طلاق الهازل:
قال الله تعالى: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ۚ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا ۚ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ۚ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 231].
قال ابن كثير: (وَقَالَ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ، وَالرَّبِيعُ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: هُوَ الرَّجُلُ يُطَلِّقُ وَيَقُولُ: كُنْتُ لَاعِبًا أَوْ يُعْتِقُ أَوْ يَنْكِحُ وَيَقُولُ: كُنْتُ لَاعِبًا. فَأَنْزَلَ الله: ﱡ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا ۚ ﴾ فَأَلْزَمَ الله بِذَلِكَ). اهـ ، وهو قول ابن عباس وغيره من الصحابة.
1093- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ثَلَاثٌ جِدُّهنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ، وَالطَّلَاقُ، وَالرَّجْعَةُ»، رواه الأربعة إلا النسائي، وصحَّحه الحاكم. [ضعَّفه ابن الجوزي في التحقيق (9/ 34)، وابن القطان في بيان الوهم والإيهام (3/509)، وغير واحد]. وفي رواية لابن عديّ من وجه آخر ضعيف: «الطَّلَاقُ، وَالْعِتَاقُ، وَالنِّكَاحُ».
1094- وللحارث بن أبي أسامة من حديث عبادة بن الصّامت رفعه: «لَا يَجُوزُ اللَّعِبُ فِي ثَلَاثٍ: الطَّلَاقُ، وَالنِّكَاحُ، وَالْعِتَاقُ، فَمَنْ قَالَهُنَّ فَقَدَ وَجَبْنَ»، وسنده ضعيف.
- وهزلهن جد: أي: من فعل شيئًا منهن هازلًا لاعبًا لزمه وترتب عليه أثره. والهازل: هو الذي يتكلم بالكلام على سبيل المزاح أو اللعب، ويقابله الجاد.
- الرّجعة: عود المطلق إلى طليقته.
1 - في الحديثين دليل على أن المكلف إذا كان يهزل ويمزح بالطلاق، فإنه يلزمه، ويقع طلاقه، وهو قول عامة الفقهاء[1]، وكذلك الأمر في النكاح، والرجعة، والعتق؛ يلزمه فيها ما هزل به.
2 - من أتى بصريح الطلاق وقع طلاقه؛ نواه أو لم ينوه، فالصريح لا يحتاج إلى نية، بل يقع من غير قصد؛ لأنه ما يعتبر له القول فإنه يكفي فيه من غير نية إذا كان صريحًا؛ كالبيع، سواء قصد المزاح، أو الجد، ونقل الإجماع عليه[2].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - الحكمة- والله أعلم- في سرعة نفوذ وسريان النكاح، والرجعة، والعتق: تشوّف الشارع إلى إيقاعها، فصارت نافذة سارية من حين إطلاقها.
2 - وأما الطلاق، فالحكمة-والله أعلم- أن التلاعب به خطير جدًا، وأن تكريره مما يجعل الزوجة المطلقة أجنبية، وأن معاشرتها ومباشرتها محرمة، وأن غالب المطلقين هم أصحاب الانفعالات النفسية، وليسوا غالبًا من المستقيمين، فخشية من أن ينكر نية الطلاق وقصده، ويتلاعب بذلك، جُعل نافذًا عليه، وساري المفعول، ولو لم ينو أو يقصد الطلاق[3].
إذا هزل المكلَّف بالطلاق أو النكاح أو الرجعة لزمه ما هزل به، فدل ذلك على أن كلام الهازل معتبر وإن لم يعتبر كلام النائم والناسي وزائل العقل والمكره، والفرق بينهما أن الهازل قاصد للفظ غير مريد لحكمه، وذلك ليس إليه فإنما إلى المكلف الأسباب، وأما ترتب مسبباتها وأحكامها فهو إلى الشارع قصده المكلف أو لم يقصده، والعبرة بقصده السبب اختيارًا في حال عقله وتكليفه فإذا قصده، رتب الشارع عليه حكمه جد به أو هزل، وهذا بخلاف النائم والمبرسم والمجنون والسكران وزائل العقل؛ فإنهم ليس لهم قصد صحيح، وليسوا مكلفين فألفاظهم لغو بمنزلة ألفاظ الطفل الذي لا يعقل معناها ولا يقصده [4].
قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ۖ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ١ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ۚ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ ۖ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾ [التحريم: 1، 2].
أصح ما ورد في سبب نزول الآية أنها نَزَلَتْ فِي شَأْنِ مَارِيَةَ، وَكَانَ رَسُولُ الله ﷺ قَدْ حَرَّمَهَا، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ۖ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ﴾ الْآيَةَ. أما امتناعه ﷺ عن تناول العسل فقصة أخرى في الصحيحين، ليس لها علاقة بسبب النزول على الراجح.
1095- عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: «إِذَا حَرَّمَ امْرَأَتَهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ. وَقَالَ: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ [الأحزاب:21]»، رواه البخاريّ.
1096- ولمسلم عنه: «إِذَا حَرَّمَ الرَّجُلُ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ، فَهِيَ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا».
1 - في الحديث الأول دليل على أن التلفظ بتحريم المرأة ليس له أثر، وأنه لغو باطل لا يترتب عليه شيء، وهو قول بعض السلف، والظاهرية[5].
2 - وفي الحديث الثاني دليل على أن تحريم الزوجة يمين، ويكفّر كفارة يمين، وظاهره الإطلاق مهما كانت نية من تلفظ بالتحريم.
3 - وذهب الشافعية في المسألة إلى التفصيل، وهو أنه إن نوى طلاقًا؛ فهو طلاق، وإن نوى ظهارًا؛ فهو ظهار، وإن نوى الطلاق والظهار معًا تخير أحدهما، وإن نوى التحريم المجرد، أو أطلق؛ فلم ينوِ شيئًا، ففيه كفارة يمين[6].
4 - لا يجوز للمسلم أن يحل الحرام أويحرم الحلال، فإذا فعل استحق التأنيب والكفارة لئلا يعود لمثله.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
قال شيخ الإسلام: (المناكح، والمطاعم، التي يباح الانتفاع بها هي مما سماه الله حلالًا، ومن جعل ما أحل الله حرامًا فقد أتى منكرًا من القول وزورًا، وهو كلام لا يمكن تحقيق موجبه، ولا يحل التكلم به، فلا يجعل سببًا لما أباحه الله من الطلاق الذي فيه إرسال المرأة)[7].
ترجَّح تفصيل الشافعية؛ لأن لفظ التحريم يتناول جميع ما سبق، فيفتقر إلى النية في تعيين أحد تلك المعاني: أما كفارة اليمين في التحريم؛ فلأنه الأصل للآية، وأما الطلاق والظهار؛ فلأن هذا اللفظ من ألفاظ الكنايات، وهو يتناول أحدهما إن نواه، قال ابن القيم: (وقد أوقع الصحابة الطلاق بأنتِ حرام، وأمرك بيدك، واختاري، ووهبتك، وأنت خلية، وقد خلوت مني، وأنت برية، وقد أبرأتك، وأنت مبرأة، وحبلك على غاربك)[8].
قال الله تعالى في صريح الطلاق: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ [الطلاق: 1].
وقال الله تعالى في الكناية عن الطلاق: ﴿ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ﴾ [الأحزاب: 49].
وقال الله تعالى: ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ [الطلاق: 2] قال الإمام البخاري في الصحيح: باب إذا قال: فارقتك أو سرحتك...أو ما عنى به الطلاق فهو على نيته. ثم استشهد بالآيات.
1097- عن عائشة رضي الله عنها: أَنَّ ابْنَةَ الـجوْنِ لمّا أُدْخِلَتْ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ وَدَنَا مِنْهَا قَالَتْ: أَعُوذُ بِالله مِنْكَ، قَالَ: «لَقَدْ عُذْتِ بِعَظِيمٍ، الْـحَقِي بِأَهْلِكِ»، رواه البخاريّ.
