حجم الخط:

محتوى الدرس (120)

Adobe Systemsباب الرجعة

[أحكام الرجعة]

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا [البقرة: 228].

وقال الله تعالى: ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطلاق: 2] قال ابن كثير: (إِذَا بَلَغَتِ الْمعْتَدَّاتُ أَجَلَّهُنَّ، أَيْ: شَارَفْنَ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَقَارَبْنَ ذَلِكَ، وَلَكِنْ لَمْ تَفْرُغِ الْعِدَّةُ بِالْكُلِّيَّةِ).

[الأحاديث]

1103- عن عمران بن حصـين رضي الله عنه: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَّأتِهِ، ثُمَّ يُرَاجِعُ، وَلَا يُشْهِدُ. فَقَالَ: «طَلَقْتَ لِغْيرِ سُنَّة، ورَاجَعتَ لِغْيرِ سُنَّةُ، أَشْهِدْ عَلَى طَلَاقِهَا، وَعَلَى رَجْعَتِهَا»، رواه أبو داود هكذا موقوفًا، وسنده صحيح.

وأخرجه البيهقي بلفظ: «أن عمران بن حصين سئل عمن راجع امرأته، ولم يشهد، فقال: في غير سنة؟ فليشهد الآن»، وزاد الطبراني في رواية: ويستغفر الله. [إسناده منقطع].

1104- وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أَنَّهُ لَمَّا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعُمَرَ: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا»، متفق عليه.

التوضيح:

- الرجعة: إعادة مطلقة غير بائن إلى عصمة النكاح بغير عقد.

الدلالات الفقهية:

1 - دلَّ الحديث على شرعية الرجعة، والأصل فيها قوله تعالى: ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ [البقرة:228]، وقد أجمع العلماء على أن الزوج يملك رجعة زوجته في الطلاق الرجعي ما دامت في العدة، من غير اعتبار رضاها ورضا وليها.

2 - والحديث دلَّ على ما دلَّت عليه آية سورة الطلاق، وهي قوله: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطلاق: 2] بعد ذكره الطلاق، وقد اتفق الناس على أن الطلاق من غير إشهاد جائز.

وأما الرجعة، فيحتمل أنها تكون في معنى الطلاق؛ لأنها قرينته، فلا يجب فيها الإشهاد؛ لأنها حق للزوج، ولا يجب عليه الإشهاد على قبضه[1]. وهو مذهب الحنفية، والصحيح عند المالكية، والشافعية ورواية عند الحنابلة، وقيل يجب الإشهاد، وهو ظاهر الخطاب، وهو قول ابن بكير وغيره من المالكية، وهو رواية عند الحنابلة[2].

3 - في حديث ابن عمر دليل على مشروعية الرجعة في الطلاق البدعي، وهو هنا الطلاق في الحيض، والرجعة فيه مستحبة عند الشافعية والحنابلة، وواجبة عند الحنفية والمالكية[3]، وهذا أظهر.

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - إباحة مراجعة الرجل زوجته من نعم الله تعالى على عباده؛ فإن الزوج إذا فارق زوجته وتاقت نفسه إليها وَجَدَ السبيل إلى ردها، فإن طلقها الثالثة لم يبق له سبيل عليها إلا بعد أن تنكح زوجًا غيره، نكاح رغبة لا نكاح تحليل[4].

2 - والحكمة من رجعتها في الطلاق البدعي: ليقع الطلاق في زمن الإباحة، وهو الطهر، وليزول الشيء الذي حَرُمَ الطلاق في الحيض لأجله.

طريقة الاستدلال:

1 - حديث عمران يحتمل أن عمران قاله اجتهادًا؛ إذ للاجتهاد فيه مسـرح، إلا أن قوله في بعض الروايات: «ورَاجَعتَ لِغْيرِ سُّنَّةُ» قد يقال: إن السنّة إذا أطلقت في لسان الصحابي يراد بها سنة النبي ، فيكون مرفوعًا، إلا أنه لا يدل على الإيجاب؛ لتردد سنته ﷺ بين الإيجاب والندب[5].

2 - الرجعة في الطلاق البدعي مستحبة عند الشافعية والحنابلة؛ لأن ابتداء النكاح ليس بواجب، فاستدامته بالرجعة كذلك. والأظهر أن الرجعة واجبة؛ لأن قوله: «فَليُرَاجِعْهَا» أمر، والأصل فيه الوجوب، ولأن الطلاق لما كان محرمًا حال الحيض كانت استدامة النكاح فيه واجبة.

3- واستدل الفريقان على أن الإشهاد مطلوب بقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطلاق: 2]. فحمل الفريق الأول الأمر على الاستحباب، وذلك لأن الرجعة لا تفتقر إلى قبول، فلم تفتقر إلى شهادة، كسائر حقوق الزوج، ولأنها استدامة للنكاح وهذا لا يتطلب الإشهاد، وحمل الفريق الثاني الأمر على الوجوب وهو ظاهر الأمر.

Adobe Systemsباب الإيلاء والظهار والكفارة

الإيلاء وأحكامه:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ٢٢٥ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ۖ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ٢٢٦ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة: 225 - 227].

[الأحاديث]

1105- عن عائشة رضي الله عنها قالت: «آلَى رَسُولُ الله ﷺ مِنْ نِسَائِهِ وَحَرَّمَ، فَجَعَلَ الْـحَرَامَ حَلَالًا، وَجَعَلَ لِلْيَمِينِ كَفَّارَةً»، رواه التّرمذيّ، ورواته ثقات. [أعلَّه بالإرسال الترمذي في السنن (1201)، والبيهقي في الخلافيات (6/ 278)، وغيرهما].

1106- وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «إِذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ يوقف الْـمُؤْلِي حَتَّى يُطَلِّقَ، وَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ حَتَّى يُطَلِّقَ»، أخرجه البخاريّ.

1107- وعن سليمان بن يسار قال: «أَدْرَكْتُ بِضْعَةَ عَشَرَ رَجلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ كُلُّهُمْ يَقِفُونَ الْـمُؤْلِي»، رواه الشّافعيّ.

1108- وعن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: «كَانَ إِيلَاءُ الـجاهِلِيَّةِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ، فَوَقَّتَ الله أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، فَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَلَيْسَ بِإِيلَاءٍ»، أخرجه البيهقيّ. [صحَّحه ابن حجر في الدراية (579)].

التوضيح:

- الإيلاء في اللغة: الحلف، وشرعًا: هو حلفُ زوج مكلَّف بالله أو صفته على ترك وطء زوجته في القبل أكثر من أربعة أشهر.

- آلى من نسائه: أي: حلف لا يدخل على نسائه، وإنما عداه: بمن، حملا على المعنى، وهو الامتناع من الدخول.

الدلالات الفقهية:

1 - في حديث عائشة دليل على جواز إيلاء الرجل من زوجته [6].

2 - وفيه جواز هجر الرجل زوجه في غير البيت.

3 - إذا كفَّر عن يمينه سقط عنه الإيلاء، وفيه تقديم الكفارة على الحنث، وذلك جائز بالإجماع في مسألة الإيلاء [7]. وإن وطئها في الأربعة الأشهر حنث في يمينه، ولزمته الكفارة، وسقط الإيلاء بالإجماع[8].

4 - لا يثبت حكم الإيلاء للرجل حتى يحلف على أكثر من أربعة أشهر، فإن كانت مدة الامتناع أربعة أشهر، لم يثبت له حكم الإيلاء؛ لأن الله جعل لهم مدة أربعة أشهر، وكذلك من حلف على ترك الوطء أقل من أربعة أشهر لا يكون موليًا، ويصبح إذا قيده بأربعة أشهر أو أقل يمينًا منعقدة.

5 - في حديثي ابن عمر وسليمان بن يسار دليل على أن الطلاق لا يقع بمجرد انتهاء فترة الإيلاء، فإذا انقضت مدة الإيلاء أُوقف المولِي، وطولب بالفيئة وتكفير اليمين، أو الطلاق، خلافًا للحنفية الذين يرون أنها إذا مضت الأربعة أشهر، فإنها تبين منه مباشرة بتطليقة[9].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - اختلفت الروايات في سبب إيلائه ﷺ، وفي الشـيء الذي حرّمه على روايات، فيها أسباب ثلاثة: إما لإفشاء بعض نسائه السرّ، والسر أحد شيئين: إما تحريمه مارية، أو العسل، وإما بتحريج صدره من قبل ما فرقه بينهن من الهدية، أو تضييقهن في طلب النفقة. قال ابن حجر: (واللائق بمكارم أخلاقه ﷺ، وسعة صدره، وكثرة صفحه: أن يكون مجموع هذه الأشياء سببا لاعتزالهن)[10].

2 - وفي حديث ابن عباس أن الإيلاء بدون تحديد كان من فعل الجاهلية، فقد كان الرجل في الجاهلية إذا غضب من زوجته حلف ألا يطأها السنة والسنتين، أو ألا يطأها أبدًا، ويمضـي في يمينه من غير لوم أو حرج، وقد تقضـي المرأة عمرها كالمعلقة، فلا هي زوجة تتمتع بحقوق الزوجة، ولا هي مطلقة تستطيع أن تتزوج برجل آخر، فيغنيها الله من سعته [11].

3 - الإيلاء فيه تأديب للنساء العاصيات الناشزات على أزواجهن، فأبيح منه بقدر الحاجة وهو أربعة أشهر، أما ما زاد على ذلك، فإنه ظلم وجور، وربما حمل الزوجين على تعدي حدود الله تعالى، فألغته الشريعة الإسلامية.

طريقة الاستدلال:

1 - ظاهر قوله تعالى: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ [البقرة:226] أنه لا يثبت حكم الإيلاء إن كانت مدة الامتناع أربعة أشهر، وهو مذهب الجمهور؛ لأن الله جعل للزوج مدة أربعة أشهر، وذكر الفيئة بعد المدة بفاء التعقيب، وهذا يقتضي أن يكون بعد المدة.

ولو حلف: ألا يقرب زوجته أقل من أربعة أشهر فإنه لا يكون إيلاء عند الجميع.

2 - الصحابة أفهم الناس للقرآن، ولأحكام الشرع، فما حكاه سليمان بن يسار عن اثني عشـر منهم أنهم يوقفون المولي إذا انقضت مدة الإيلاء، ولا يجعلونه طلاقًا، يرجح الأخذ بهذا القول.

الظهار وكفارته:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ ۖ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ ۚ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ٢ وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ۚ ذَٰلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ٣ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ۖ فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ۚ ذَٰلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ۚ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۗ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ [المجادلة: 2 - 4].

[الأحاديث]

1109- عن ابن عباس رضي الله عنهما: أَنَّ رَجُلًا ظَاهَرَ مِنِ امْرَأَتِهِ، ثُمَّ وَقَعَ عَلَيْهَا، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي وَقَعْتُ عَلَيْهَا قَبْلَ أَنْ أُكَفِّرَ، قَالَ: «فَلَا تَقْرَبْهَا حَتَّى تَفْعَلَ مَا أَمَرَكَ الله بِهِ»، رواه الأربعة، وصحَّحه التّرمذيّ، ورجّح النّسائيّ إرساله. [وكذلك أبو حاتم في العلل (1294)، وغيره]. ورواه البزّار من وجه آخر، عن ابن عبّاس رضي الله عنهما، وزاد فيه: «كَفِّرْ وَلَا تَعُدْ». [إسناده ضعيف جدًّا].

1110- وعن سلمة بن صخر رضي الله عنه قال: دَخَلَ رَمَضَانُ، فَخِفْتُ أَنْ أُصِيبَ امْرَأَتِي، فَظَاهَرْتُ مِنْهَا، فَانْكَشَفَ لِي مِنْهَا شَيْءٌ لَيْلَةً، فَوَقَعَتْ عَلَيْهَا، فَقَالَ لِي رَسُولُ الله ﷺ: «حَرِّرْ رَقَبَةً» قُلْتُ: مَا أَمْلِكُ إِلَّا رَقَبَتِي. قَالَ: «فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ»، قُلْتُ: وَهَلْ أَصَبْتُ الذِي أَصَبْتُ إِلَّا مِنْ الصِّيَامِ؟ قَالَ: «أَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا»، أخرجه أحمد والأربعة إلا النسائي، وصحَّحه ابن خزيمة وابن الجارود. [أعلَّه البخاري بالانقطاع في العلل الكبير للترمذي (306)].

ترجمة الراوي:

سلمة بن صخر البياضي الأنصاري الخزرجي، سكن المدينة، وهو أحد البكائين الذين أتوا رسول الله ﷺ وهو يريد تبوك يستحملونه، فقال: لا أجد ما أحملكم عليه، فـ ﴿ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ [التوبة: 92]، فنزل فيهم القرآن.

التوضيح:

- الظهار: هو أن يشبه الرجل امرأته، أو عضوًا منها بمن تحرم عليه من قريباته كأمه أو أخته ولو إلى أمد [12].

الدلالات الفقهية:

1 - الظهار محرم، وقد أجمع العلماء على تحريمه وإثم فاعلَّه، كما قال الله تعالى: وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا ۚ [13].

2 - يحرم على المظاهر وطء زوجته قبل أن يكفر بلا خلاف - إذا كانت الكفارة عتقًا أو صومًا- فإن وطئ عصى ربه لمخالفته أمره، وتستقر الكفارة في ذمته، فلا تسقط بعد ذلك بموت، ولا طلاق ولا غيره، وتحريم زوجته عليه باق بحاله حتى يكفّر[14].

3 - قول سلمة بن صخر: «فظاهرت منها»، ظهار مؤقت -وهو أن يقول الرجل لامرأته: أنت عليَّ كظهر أمي شهرًا أو مدة معينة- ويدل على ذلك قوله في الحديث: «دَخَلَ رَمَضَانُ، فَخِفْتُ أَنْ أُصِيبَ امْرَأَتِي، فَظَاهَرْتُ مِنْهَا»؛ فمراده هو منع نفسه من وطئها خلال شهر رمضان حتى لا يفسد صيامه.

أما الظهار المطلق فهو أن يقول: «أنت عليَّ كظهر أمي»، ولم يبين مدة.

وقد اختلف الفقهاء في الظهار المؤقت على ثلاثة أقوال:

أ - فذهب الحنفية، والحنابلة، والشافعية -في القول الأظهر- إلى أنه يقع مؤقتًا، ولا يكون المظاهر عائدًا إلا بالوطء في المدة، فإن لم يقربها حتى مضت المدة سقطت عنه الكفارة، وبطل الظهار عملا بالتأقيت.

ب - وذهب المالكية والشافعية في غير الأظهر إلى أن الظهار لا يقبل التأقيت، فإن قيَّده بوقت تأبـَّد كالطلاق، فيُلغى التأقيت، ويصير مظاهرًا أبدًا لوجود سبب الكفارة.

ج - وفي قول ثالث للشافعية أن الظهار المؤقت لغو[15].

3 - دلَّ حديث ابن عباس على ما أجمع عليه العلماء من أن الظهار يقتضـي تحريمًا للزوجة تزيله الكفارة، فلو وطئها قبل التكفير أثم[16].

4 - كفارة الظهار لا تجب بنفس الظهار، وإنما تجب بالعود؛ لقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا ، وهو قول المالكية وبعض الحنفية، والشافعية في أحد الأوجه، رجَّحه الشربيني الخطيب، وهو ما رجَّحه ابن قدامة في مذهب الحنابلة[17]، والعود هو الوطء أو العزم عليه.

5 - يحرم الاستمتاع مطلقًا بالـمُظاهر منها، ولو بما دون الوطء، وهو قول الجمهور[18].

6 - في حديث سلمة بن صخر بيان كفارة الظهار، وأنها مرتبة على ما جاء في القرآن، فيجب عليه أن يعتق قبل أن يمس امرأته، ولا يجزئ في الكفارات كلها إلا رقبة مؤمنة عند الجمهور[19].

7 - من لم يجد رقبة يعتقها، فعليه صيام شهرين متتابعين، فيوالي بين صيام أيامهما، بلا فطر فيها، وقد أجمع أهل العلم على وجوب التتابع في الصيام في كفارة الظهار، وأجمعوا على أن من صام بعض الشهر ثم قطعه لغير عذر؛ كمرض وحيض وجنون وأفطر؛ أن عليه استئناف الشهرين، وإنما كان كذلك لورود لفظ الكتاب والسنة به[20].

8 - إذا لم يجد الرقبة، ولم يستطع الصيام؛ ففرضه إطعام ستين مسكينًا على ما أمر الله تعالى في كتابه، وجاء في سنة نبيه ، سواء عجز عن الصيام لكبر، أو مرض يخاف بالصوم تباطؤه، أو الزيادة فيه، أو الشبق فلا يصبر فيه عن الجماع؛ لحديث أوس بن الصامت[21].

9 - لا يجزئه دفع الكفارة إلا إلى المساكين، ويدخل فيهم الفقراء، كما يدخل المساكين في لفظ الفقراء عند الإطلاق، وهو ظاهر القرآن، ولا بد من استيفاء عدد الستين، فلو أطعم واحدًا ستين يومًا، لم يُجْزِه إلا عن واحد، هذا قول الجمهور مالك، والشافعي، وأحمد في إحدى الروايتين عنه. وقيل: الواجب إطعام ستين مسكينًا ولو لواحد، وهو مذهب أبي حنيفة. وقيل: إن وجد غيره لم يجز وإلا أجزأه، وهو ظاهر مذهب أحمد، وهو أصح الأقوال[22].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1- الاجتهاد في المسائل العلمية بلا علم قد يوقع صاحبه في أخطاء كبيرة، فلا يجتهد طالب العلم حتى يكون عنده آلة الاجتهاد وعدته، من التوسع في العلوم الشرعية، والعلوم العربية.

2- تحصين الشارع للمسلمين عن المعاصي بفرض هذه العقوبات التي تمنعهم من الوقوع فيها، وتحصين محارمه بهذا السياج، من الغرامات التي تصونها عن الانتهاك[23].

طريقة الاستدلال:

1 - الظهار محرم؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا [المجادلة: 2]، والمنكر حرام، والزور حرام[24].

2 - قوله: أنتِ عليَّ كظهر أمي يقتضي تحريم كل استمتاع بلفظه ومعناه، وعليه فيحرم على المظاهر الوطء ودواعيه، وسائر الاستمتاعات.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة