حجم الخط:

محتوى الدرس (154)

كتاب الأيمان والنذور

[أحكام اليمين والحلف والكفارة]

حكم الحلف بغير الله:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٢٢٤ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ [البقرة: 224، 225] قال البغوي: (ومعنى الآية: لا تجعلوا الحلف بالله سببًا مانعًا لكم عن البر والتقوى، يُدعى أحدكم إلى صلة رحم أو بر، فيقول: حلفت بالله أن لا أفعله، فيعتل بيمينه في ترك البر، أن تبروا، معناه: أن لا تبروا. والعرضة: كل ما يعرض فيمنع عن الشيء).

وقال الله تعالى: ﴿ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ ۖ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ۖ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ۚ ذَٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ۚ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ [المائدة: 89] لما كان الحلف بغير الله شركًا، والشرك من أبطل الباطل، فلا ينعقد يمينًا، وكذا يمين اللغو وما وقع بغير اختيار الحالف، لأنه ليس مما عقد عليه قلبه.

[الأحاديث]

1372- عن ابن عمر رضي الله عنهما عَنْ رَسُولِ الله ﷺ أَنَّهُ أَدْرَكَ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ فِي رَكْبٍ، وَعُمَرُ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ، فَنَادَاهُمْ رَسُولُ الله ﷺ: «ألا إِنَّ الله يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِالله، أَوْ لِيَصْمُتْ»، متفق عليه.

1373- وعن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، وَلَا بِأُمَّهَاتِكُمْ، وَلَا بِالْأَنْدَادِ، وَلَا تَحْلِفُوا إِلَّا بِالله، وَلَا تَحْلِفُوا بِالله إِلَّا وَأَنْتُمْ صَادِقُونَ»، رواه أبو داود والنسائي. [أعلَّه بالإرسال الدارقطني في العلل (5/ 36)].

1374- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ لله تِسْعةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الـجنَّةَ»، متفق عليه، وساق الترمذي وابن حبان الأسماء، والتحقيق أن سردها إدراج من بعض الرواة.

التوضيح:

- الأَيمَانُ: توكيد الشيء بذكر اسم أو صفة لله تعالى على وجه مخصوص، وهو وجه القسم.

- فِي رَكْبٍ: هم العشرة فصاعدًا.

- فَليَحْلِفْ بِاللهِ: أي بأي اسم من أسماء الله تعالى، كالرحمن، والحي، والعليم، ونحو ذلك.

- بِالْأَنْدَادِ: النِّد: المثل، والمراد هنا أصنام الكفار وأوثانهم التي جعلوها لله تعالى أمثالا؛ لعبادتهم إياها وحلفهم بها، نحو قولهم: واللات والعزى.

الدلالات الفقهية:

1 - الحلف لا يكون إلا بالله تعالى، أو باسم من أسمائه، أو صفة من صفاته، وأما الحلف بغير الله فلا يجوز، وهو من الشرك الأصغر؛ لقول النبي ﷺ: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ»[1]، ويدخل في ذلك الحلف بحياة الإنسان، ورأسه، وشرفه، والحلف بأمه وأبيه، والحلف بالكعبة، وغير ذلك من المخلوقات.

2 - اليمين بغير الله يمين غير منعقدة، ولا تلزم فيها كفارة، قال ابن قدامة رحمه الله: (ولا تنعقد اليمين بالحلف بمخلوق؛ كالكعبة، والأنبياء، وسائر المخلوقات، ولا تجب الكفارة بالحنث فيها، وهو قول أكثر الفقهاء)[2]، لكن لو حلف بالحرام أو الطلاق أو النذر، فهي من أيمان المسلمين، وعلى من حلف بها كفارة يمين كما قرَّره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله[3].

3- قوله: «ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون» يدل على تحريم الحلف على الشيء وهو يعتقد كذبه، وهذه اليمين هي الغموس المحرمة، والله أعلم.

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - قال الإمام النووي رحمه الله في شرح مسلم: (الحكمة في النهي عن الحلف بغير الله تعالى: أن الحلف يقتضي تعظيم المحلوف به، وحقيقة العظمة مختصة بالله تعالى، فلا يضاهى به غيره)[4].

2 - ينبغي تعظيم الله تعالى في ألا يحلف المسلم إلا به، كما ينبغي تحري الصدق في الأقوال، لا سيما إن اقترنت بها الأيمان، فإنها تكون أغلظ والكذب فيها أشنع.

3 - قوله: «من أحصاها دخل الجنة»: قيل: المراد بإحصائها حفظها، والإيمان بها، وبمقتضاها، والعمل بمدلولاتها؛ وعلى هذا يكون (أحصاها) بمعنى أطاقها من الإطاقة؛ كقوله تعالى: ﴿ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ [المزمل: ٢٠]، ومنه حديث: «استقيموا ولن تحصوا» أي لن تبلغوا كنه الاستقامة؛ فمعنى «من أحصاها»: من أطاق القيام بحق هذه الأسماء وعمل بمقتضاها؛ وهو أن يعتبر معانيها فيلزم نفسه بواجبها، فإذا قال: «الرزاق»، وثق بالرزق، وكذا سائر الأسماء[5]. وقيل: إن معنى «أحصاها» أي: حفظها؛ بدليل الرواية المفسـرة: «من حفظها دخل الجنة»، وقد فسَّرها البخاري في صحيحه رقم (7392) بالحفظ فقال بعد روايته الحديث: «أحصيناه: حفظناه». وأجيب بأنه لا يلزم من مجيئه بلفظ: (حفظها) تعين السرد عن ظهر قلب، بل يحتمل الحفظ المعنوي[6]. وقال ابن بطال في طرق العمل بأسماء الله الحسنى: إن ما كان من أسماء الله تعالى يسوغ الاقتداء به، كالرحيم والكريم، فيمرّن العبد نفسه على أن يصح له الاتصاف بالرحمة والكرم اللائقة به، وما كان يختص بالله -جل وعلا- كالجبار والعظيم، فعلى العبد الإقرار بها، والخضوع لها، وعدم التحلي بصفة منها، وما كان فيه معنى الوعد يقف فيه عند الطمع والرغبة، وما كان فيه الوعيد يقف منه عند الخشية والرهبة. ويؤكد هذا أن حفظها لفظًا من دون عمل واتصاف كحفظ القرآن من دون عمل؛ كما جاء في الحديث: «يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم»[7].

طريقة الاستدلال:

1 - الحديثان الأولان دليل على النهي عن الحلف بغير الله تعالى، والنهي في الأصل للتحريم، وبه قالت الحنابلة والظاهرية.

واستدل القائل بالكراهة بحديث «أفلح وأبيه إن صدق»[8]، وأجيب عنه من وجوه، أهمها وجهان:

الأول: أن هذه اللفظة غير محفوظة، وقد جاءت عن راويها: «أفلح والله إن صدق».

والثاني: أنها لم تخرج مخرج القسم، بل هي من الكلام الذي يجري على الألسنة، مثل تربت يداه ونحوه[9].

2 - الأظهر عدم وجوب الكفارة في الحلف بغير الله؛ لأن الكفارة مشروعة فيما أذن الله تعالى أن يحلف به، لا فيما نهى عنه، ولأنه لم يذكر الشارع كفارة، بل ذكر في بعض الروايات أنه يقول كلمة التوحيد لا غير[10].

اليمين على نية الحالف إلا عند القاضي:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ٩٤ وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [النحل: 94، 95].

قال ابن كثير: (ثُمَّ حَذَّرَ تَعَالَى عِبَادَهُ عَنِ اتِّخَاذِ الْأَيْمَانِ دَخَلًا أَيْ خَدِيعَةً وَمَكْرًا، لِئَلَّا تَزل قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا: مَثَلٌ لِمَنْ كَانَ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ فَحَادَ عَنْهَا وَزَلَّ عَنْ طَرِيقِ الْهُدَى، بِسَبَبِ الْأَيْمَانِ الْحَانِثَةِ ...ثُمَّ قال تعالى: ﴿ وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أَيْ: لَا تَعْتَاضُوا عَنِ الْإِيْمَانِ بِاللهِ عَرَض الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا، فَإِنَّهَا قَلِيلَةٌ، وَلَوْ حِيزَتْ لِابْنِ آدَمَ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا لَكَانَ مَا عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْرٌ لَهُ).

[الأحاديث]

1375- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ بِهِ صَاحِبُكَ»، وفي رواية: «اليَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْـمُسْتَحْلِفِ»، أخرجهما مسلم.

الدلالات الفقهية:

1 - اليمين على نية الحالف في كل الأحوال إلا إذا استحلفه القاضي أو نائبه في دعوى توجهت عليه، فتكون على نية المستحلف، قال النووي -رحمه الله-: (وهذا الحديث محمول على الحلف باستحلاف القاضي، فإذا ادّعى رجل على رجل حقًا، فحلَّفه القاضي، فحلف وورى، فنوى غير ما نوى القاضي؛ انعقدت يمينه على ما نواه القاضي، ولا تنفعه التورية، وهذا مجمع عليه، ودليله هذا الحديث والإجماع)[11].

2 - التورية وإن كان لا يحنث بها، فلا يجوز فعلها حيث يبطل بها حق مستحق، وهذا مجمع عليه[12].

كفارة اليمين:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النور: 22] هذه الآية نزلت في قصة أبي بكر رضي الله عنه ومسطح بن أثاثة، وكان من قرابة أبي بكر، وكان أبو بكر ينفق عليه لمسكنته، فلما وقع أمر الإفك بلغ أبا بكر أنه وقع مسطح مع من وقع، فحلف أبو بكر لا ينفق عليه، ولا ينفعه بنافعة أبدا، فجاء مسطح معتذرًا، وقال: إنما كنت أسمع ولا أقول، فنزلت الآية، ثم قال الله تعالى: ﴿ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ الآية، أي: كما تحبون عفو الله لكم عن ذنوبكم فكذلك اغفروا لمن دونكم، فقال: بلى، إني أحب أن يغفر الله لي، ورجع إلى مسطح ما كان يجري عليه من النفقة والإحسان. قال ابن العربي: (وفي هذه الآية دليل على أن الحنث إذا رآه الإنسان خيرًا هو أولى من البر).

وقال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ۖ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ١ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ۚ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ ۖ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [التحريم: 1، 2]. قال ابن كثير: (ومن هاهنا ذَهَبَ مَنْ ذَهَبَ مِنَ الْفُقَهَاءِ مِمَّنْ قَالَ بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ حَرَّمَ جَارِيَتَهُ أَوْ زَوْجَتَهُ أَوْ طَعَامًا أَوْ شَرَابًا أَوْ مَلْبَسًا أَوْ شَيْئًا مِنَ الْمُبَاحَاتِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَطَائِفَةٍ).

وقال الله تعالى عن الكفارة: ﴿ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ ۖ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ۖ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ۚ ذَٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ۚ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ [المائدة: 89].

[الأحاديث]

1376- عن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، وَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ»، متفق عليه. وفي لفظ للبخاري: «فَائت الذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ». وفي رواية لأبي داود: «فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، ثُمَّ ائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ»، وإسنادها صحيح. [صحَّحها ابن عبد الهادي في المحرر (1091)، والزيلعي في نصب الراية (3/ 298)].

ترجمة الراوي:

عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب العبشمي، أبو سعيد القرشي الأمير، أحد الأشراف، أسلم يوم الفتح، وشهد تبوك ثم فتوح العراق، وغزا سجستان أميرًا على الجيش، نزل البصـرة، ومات سنة (50)، وقيل: سنة (51).

التوضيح:

- الكفّارة: ما يكفر به الإثم ويُغطّى، والمراد به هنا: ما يجب بعد الحنث في اليمين، والحنث هو: نقضها وعدم الوفاء بها.

الدلالات الفقهية:

1 - في هذه الأحاديث دلالة على أن من حلف على فعل شيء أو تركه - وكان الحنث خيرًا من التمادي على اليمين - استحب له الحنث وتلزمه الكفارة، وهذا متفق عليه.

2 - وأجمعوا على أنه لا تجب عليه الكفارة قبل الحنث، واختلفوا في جوازها بعد اليمين وقبل الحنث، فجوزها مالك والأوزاعي والثوري والشافعي وأربعة عشر صحابيًا وجماعات من التابعين، وهو قول جماهير العلماء، لكن قالوا: يستحب كونها بعد الحنث[13].

3 - كفارة اليمين جاءت في قوله تعالى: ﴿ وَلَٰكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ ۖ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ۖ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ۚ ذَٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ [المائدة: 89][14].

4 - الخصلة الأولى من خصال الكفارة: الإطعام، وهو غير مقدر بالشـرع، بل هو مقدر بالعرف، فيطعم أهلُ كلِّ بلدٍ من أوسط ما يطعمون أهليهم قدرًا ونوعًا، فإن الله تعالى قال: مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أي: من أعدل ما تطعمون أهليكم، فما هو بالأجود الغالي، ولا بالأردأ الرخيص، اختار هذا شيخ الإسلام ابن تيمية وقال: (هذا هو المنقول عن أكثر الصحابة والتابعين)[15]، وقد ثبت في الصحيحين في حديث كعب ابن عجرة في كفارة حلق المحرم لشعره قال عليه الصلاة والسلام لكعب: «صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من طعام، واحلق رأسك»، وهذا التقدير النبوي بأن طعام المسكين نصف صاع قال به طائفة من العلماء[16]، والتقدير بنصف صاع أولى؛ لثبوته في الحديث المذكور، والصاع يساوي اثنان كيلو وأربعون جراما من البر، ويساوي اثنان كيلو تمامًا من الأرز.

5 - والخصلة الثانية هي الكسوة، ومقدارها ما تجزئ فيه الصلاة، فإن كان رجلًا، فثوب تجزئ فيه الصلاة، وإن كان امرأة فدرع وخمار؛ لأن ما دون ذلك لا يجزئ لابسه في الصلاة، ويسمى عريانًا شرعًا.

6- والخصلة الثالثة: العتق، والمراد بالعتق: تحرير الرقبة وتخليصها من الرق[17].

7 - فمن لم يجد واحدًا من الخصال الثلاث المذكورة انتقل إلى الصيام ثلاثة أيام، واشترط الحنفية، والحنابلة تتابعها[18]. والأرجح أنه لا يشترط التتابع، فيجوز التفريق، والتتابع أفضل، وهو قول المالكية، والشافعية، ورواية عن الإمام أحمد[19]، قالوا: لأن الأمر بالصيام مطلق، فيبقى على إطلاقه، ولا يجوز تقييده إلا بدليل[20].

طريقة الاستدلال:

1 - قاعدة: (العرف محكم): الإطعام غير مقدر بالشرع، وما جاء كذلك يرجع فيه إلى العرف.

2 - يشترط عتق رقبة مؤمنة، واشتراط الإيمان لقوله تعالى في كفارة القتل: ﴿ وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ [النساء: 92]، وأُلحق بكفارة القتل في اشتراط الإيمان باقي الكفارات؛ حملًا للمطلق على المقيد، وهذا قول الجمهور من الشافعية، والمالكية، والحنابلة[21].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة