باب إحياء الموات
قال الله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ﴾ [البقرة: 29].
وقال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴾ [النساء: 29].
في الآييتين دليل على أن المال إذا لم يُضف إلى أحد من البشر بشراء أو إرث أو هبة ونحو ذلك من صور التملك فهو مما أباحه الله.
938- عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها أنّ النّبيّ ﷺ قال: «مَنْ عَمَّرَ أَرْضًا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا»، قال عروة: «وَقَضَى بِهِ عُمَرُ فِي خِلَافَتِهِ»، رواه البخاريّ.
939- وعن سعيد بن زيد رضي الله عنه عن النّبيّ ﷺ قال: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ»، رواه الثّلاثة، وحسّنه التّرمذيّ، وقال: (روي مرسلًا)، وهو كما قال، واختلف في صحابيّه، فقيل: جابر، وقيل: عائشة، وقيل: عبد الله بن عمرو، والراجح الأول. [أعلَّه بالإرسال: الدارقطني في العلل (2/ 247)، وغيره].
940- وعن الصّعب بن جثّامة اللّيثيّ رضي الله عنه أنّ النبي ﷺ قال: «لَا حِمَى إِلَّا لله وَلِرَسُولِهِ»، رواه البخاري.
941- وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ»، رواه أحمد وابن ماجه. [ضعَّفه ابن عبد الهادي في المحرر (950)، وابن رجب في جامع العلوم والحكم (3/907)]، وله من حديث أبي سعيد مثله، وهو في (الموطإ) مرسل. [رجَّح المرسل البيهقي في الكبير (12/253)، وابن عبد الهادي في تنقيح التحقيق (5/ 68)، وغيرهما].
942- وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ أَحَاطَ حَائِطًا عَلَى أَرْضٍ فَهِيَ لَهُ»، رواه أبو داود، وصحَّحه ابن الجارود. [فيه انقطاع].
943- وعن عبد الله بن مغفّل رضي الله عنه أنّ النّبيّ ﷺ قال: «مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فَلَهُ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا عَطَنًا لِمَاشِيَتِهِ»، رواه ابن ماجه بإسناد ضعيف. [ضعَّفه ابن الجوزي في التحقيق (8/21)، وابن عبد الهادي في تنقيح التحقيق (4/209-210)، وابن الملقن في البدر المنير (7/63)، وغيرهم].
944- وعن علقمة بن وائل عن أبيه: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقْطَعَهُ أَرْضًا بِحَضْرَمَوْتَ»، رواه أبوداود والترمذي، وصحَّحه ابن حبّان. [منقطع؛ علقمة لم يسمع من أبيه كما قال ابن معين في تاريخ ابن أبي خيثمة - السفر الثالث (3769)].
945- وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقْطَعَ الزُّبَيْرَ حُضْرَ فَرَسِهِ، فَأَجْرَى الفَرَسَ حَتَّى قَامَ، ثُمَّ رَمَى سَوْطَهُ. فَقَالَ: «أَعْطُوهُ حَيْثُ بَلَغَ السَّوْطُ»، رواه أبو داود، وفيه ضعف.
946- وعن رجل من الصّحابة قال: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «المسلمون شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: فِي الكَلَأِ، وَالْـمَاءِ، وَالنَّارِ»، رواه أحمد، وأبو داود، ورجاله ثقات. [لا يصح؛ فيه رجل لا يعرف حاله].
1 - أما حديث سعيد بن زيد فقيل إن سبب وروده: ما أخرج أبو داود من طريق عروة قال حدثني رجل من أصحاب النبي ﷺ وأكثر ظني أنه أبو سعيد الخدري: أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ: غرس أحدهما نخلًا في أرض الآخر، فقضى لصاحب الأرض بأرضه، وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله منها، قال: فلقد رأيتها وإنها لتضرب أصولها بالفؤوس، وإنها لنخل عم، حتى أخرجت منها[1].
2 - وسبب حديث الصعب بن جثامة: أنه كان في الجاهلية إذا أراد الرئيس أن يمنع الناس من محلٍ يريد اختصاصه لنفسه؛ استعوى كلبًا من مكان عال، فإلى حيث ينتهي صوته حماه من كل جانب، فلا يرعاه غيره، ويرعى هو مع غيره، فأبطل الإسلام ذلك، وأثبت الحمى لله ولرسوله، ومعناه: أن يمنع الإمام الرعي في أرض مخصوصة؛ لتختص برعيها إبل الصدقة مثلًا.
