مال من جحده حقّه؛ إذ لا تعدّي فيه.
أو المراد: إذا خانك صاحبك، فلا تقابله بجزاء خيانته -وإن كان حسنًا- بل قابله بالأحسن الذي هو العفو، وادفع بالتي هي أحسن.
5 - وفي حديثي يعلى وصفوان دليل لمن ذهب إلى أن العارية لا تُضمن إلا بالتضمين [5].
6 - اتفق العلماء على أن العارية إذا تلفت بتعدٍّ من المستعير أن عليه أن يضمن، قال ابن حزم: (أجمعوا أن المستعير إذا تعدى في العارية، فإنه ضامن لما تعدى فيه منها)[6].
7 - اختلف العلماء هل العارية مضمونة على المستعير في حالة عدم التعدي أو لا، على ثلاثة أقوال[7]:
القول الأول: أنه لا يضمن، وبهذا قال الحنفية، والشافعية، ورواية عند الحنابلة، وابن حزم[8]، واستدلوا بحديث يعلى بن أمية، حيث نصَّ على أن العارية مؤداة، والأداء غير الضمان، فالمؤداة يجب تأديتها مع بقاء عينها، فلا تضمن إلا بالتعدي؛ لأنها أمانة مؤداة.
القول الثاني: أنه يضمن إلا إذا أقام البينة على عدم التعدي، وبهذا قال المالكية؛ لأنه مما غاب هلاكه، فلا يبرأ المستعير إلا بالبينة؛ لأنه متهم فيه[9].
القول الثالث: أنه يضمن مطلقًا، وهذا الصحيح عند الحنابلة، وقول عند المالكية[10]. واستدلوا بحديث صفوان بن أمية في قوله: «بل عارية مضمونة»، فلفظ «مضمونة» صفة حقيقية للعارية، أي: شأن العارية ضمان قيمتها إذا تلفت؛ لأن الأعيان إذا صارت موجودة لا تضمن[11]. واستدلوا كذلك بعموم حديث سمرة المتقدم، فظاهره أن ما أخذت اليد ضمان على صاحبها حتى تؤديه إلى مالكه، والأداء يتضمن العين إذا كانت موجودة، والقيمة إذا تلفت[12]. إلا أنهم قالوا بعدم الضمان إذا تلفت بالاستعمال المأذون فيه؛ كإن انمحق الثوب باللبس ونحو ذلك[13].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1- حسن أدب الإسلام؛ لأنه دين السلام والوئام، فإنه يمنع من الخيانة حتى ممن خان، فلم يبح مقابلته بمثل عمله من الخيانة، وإنما يدعو الإسلام إلى الصبر والمسامحة[14].
2- ينبغي للمسلم ألا يكون إمّعة، إن أحسن الناس أحسن، وإن أساؤوا أساء.
1 - في الأحاديث دلالات وجوب؛ ففي حديث سمرة (على اليد) وهذه من صيغ الوجوب، وجاء حديثا أبي هريرة ويعلى بصيغة الأمر، وكلها محمولة على الوجوب.
2 - سبق معنا أن الحكم المعلَّق بغاية لا يتحقق إلا بتحقق الغاية، وفي هذا دليل على أن من أخذ شيئًا فإنه لا يبرأ إلا برده إلى مالكه أو من يقوم مقامه؛ لقوله ﷺ: «حتى تؤديه»، ولا تتحقق التأدية إلا بذلك.
3 - قاعدة: (من له الحق على الغير -وكان سبب الحق ظاهرًا- فله الأخذ من ماله بقدر حقه إذا امتنع أو تعذر استئذانه، وإن كان السبب خفيًا فليس له ذلك) [15].
ومعناها: أنه متى كان لإنسان على غيره حق مالي فامتنع من أداء ذلك الحق، أو لم يمتنع من الأداء لكن تعذَّر على صاحب الحق أن يستأذنه -لبعد أو نحوه- وكان سبب الاستحقاق ظاهرًا -كنفقة الزوجة مثلًا- فإنه يجوز لصاحب الحق إذا قدر أن يأخذ من مال من عليه الحق بقدر ما عليه بدون إذنه.
وإنما قيد ذلك بالقيد الأول -وهو الامتناع من أداء الحق، أو تعذر استيفائه- لأنه لو لم يمتنع من أداء ما عليه إما باستئذانه أو برفعه إلى الحاكم فإنه يمكن وصول صاحب الحق إلى حقه بالطريق المشروع أصلا وهو أولى فلا يُعدَل عنه.
وقُيِّد بالثاني -وهو كون سبب الاستحقاق ظاهرًا- لأنه لو كان سبب الاستحقاق خفيًّا لا يعلمه الناس لأمكن نسبة الآخذ إلى الخيانة، فيكون منع المستحق من الأخذ من باب سد الذريعة، وتعرف هذه المسألة في كتب الفقه بمسألة الظفر.