1 - صيغ الطلاق تنقسم إلى قسمين؛ ألفاظ صريحة، وألفاظ كناية، فالطلاق الصـريح هو ما لم يستعمل إلا فيه غالبًا، لغةً أو عرفًا، فيثبت حكمه الشـرعي بلا نية، والألفاظ الصـريحة في الطلاق محصورة في مثل: طلقتك، وأنت طالق، ومطلَّقة، ومثل الطلاق: الفراق، والسـراح، وما اشتق منها[9].
2 - الطلاق الكنائي هو ما يدل على المفارقة باحتمال، أو هو ما عدا الألفاظ الصـريحة من الطلاق، وهو كثير، ومنه قول: اعتدي، واستبرئي رحمك، والحقي بأهلك، وأنت خليَّة، وحبلك على غاربك، وغير ذلك.
دل على أن ألفاظ الكناية تحتمل الطلاق وتحتمل غيره، وأن المرجع في ذلك النية: أن النبي ﷺ قال لها: «الحقي بأهلك»، فكان طلاقًا؛ لأنه لم يرو أنه زاد غير ذلك.
ودل على أنه يأتي كنايةً للطلاق: أنه قد ثبت في قصة كعب بن مالك أنه لما قيل له: اعتزل امرأتك، قال لها: «الحقي بأهلك فكوني عندهم»، ولم تطلق؛ لأنه لم يرد الطلاق[10].
قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ ﴾ [الأحزاب: 49] قال البخاري في الصحيح بعد الاستشهاد بالآية: وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «جَعَلَ الله الطَّلاَقَ بَعْدَ النكَاحِ».
1098- عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا طَلَاقَ إِلَّا بَعْدَ نِكَاحٍ، وَلَا عِتْقَ إِلَّا بَعْدَ مِلْكٍ»، رواه البزار وصحَّحه الحاكم، وهو معلول. [أعلَّه بالإرسال أبو زرعة وأبو حاتم في العلل (1220)، والدارقطني في العلل (1/ 298)، وغيرهم]. وأخرج ابن ماجه: عن المسور بن مخرمة مثله، وإسناده حسن، لكنه معلول أيضًا. [استنكره أبو حاتم في العلل (1271)، وضعَّف جميع أحاديث الباب ابن معين فيما نقله ابن أبي حاتم في العلل (1312)].
1099- وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا نَذْرَ لِابْنِ آدَمَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَلَا عِتْقَ لَهُ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَلَا طَلَاقَ لَهُ فِيمَا لَا يَمْلِكُ»، أخرجه أبو داود وصحَّحه الترمذي، ونقل عن البخاري أنه أصح ما ورد فيه.
1 - في الحديثين دليل على أنه لا يقع الطلاق على المرأة الأجنبية التي لم يتزوجها بعد [11].
2- من طلق زوجته قبل الدخول بها ثلاث تطليقات فلا تقع إلا طلقة واحدة، أما الثانية والثالثة فلا يقعان لأنهما صادفا امرأة قد بانت منه؛ لأن الطلاق قبل الدخول يبين الزوجة ولا عدة عليها بالإجماع لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ۖ فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ﴾ [الأحزاب: 49].
3 - اتفق الفقهاء على أنه إذا طلقها مرة واحدة، ثم طلقها ثانية بعد انقضاء عدتها، أن الثانية لا تقع عليها، لعدم كونها محلًا للطلاق، لانقضاء الزوجية بالكلية، والطلاق خاص بالزوجات.
4- على القول بأن الخلع فسخ -وهو الراجح- فلو خالع زوجته ثم طلقها لا يلحقها الطلاق؛ لأنها ليست زوجته.
قال الله تعالى: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ﴾ [البقرة: 286]
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «فَكَانَتْ هَذِهِ الْوَسْوَسَةُ مِمَّا لَا طَاقَةَ لِلْمُسْلِمِينَ بِهَا، وَصَارَ الْأَمْرُ إِلَى أَنْ قَضَى الله عَزَّ وَجَلَّ، أَنَّ لِلنَّفْسِ مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ». اهـ
فعفى الله عن الخطأ، والنسيان، والإكراه؛ لأنه مما ليس في وسع الإنسان واختياره، وكذا ما يصدر من فاقد العقل بجنون ونحوه والنائم، وقد جاء في صحيح مسلم أن الله تعالى قال بعد أن ذلت ألسنة الصحابة بالآية: «قد فعلت» فله الحمد والشكر.
1100- وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النّبيّ ﷺ قال: «إِنَّ الله تَعَالَى تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَكَلَّمْ»، متّفق عليه.
1101- وعن ابن عبّاس رضي الله عنهما، عن النّبيّ ﷺ قال: «إِنَّ الله تَعَالَى وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الـخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ»، رواه ابن ماجه والحاكم، وقال أبو حاتم: (لا يثبت). [أعلَّه أحمد في العلل - رواية عبد الله (1340)، وأبو حاتم في العلل (1296)، وغيرهما].
1102- وعن عائشة رضي الله عنها عن النبي ﷺ قال: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبُرَ، وَعَنِ الـمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ، أَوْ يَفِيقَ»، رواه أحمد والأربعة إلا الترمذي، وصحَّحه الحاكم. [قال البخاري -كما في علل الترمذي الكبير (ص225)-: أرجو أن يكون محفوظًا. وينظر: فتح الباري لابن رجب (8/23)، وقال ابن تيمية في مجموع الفتاوي (11/191): اتفق أهل المعرفة على تلقيه بالقبول].
1 - دلَّ حديث أبي هريرة على أنّ الطلاق لا يقع بحديث النفس، فلو نوى الزوج في نفسه تطليق زوجته ولم ينطق بذلك لم يقع الطلاق، وهو قول عامة أهل العلم [12].
2 - ودلَّ حديث ابن عباس على أنه لو أُكره على الطلاق بضـرب أو خنق أو سجن طويل ونحو ذلك بغير حق فطلق؛ لم يقع طلاقه.
3 - ودلَّ حديث عائشة على أن الطلاق لا يصح إلا من زوج عاقل، وذلك لوجود المعنى المصحَّح للطلاق، وهو العقل؛ فإن العقل أداة التفكير ومناط التكليف، بخلاف المجنون، فلو طلَّق لم يقع طلاقه؛ لأنه لا يعتدُّ بعبارته.
4 - وفيه دليل أن طلاق الصبي المميز لا يقع حتى يبلغ، وهو قول الأئمة الثلاثة، ورواية عن أحمد؛ للحديث، ولأنه غير مكلف، فلم يقع طلاقه كالمجنون[13].
5 - ودلَّ على عدم صحة طلاق المجنون والمعتوه، ومثلهم النائم، والمغمى عليه، وهذا كله مجمع عليه[14].
6 - من زال عقله بمباح يعذر فيه، كمن أُعطي بنجًا لتداوٍ، أو شَرِبَ مسكرًا مكرهًا، أو نحو ذلك مما لا يدخل تحت الرضا والاختيار يلحق بالمجنون ولا يقع طلاقه إجماعًا، فإن زال عقله بسبب غير مباح وهو السُكْر الحاصل بطريق محذور؛ كشرب المسكر باختياره وإرادته، فالجمهور أنه يقع طلاقه، وذهب إلى عدم وقوع طلاقه عثمان وابن عباس وجماعة من التابعين، واختاره المزني وأبو ثور والطحاوي، ورجَّحه شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم [15].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
من رحمة الله تعالى وتيسيره على هذه الأمة أنه لم يكلف نفسًا إلا وسعها، وتجاوز عن الناسي والجاهل والمُكره، ونحوهم ممن زال عنهم التكليف بسبب من الأسباب.
1 - قد يقال: ألا يتعارض حديث أبي هريرة مع عموم حديث: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»؟
فالجواب: ليس بين الحديثين تعارض؛ إذ في حديث «الأعمال بالنيات» أن العمل مع النية هو المعتبر، وأما النية وحدها، فلا تؤثر.
2 - لا يقع طلاق الصبي -ولو كان مميزًا- لقرب عهده باللهو واللعب، وبُعده عن صواب الرأي في الأمور الخطيرة التي لا يكون صواب الرأي فيها إلا بكمال العقل، وهو منوط بما يغلب تحققه عنده، وهو البلوغ، فالشريعة لا تعتبر أقوال وأفعال من هو دونه.