3 - وأما حديث ابن عباس: فأخرج عبد الرزاق في المصنف عن أبي جعفر أن نخلة كانت بين رجلين فاختصما فيها إلى النبي ﷺ فقال أحدهما: أشققها نصفين بيني وبينك، فقال النبي ﷺ: «لا ضرر في الاسلام»[2].
- الموات: الأرض التي لم تزرع ولم تعمر ولا جرى عليها ملك أحد.
- إحياء الموات: مباشرة الأرض الميتة التي لا مالك لها ولا ينتفع بها أحد بتأثير شيء فيها، من إحاطة أو زرع أو عمارة أو نحو ذلك.
- الحمى: هو المكان المحمي، وهو خلاف المباح.
- لا ضرر ولا ضرار: الضرر: ضد النفع، ومعناه: لا يضر الرجل أخاه، فينقصه شيئًا من حقه، والضرار: فعال من الضرّ، أي: لا يجازيه بإضراره، بإدخال الضرِّ عليه، فالضرُّ: ابتداء الفعل، والضرار: الجزاء عليه.
- ذراعًا: بكسر الذال، وذراع الإنسان من طرف المرفق إلى طرف الأصبع الوسطى، وأشهر أنواعه الذراع الهاشمية وهي (32) إصبعا أو (64) سنتيمترًا.
- عَطَنًا: العَطَن: وطن الإبل ومبركها حول الحوض.
1 - في حديثي عائشة وسعيد بن زيد دليل على أن الإحياء للأرض الميتة التي لا يد لأحد عليها يعدُّ تملكًا لها.
2 - وظاهر حديث عائشة أنه لا يشترط في ذلك إذن الإمام، وهو قول الشافعية والحنابلة وأبي يوسف ومحمد، وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أنه يشترط إذن الإمام، وهو مذهب المالكية في القريب من العمران، وأما البعيد منه فما احتاج الناس إليه فلا بد فيه من الإذن، وما لا فلا [3].
3 - قال الإمام الشافعي عن حديث الصعب بن جثامة: يحتمل الحديث شيئين: أحدهما: ليس لأحد أن يحمي للمسلمين إلا ما حماه النبي ﷺ، وعليه؛ فليس لأحد من الولاة بعده أن يحمي، والآخر معناه: إلا على مثل ما حماه عليه النبي ﷺ، وعليه؛ يختص الحمى بالخليفة خاصة، ورُجِّح هذا الثاني بما ذكره البخاري عن الزهري تعليقًا «أن عمر حمى الشرف والربذة لإبل الصدقة» [4].
4 - قد كان للرسول ﷺ أن يحمي لنفسه وللمسلمين، وأما سائر أئمة المسلمين فليس لهم أن يحموا لأنفسهم شيئًا، ولكن لهم أن يحموا للمسلمين مواضع لترعى فيها خيل المجاهدين، ونِعَمِ الجزية، وإبل الصدقة، وضوال الناس على وجه لا يتضرر به من سواه من الناس، وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد والشافعي في صحيح قوليه، وقال في الآخر: ليس لغير النبي ﷺ أن يحمي مطلقًا، للحديث، واستدل الجمهور بأن عمر وعثمان حميا، واشتهر ذلك في الصحابة، فلم ينكر عليهما، فكان إجماعًا[5].
5 - دل حديث ابن عباس على تحريم الضرر، وتحريم الضرر معلوم عقلًا وشرعًا، إلا ما دلَّ الشرع على إباحته رعاية للمصلحة التي تربو على المفسدة[6].
6 - ودلَّ حديث سمرة بن جندب على ما سبق من أن من أعمر أرضًا ليست لأحد فهي له، وهذا الحديث يبين نوعًا من أنواع العمارة والإحياء، ويختلف الإحياء بحسب اختلاف الأراضي وما يقصد منها، فتارة يكون الإحياء بالبناء، وتارة يكون بالغرس، وتارة يكون الإحياء بحفر بئر فيها.
7 - ودلَّ حديث عبد الله بن مغفل على ثبوت الحريم للبئر، والمراد بالحريم: ما تمس الحاجة إليه لتمام الانتفاع به، وهو ملك لمالك المعمور، بمعنى أن له أن يمنع غيره من إحيائه بجعله دارًا مثلا، وليس له منع المرور فيه، ولا المنع من رعي كلأ فيه، والاستقاء من ماء فيه، ونحو ذلك، وحريم البئر ما لو حفر فيه نقص ماؤها، أو خيف انهيارها. ويختلف ذلك بصلابة الأرض ورخاوتها[7].
8 - اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز إحياء حريم البئر، ولكنهم اختلفوا في مقدار حريم البئر، وقد ذهب الحنفية إلى ظاهر الحديث، فقرروا أن حريم بئر العطن أربعون ذراعًا من كل جانب، والمقصود من الحريم: دفع الضرر، كي لا يحفر بحريمه أحد بئرًا أخرى، فيتحول إليها ماء بئره، وهذا الضرر لا يندفع بمسافة قريبة، وأيضًا فإن حافر البئر يحتاج أن يقف على شفير البئر ليستقي الماء، وإلى أن يبني على شفير البئر ما يركب عليه البكرة، وإلى أن يبني حوضًا يجتمع فيه الماء، وإلى موضع تقف فيه مواشيه حالة الشرب وبعده، فقدره الشارع بأربعين ذراعًا. ويرى المالكية والشافعية أن البئر ليس لها حريم مقدر[8].
9 - وفي حديث وائل بن حجر أن النبي ﷺ خصَّه ببعض الأرض الموات، ففيه أنه يختص بها، ويصير أولى بإحيائها، ممن لم يسبق إليها بالإحياء، وفيه دليل على الإقطاع، وكذلك دلَّ عليه حديث ابن عمر.
10 - حكى القاضي عياض أن الإقطاع: تسويغ الإمام من مال الله شيئًا لمن يراه أهلا لذلك، وأكثر ما يستعمل في الأرض، وهو أن يخرج منها لمن يراه ما يحوزه، إما بأن يملِّكه إياه فيعمره، وإما بأن يجعل له غلتها مدة [9].
11 - وقد اتفق العلماء: أن من أقطعه الإمام أرضًا لم تُعمر في الإسلام قط، ولا كان فيها منتفع لمن يجاورها، ولا كانت في خلال المعمور ولا بقرب معمور، فعمره الذي أقطعها أو أحياها: أنها له ملك موروث عنه، يبيعها إن شاء، ويفعل فيها ما أحب [10].
12 - وفي حديث: «المسلمون شركاء في ثلاث..» دليل على عدم اختصاص أحد من الناس بأحد الثلاثة، وهو إجماع في الكلأ في الأرض المباحة، والجبال التي لم يحرزها أحد، فإنه لا يمنع من أخذ كلئها أحد، إلا ما حماه الإمام كما سلف.
- وأما النابت في الأرض المملوكة والمتحجرة، فإن حازه الإنسان بعد قلعه بأي وسيلة، فهذا يملكه الإنسان، فله بيعه، وله أن يمنع الناس منه. فإن كان غير محاز، فلا يحق له بيعه، ولا منع غيره منه، ولكنه يكون أحق به من غيره.
- وأما النار، فهي من الأشياء المشاعة العامة، ولا يجوز بيعها، وإنما يجب بذلها لمحتاجها، سواء في ذلك وقودها كالحطب، أو جذوتها كالقبس، أو الاستدفاء.
- وأما الماء، فلا يجوز بيعه ما لم يحزه في بركته، أو قربته، أو إنائه ونحوه، وأما الذي لم يحز من ماء السماء، أو ماء العيون، أو نقع الآبار، فلا يملك، ولا يصح بيعه.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - من محاسن الدين الإسلامي إحقاق الحق لصاحبه، والمساواة والعدل بين الناس؛ حيث لا حمى إلا لله ورسوله، ونفي الضرر عن الآخرين.
2 - من أحكام الإسلام العادلة، وإباحته الشاملة، وإفضاله على أهله، أن جعل أمورهم الضـرورية، وحاجتهم المشاعة شركة بينهم، من حازها ملكها وانتفع بها، وهذا مبدأ اقتصادي هام.
1 - في قوله: «من أحيا»: صيغة من صيغ العموم، فيشمل الصغير، والكبير، والذكر، والأنثى.
2 - وقوله: «من أحيا أرضًا»: أرضًا نكرة، والنكرة تفيد العموم، ولكن المسألة فيها تفصيل حيث جاء ما يخصصها، ويفيد أن الحكم ليس على العموم من كل وجه، فخرج ما كان ملكًا للغير، ونحو ذلك.
3 - قاعدة: (تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة): ومن ذلك الحمى الوارد في حديث الصعب بن جثامة، فإنه يجب على الإمام مراعاة المصلحة في ذلك.
4 - في حديث ابن عباس نفيٌ للضرر؛ ونفي الذات دليل على النهي عنه؛ لأن النهي لطلب الكف عن الفعل، وهو يلزم منه عدم ذات الفعل، فاستعمل اللازم في الملزوم[11].
5 - قاعدة: (الضرر يزال) أو (لا ضرر ولا ضرار): هذه القاعدة من القواعد الكبرى التي ينبني عليها كثير من أبواب الفقه، وهي من القواعد التي جاء النص بها، كما في حديث ابن عباس.