كتاب الجنايات
الترهيب من قتل النفس بغير الحق:
قال الله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ﴾ [النساء:93].
وقال الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ٦٨ يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ﴾ [الفرقان: 68-69] في الآيات ترهيب شديد ووعيد لمن قتل النفس المعصومة بغير حق حتى جعل الله تعالى هذه الجريمة بعد الشرك، وهذا يدل على عظمة حرمة الدماء.
وقال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ﴾ [البقرة: 178].
في هذه الآية وجوب القصاص من القاتل المتعمد إن قتل مسلمًا، أما حد الحرابة والمرتد والزاني فسيأتي الحديث عنها في مواضعها إن شاء الله.
1171- عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ؛ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَأَنِّي رَسُولُ الله، إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ؛ الْـمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ»، متفق عليه.
1172- وعن عائشة رضي الله عنها عن رسول الله ﷺ قال: «لَا يَحِلُّ قَتْلُ مُسْلِمٍ إِلَّا بإِحْدَى ثَلَاثِ خِصَالٍ: زَانٍ مُحْصَنٌ فَيُرْجَمُ، وَرَجُلٌ يَقْتُلُ مُسْلِمًا مُتَعَمِّدًا فَيُقْتَلُ، وَرَجُلٌ يَخْرُجُ مِنْ الإِسْلَامِ فَيُحَارِبُ الله وَرَسُولَهُ، فَيُقْتَلُ، أَوْ يُصْلَبُ، أَوْ يُنْفَى مِنْ الأَرْضِ»، رواه أبو داوود والنسائي، وصحَّحه الحاكم. [وابن عبد الهادي في تنقيح النحقيق (4/ 461)، وابن حجر في الدراية (2/ 262)].
1173- وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ»، متّفق عليه.
- الجناية: كل فعل عدوان على نفس أو مال، ولكنها مخصوصة هنا بما يحصل فيه التعدي على الأبدان، وسمى العلماء الجنايات على الأموال: غصبًا، ونهبًا، وسرقة، وخيانة، وإتلافًا.
- الثَّيِّبُ الزاني: هو الحر المكلف الذي دخل في نكاح صحيح ثم زنى.
- الْـمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ: أي: جماعة المسلمين، وفراقهم يكون بالردة عن الدين.
- والردة: هي الانتقال من دين الإسلام إلى الكفر بقول صريح أو لفظ يقتضيه أو فعل يتضمنه.
1 - في حديثي ابن مسعود وعائشة دليل على قتل الزاني المحصن، والمراد رجمه بالحجارة حتى يموت، والحكم بالرجم على الثيب الزاني أمر مجمع عليه بين أهل الحق[1].
2 - وفي قوله: «والنفس بالنفس» تأكيد لما سبق بيانه من تحريم القتل بغير وجه حق، وأنه من أعظم الذنوب، وهذا مجمع عليه[2]، ودلَّ حديث عائشة على أن من شرط وجوب القصاص على القاتل أن يكون القتيل معصوم الدم، وهو مجمع عليه كذلك[3].
3 - وفيهما: أن الردة من أسباب إباحة دم المعصوم، فالحكم بقتل المرتد محل إجماع بين العلماء في حق الرجل، واختلفوا في المرأة[4].
4 - الأولية الواردة في حديث ابن مسعود الثاني تحتمل من حيث اللفظ أن تكون مخصوصة بما يقع فيه الحكم بين الناس فقط دون ما يكون بين العبد وبين ربه، ويقويه ما جاء في الحديث: «إن أول ما يحاسب به العبد صلاته»[5].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - حِفظ النفس الإنسانية من أعظم مقاصد الدين، ومما عظَّمت الشـريعة شأنه، وفخَّمت أمره، ومن ثَمَّ فليس لأحد مهما يكن أن يسلب إنسانًا حق الحياة إلا بسلطان الشـريعة، وبالإجراءات التي تقررها، كما سيأتي.
2 - قوله ﷺ: «التارك لدينه، المفارق للجماعة»: فيه: أن الجماعة الحقة، والصلة الصحيحة، والرابطة القوية هي الإسلام، وأن الوطنية، أو القومية، أو الجنسية، كلها شعارات زائفة، ومبادئ باطلة، أدخلها علينا أعداء الإسلام؛ ليفرقوا شمل المسلمين، ويحلوا رابطتهم، ويقللوا سوادهم[6].
3 - وفي حديث ابن مسعود الآخر تعظيم لأمر الدماء؛ فإن البداءة يوم القيامة إنما تكون بالأهم فالأهم، والدماء حقيقةٌ بالبداءة بها؛ فإن الذنوب تعظم بحسب عظم المفسدة الواقعة بها، أو بحسب فوات المصالح المتعلقة بعدمها، وهدم البنية الإنسانية من أعظم المفاسد، ولا ينبغي أن يكون بعد الكفر بالله تعالى أعظم منه.
4 - في الحديث وجوب الحذر من حقوق العباد، لئلا تلحق المسلم عاقبتها في ذلك الموقف العظيم، وأعظم الحقوق: الدماء.
5 - وفيه: أن على القضاة والمحاكم العناية بأمر قضايا القتل، وجعل الأولوية لها على غيرها من القضايا[7].
1- قوله: «فيحارب الله ورسوله»، بعد قوله: «يخرج من الإسلام»، بيان لحكم خاص لخارج عن الإسلام بشكل مخصوص؛ وهو المحارب، فله حكم خاص هو ما ذكر: من القتل، أو الصلب، أو النفي، وعليه فهذا الحكم أخص من الذي أفاده حديث: «والتارك لدينه المفارق للجماعة»[8]، فإنّ المرتد غير المحارب يقتل فقط.
2- حديث: «أَوَّلُ مَا يُقْضـَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ»: لا يعارض حديث أبي هريرة: «إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته»؛ لأن الأول محمول على ما يتعلق بمعاملات الخلق، والثاني فيما يتعلق بعبادة الخالق[9].