حجم الخط:

محتوى الدرس (121)

Adobe Systemsباب اللعان

اللعان وأحكامه:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ٦ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ٧ وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ ٨ وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ [النور: 6 - 9].

[الأحاديث]

1111- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «سَأل فُلَانٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَرَأَيْتَ أَنْ لَوْ وَجَدَ أَحَدُنَا امْرَأَتَهُ عَلَى فَاحِشَةٍ، كَيْفَ يَصْنَعُ؟ إِنْ تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ! فَلَمْ يُجِبْهُ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَتَاهُ، فَقَالَ: إِنَّ الذِي سَألتُكَ عَنْهُ قَدِ ابْتُلِيتُ بِهِ، فَأَنْزَلَ الله الآيَاتِ فِي سُورَةِ النُّورِ، فَتَلَاهُنَّ عَلَيْهِ وَوَعَظَهُ وَذَكَّرَهُ، وَأَخْبَرَهُ أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الآخِرَةِ. قَالَ: لَا، وَالذِي بَعَثَكَ بِالْـحَقِّ مَا كَذَبْتُ عَلَيْهَا، ثُمَّ دَعَاهَا النَّبِيُّ ﷺ فَوَعَظَهَا كَذَلِكَ، قَالَتْ: لَا، وَالذِي بَعَثَكَ بِالْـحَقِّ إِنَّهُ لَكَاذِبٌ، فَبَدَأَ بِالرَّجُلِ، فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ، ثُمَّ ثَنَّى بِالْـمَرْأَةِ، ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا»، رواه مسلم.

1112- وعنه أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ لِلْمُتَلَاعِنَيْنِ: «حِسَابُكُمَا عَلَى الله تَعَالَى، أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ، لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا» قَالَ: يَا رَسُولَ الله، مَالِي؟ قَالَ: «إِنْ كُنْتَ صَدَقْتَ عَلَيْهَا، فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا، وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ عَلَيْهَا، فَذَاكَ أَبْعَدُ لَكَ مِنْهَا»، متّفق عليه.

1113- وعنه: «أن رجلًا رمى امرأته، وانتفى من ولدها في زمن رسول الله ﷺ فأمرهما رسول الله ﷺ فتلاعنا كما قال الله تعالى، ثم قضى بالولد للمرأة، وفرق بين المتلاعنين»، متفق عليه.

1114- وعن أنس رضي الله عنه أنّ النّبيّ ﷺ قال: «أَبْصِـرُوهَا، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَبْيَضَ سَبِطًا فَهُوَ لِزَوْجِهَا، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ جَعْدًا، فَهُوَ لَلَّذِي رَمَاهَا بِهِ»، رواه مسلم.

1115- وعن ابن عبّاس رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عِنْدَ الـخَامِسَةِ عَلَى فِيهِ، وَقَالَ: «إِنَّهَا مُوجِبَةٌ»، رواه أبو داود والنسائي، ورجاله ثقات. [قال ابن عبد الهادي في المحرر (1096): إسناده لا بأس به].

1116- وعن سهل بن سعد -في قصّة المتلاعنين- قال: «فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ تَلَاعُنِهِمَا قَالَ: كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ الله إِنْ أَمْسَكْتُهَا، فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ الله ﷺ»، متّفق عليه.

سبب ورود حديث أنس:

روى مسلم عن محمد بن سيرين، قال: سألت أنس بن مالك، وأنا أرى أن عنده منه علمًا، فقال: إن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك ابن سحماء، وكان أخا البراء بن مالك لأمه، وكان أول رجل لاعن في الإسلام، قال: فلاعنها، فقال رسول الله : «أبصـروها، فإن جاءت به أبيض سبطًا قضيء العينين فهو لهلال بن أمية، وإن جاءت به أكحل جعدًا حمش الساقين فهو لشريك بن سحماء»، قال: فأنبئت أنها جاءت به أكحل جعدًا حمش الساقين.

التوضيح:

- اللعان: هو شهادات تجري بين الزوجين مؤكدة بالأيمان مقرونة باللعن من جانب الزوج وبالغضب من جانب الزوجة.

- حِسَابُكُمَا عَلَى اللهِ تَعَالَى: أي محاسبتكما وتحقيق الأمر والمجازاة عليه.

- لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا: أي لم تعد تجوز لك، فقد حرمت عليك تحريمًا مؤبدًا.

- يَا رَسُولَ اللهِ! مَالِي؟: أي أين يذهب مالي الذي أعطيتها إياه مهرًا؟

- إِنْ كُنْتَ صَدَقْتَ عَلَيْهَا، فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا: أي: مالك في مقابلة وطئك إياها.

- وانتفى من ولدها: أنكره وبرئ منه.

- سَبِطًا: أي: ذا شعر مسترسل.

- أَكْحَلَ: أي في منابت أجفانه سواد كأنه كحل.

- جَعْدًا: أي في شعره جعودة.

- موجبة: أي للفراق المؤبد في الدنيا، أو للعذاب الشديد في الآخرة.

الدلالات الفقهية:

1 - سبب اللعان: رَمْيُ الزوج زوجته بالزنا، أو نفي الولد الناتج منها، فإذا حصل ذلك منه فله ثلاث حالات:

الأولى: أن يقيم بيِّنة شرعية، وهي أربعة شهود على صحة دعواه، فإذا أقام البينة أقيم على المرأة حد الزنا.

الثانية: ألا يكون بيِّنة، ولكن تقر هي بذلك، فيقام عليها حد الزنا.

الثالثة: ألا يكون بيِّنة ولا إقرار، فيقام عليه حد القذف؛ لعموم آية القذف، إلا أن يُسقط الزوج حد القذف باللعان.

2 - وجوب أن تكون البداءة بالرجل في اللعان، ونقل القاضي وغيره إجماع المسلمين على الابتداء بالزوج، ثم قال الجمهور: لو لاعنت المرأة قبله لم يصح لعانها، وقال أبو حنيفة: يصح[1].

3 - لا يقبل من الرجل ولا من المرأة أقل من خمس مرات، ولا يقبل من الرجل: أن يبدل باللعنة الغضب، والإبعاد، والسخط، ولا يقبل منها: أن تبدل بالغضب اللعنة، والإبعاد، والسخط، بل يأتي كل منهما بما قسم الله له من ذلك شرعًا وقدرًا، وهذا أصح القولين في مذهب أحمد ومالك وغيرهما[2].

4 - يجب أن يلتزم المتلاعنان باللفظ وعدد الشهادات؛ بأن يقول الرجل أربع مرات: أشهد بالله أني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا أو نفي الولد، ثم يزيد في الخامسة: أنّ لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. ثم بعد ذلك تقول الزوجة أربع مرات: أشهد بالله أنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا أو نفي الولد، ثم تزيد في الخامسة: أنّ غضب الله عليها إن كان من الصادقين.

5 - وفي الحديث الثاني دليل على أن كل فُرقة بعد الدخول بالزوجة لا تؤثر في إسقاط المهر، مهما كان سببها[3].

6 - وفي الحديث الثالث أن اللعان إذا تم على الصفة المشروعة ترَتَّبتْ عليه آثاره، فإذا كان الرجل قد نفى الولد، فإنه بتمام اللعان يصبح الولد منسوبًا إلى أمه فقط.

7 - ويترتب عليه أيضًا سقوط حد القذف عن الزوج، وسقوط حد الزنا عن المرأة، كما أنه يترتب عليه وقوع الفرقة المؤبدة بين الزوجين، ويحرم عليه نكاحها على التأبيد؛ كما دل عليه الحديث الثاني، والحديث الثالث.

8 - وفي حديث أنس دليل على أنه يصح اللعان للمرأة الحامل، ولا يؤخر إلى أن تضع، وإليه ذهب الجمهور، وهو الراجح لهذا الحديث.

9 - قوله ﷺ في تكملة الحديث: «لولا ما مضى من كتاب الله، لكان لي ولها شأن» فيه دليل على أن الأحكام الماضية لا تنقض، ما لم تكن مخالفة لنص من الكتاب، أو السنة، أو الإجماع.

10 - وفي حديث سهل دليل على ما ذهب إليه الجمهور من أن الفرقة تقع بين الزوجين بمجرد اللعان [4]. وذهب الحنفية وأحمد في رواية إلى أنه لا تتم الفرقة بين المتلاعنين إلا بحكم القاضي لما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: «فرق رسول الله ﷺ بين المتلاعنين، وقال: حسابكما على الله»[5].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - الأزواج داخلون في عموم آية القذف، ولكن الله تعالى جعل لهم مخرجًا فأنزل آيات اللعان، فإذا قذف زوجته وتعسَّر عليه إقامة البينة فله أن يلاعن؛ لأنه يبعد غاية البعد أن يقذف الرجل زوجته بما لم يكن، لأن عليه في ذلك عارًا كما عليها، فجعل الله تعالى للزوج حكمًا خاصًا ومخرجًا ثالثًا غير البينة أو الحد، حيث إنه لا يستطيع إحضار أربعة شهود[6].

2 - الحكمة من بداءة آيات سورة النور بالمرأة عند ذكر حدِّ الزنا، وتأخيرها في اللعان: أن الزنا منها أقبح لتعدد المحظورات فيه، وأما البداءة بالرجل في اللعان، فلأن جانبه هنا أقوى من جانب المرأة، فهو مدَّعِي، وأيمانه قائمة مقام البينة، ولمَّا كان قاذفًا لها كان موجب قذفه أن يُحدَّ بقذفه لها، فمُكِّن أن يدفع عن نفسه الحد بالتعانه، ثم طولبت هي بعد ذلك بأن تقر أو تلاعن، فإن أقرت حُدّت، وإن أنكرت والتعنت درأت عنها الحد بلعانها[7].

3 - الحكمة من مشروعية اللعان للزوج: ألاَّ يلحقه العار بزناها، ويفسد فراشه، ولئلا يلحقه ولد غيره، وهو لا يمكنه إقامة البينة عليها في الغالب، وهي لا تقر بجريمتها، وقوله غير مقبول عليها، فلم يبق سوى حلفهما بأغلظ الأيمان، فكان في تشريع اللعان حلًا لمشكلته، وإزالة للحرج، ودرءًا لحد القذف عنه، ولما لم يكن له شاهد إلا نفسه مُكِّنت المرأة أن تعارض أيمانه بأيمان مكررة مثله، تدرأ بها الحد عنها، وإلا وجب عليها الحد، وإن نكل الزوج عن الأيمان وجب عليه حد القذف، وإن نكلت هي بعد حلفه صارت أيمانه مع نكولها بَيِّنَةً قوية، لا معارض لها، ويقام عليها الحد حينئذ.

4 - في الحديث الأول أن الإمام يعظ المتلاعنين، ويخوفهما من وبال اليمين الكاذبة، وأن الصبر على عذاب الدنيا -وهو الحد- أهون من عذاب الآخرة، ويقال لهما كما قال ﷺ للمتلاعنين: «إن الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما من تائب؟».

5 - وفيه كراهة المسائل التي لا تقع، والبحث عنها، لا سيما ما فيه أمارة الفاحشة.

6- وفيه أن الإنسان لا يقذف متهمًا بمجرد الأمارة والعلامة، حتى يتحقق من وقوع الأمر.

7 - وفيه أن النبي ﷺ لا يعلم الغيب، وإنما يحكم على نحو ما يسمع من الخصوم، ففيه تأكيد على أن الغيب لله وحده، وفيه توسيع للقضاة من أمته في وظيفتهم المبنية على الاجتهاد، وأن عليهم طلب الحق، فإن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطأوا فلهم أجر واحد، والخطأ معفو عنه[8].

8 - وفي حديث أنس دليل على العمل بالقيافة، وكان مقتضاها إلحاق الولد بالزوج إن جاءت به على صفته؛ لأنه للفراش، لكنه بيّن ﷺ المانع عن الحكم بالقيافة نفيًا وإثباتًا بقوله: «لولا الأيمان لكان لي ولها شأن»[9].

9 - والحديث يدل على حقيقة انتقال الصفات الخلقية المتنقلة بالعوامل الوراثية التي تكون سببًا في تشابه الذرية بأبويها بواسطة عملية التناسل في النبات والحيوان، ومنه الإنسان.

10 - الأفضل الورع إذا وجدت شبهة تخالف الأصل في الحكم الشرعي[10].

11 - خطورة التساهل مع شهوات النفوس ونزواتها، والاستعانة على ذلك بكثرة الطاعات ومراقبة الله والتزام الآداب مثل غض البصر واجتناب مواطن الفتن وأسباب المعصية، ومن كل ما يوقع في لعنة الله وسخطه، فرُبّ فارطٍ يصعب استدراكه، فالمرأة قد تكون ترددت في الملاعنة كما في بعض الروايات، لكنها لم تتراجع خشية أن تفضح نفسها، فجهاد النفس والتعفف من بداية الطريق أيسر وأسلم، والله أعلم.

طريقة الاستدلال:

1 - كون الله تعالى بدأ بالرجل في آيات اللعان دلَّ على وجوب البداءة به؛ قال ابن العربي: (البداءة في اللعان بما بدأ الله به، وهو الزوج، ولو بدأ بالمرأة قبله لم يُجْزِه؛ لأنه عكس ما رتبه الله، وقال أبو حنيفة: يجزيه. وهذا باطل؛ لأنه خلاف القرآن، وليس له أصل يرده إليه، ولا معنى يقوى به، بل المعنى لنا؛ لأن المرأة إذا بدأت باليمين فتنفي ما لم يثبت، وهذا لا وجه له) [11].

2 - دلَّ التعليل في قوله ﷺ: «بما استحللت من فرجها» على استقرار المهر بالدخول، فاستحلال الفرج علة لثبوت المهر. ودلَّ النص على استقرار مهر الملاعنة كما في الحديث [12].

3- القرائن لا تقدم على الأصول الثوابت: ولهذا قرر العلماء اعتبار أخبار القافة، والعمل بها إلا إذا عارضها أصل، ومن ذلك الفراش، فإن الشارع الحكيم جعله أصلًا لصاحبه، ويدًا قوية، يثبت له كل ما ولد عليه، فلا يقدم عليه شبه، أو تصادف فصيلة دم، أو نحو ذلك من القرائن التي لها عدة احتمالات[13].

حكم البقاء مع الزوجة السفيهة ونحوها:

[الأحاديث]

1117- عن ابن عبّاس رضي الله عنهما أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي لَا تَرُدُّ يَدَ لَامِسٍ. قَالَ: «غَرِّبْهَا». قَالَ: أَخَافُ أَنْ تَتْبَعَهَا نَفْسِـي. قَالَ: «فَاسْتَمْتِعْ بِهَا»، رواه أبوداود، ورجاله ثقات. [أعلَّه أحمد في العلل - رواية عبد الله (1612)، والنسائي في المجتبى (3253)، وغيرهما]. وأخرجه النّسائيّ من وجه آخر، عن ابن عبّاس رضي الله عنهما بلفظ قال: «طَلِّقْهَا». قَالَ: لَا أَصْبِرُ عَنْهَا. قَالَ: «فَأَمْسِكْهَا». [قال أحمد في العلل - رواية عبد الله (1612): ليس هذا الحديث يثبت عن النبي ، ليس لها أسانيد جياد].

التوضيح:

- لَا تَرُدُّ يَدَ لَامِسٍ: يقال: فلان لا يرد يد لامس، أي ليس فيه منعة.

- غَرِّبْهَا: من التغريب، أي: طلقها.

- أَخَافُ أَنْ تَتْبَعَهَا نَفْسـِي: أي: من شدة حبي لها فأقع معها في الزنا بعد الطلاق.

- فَاسْتَمْتِعْ بِهَا: أي: كن معها قدر ما تقضي حاجتك.

الدلالات الفقهية:

1- قوله في الحديث: «لا ترد يد لامس» قيل: معناه الفجور، وأنها لا تمتنع ممن يطلب منها الفاحشة، وقيل: معناه التبذير، وأنها لا تمنع أحدًا طلب منها شيئًا من مال زوجها، وقيل: لا تمتنع أو لا تكترث من أن يمد الفاسق يده ليتلذذ بلمسها.

والوجه الأول في غاية من البعد، بل لا يصح؛ للآية، ولأنه ﷺ لا يأمر الرجل أن يكون ديوثًا، فحمله على هذا لا يصح. والثاني بعيد؛ لأن التبذير يمكن منعها منه، ولا يوجب أمره بطلاقها. والقول الثالث هو الأقرب؛ والمراد أنها ليس فيها نفور وحشمة عن الأجانب، لا أنها تأتي الفاحشة، وكثير من النساء والرجال بهذه المثابة مع البعد من الفاحشة، ولو أراد به أنها لا تمنع نفسها عن الوقاع من الأجانب؛ لكان قاذفًا لها[14]. ويكون أمره بإمساكها أي مع الاستمرار في نصحها وزجرها، ولا يعني الرضا بفعلها؛ لأنه دياثة سواء على القول الأول أو الثالث.

2 - في الحديث دليل على مراعاة المصالح والمفاسد.

3 - وأمره بفراقها في الحديث تركًا لما يريبه إلى ما لا يريبه[15]؛ فتطليق مثل هذه المرأة أولى؛ لأنه قدَّم الطلاق على الإمساك، فلو لم يتيسر تطليقها بأن يكون يحبها، أو يكون له منها ولد يشق مفارقة الولد الأم، أو يكون لها عليه دين لم يتيسر له قضاؤه، فحينئذ يجوز أن لا يطلقها، ولكن بشرط أن يمنعها عن الفاحشة، فإذا لم يمكنه أن يمنعها عن الفاحشة يعصي بترك تطليقها.

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - من حكمته ﷺ أنه لما أخبره بأن نفسه تتبعها، وأنه لا صبر له عنها؛ رأى مصلحة إمساكها أرجح من مفارقتها[16] حتى لا يقع معها في الحرام بعد طلاقها.

2 - الواجب على المرأة التصوُّن، والتحفظ، والبعد عن الرجال الأجانب، وعدم الاختلاط بهم، والانبساط معهم؛ قال الله تعالى: ﴿ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ [الأحزاب: 32].

3- ودلَّ الحديث على أن الواجب على الرجل المحافظة على أهله من زوجة، وبنت، وأخت، وقريبة، وأن يبعدهن عن الرجال، وعن مواطن الشبهة[17].

طريقة الاستدلال:

عند إرادة ترجيح أحد الأمرين، فإنه يقدم المتحقق على المتوهم، وهنا في قوله ﷺ: «فَاسْتَمْتِعْ بِهَا»: أي: كن معها قدر ما تقضي حاجتك، فرخَّص له في إثباتها؛ لأن محبته لها محققة، ووقوع الفاحشة منها متوهم.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة