كتاب العتق
قال الله تعالى: ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ ﴾ [البقرة: 177].
قال أبو حيان في التفسير: (و ﴿ الرِّقَابِ ﴾ : هُمُ المُكَاتَبُونَ يُعَانُونَ فِي فَكِّ رِقَابِهِمْ، قَالَهُ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنُ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَالشَّافِعِيُّ. أَوْ: عَبِيدٌ يُشْتَرَوْنَ وَيُعْتَقُونَ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَمَالِكٌ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ الْقَوْلَانِ السَّابِقَانِ. أَوِ: الْأُسَارَى يُفْدَوْنَ وَتُفَكُّ رِقَابُهُمْ مِنَ الْأَسْرِ. وَقِيلَ: هَؤُلَاءِ الْأَصْنَافُ الثَّلَاثَةُ، وَهُوَ الظَّاهِرُ).
وقال الله تعالى: ﴿ فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ١١ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ١٢ فَكُّ رَقَبَةٍ ١٣ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ١٤ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ ١٥ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ١٦ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ١٧ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ﴾ [البلد:11-18] قال البخاري في صحيحه: بَابٌ فِي العِتْقِ وَفَضْلِهِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ فَكُّ رَقَبَةٍ ١٣ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ١٤ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ ﴾ [البلد: 13-15].
1428- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أَيُّمَا امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ امْرَأً مُسْلِمًا، اسْتَنْقَذَ الله بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ»، متفق عليه.
1429- وللترمذيّ وصحَّحه، عن أبي أمامة رضي الله عنه: «وَأَيُّمَا امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ امْرَأَتَيْنِ مُسْلِمَتَيْنِ، كَانَتَا فِكَاكَهُ مِنَ النَّارِ». [إسناده ضعيف]. ولأبي داود من حديث كعب بن مرة: «وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ أَعْتَقَتْ امْرَأَةً مُسْلِمَةً، كَانَتْ فِكَاكَهَا مِنْ النَّارِ». [إسناده ضعيف أيضًا].
1430- وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: سَألتُ النَّبِيَّ ﷺ أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «إِيمَانٌ بِالله، وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ». قُلْتُ: فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «أَغَلَاهَا ثَمَنًا، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا»، متفق عليه.
- استنقذ الله بكل عضوٍ منه عضوًا منه من النار: أي خلّص الله عِوَضَ كل عضوٍ من أعضاء الإنسان المُحَرَّر عُضْوًا من أعضاء الذي حرَّره ونجَّاه من جهنم يوم القيامة.
- كانتا فكَاكَهُ من النار: أي كان تحريره المرأتين سبب تخليصه وإنقاذه من عذاب جهنم.
- أيُّ الرقاب أفضل: أي: أيُّ المماليك أحب إلى الله أن يُعتَق؟ والرقاب جمع رقبة، وهو الرقيق، وسُمي الرقيق رقبة؛ لأنه بالرق كالأسير المربوط في رقبته.
- أعلاها ثمنًا: أكثرها ثمنًا، سواء كان اللفظ أعلاها بالمهملة أو أغلاها بالمعجمة، فاللفظان واردان في روايات الحديث.
- أنفسها عند أهلها: أي: أكرمها وأكثرها رغبة عند أهلها. وأنفَسْ من النفاسة، يقال: نَفُس الشيء نفاسةً: كَرُمَ فهو نفيس.
1 - في الأحاديث فضل العتق وأنه من أفضل الأعمال ومما ينجي به الله من النار.
2 - دلَّ حديثا أبي هريرة وأبي أمامة على أن إعتاق رجل مسلم أو امرأتين مسلمتين سبب للخلاص والعتق من النار يوم القيامة، واستدلَّ به الفقهاء على أن عتق الذكر أفضل من عتق الأنثى.
3 - دلَّ حديث أبي ذر على أن أفضل الرقاب التي يراد إعتاقها: ما كان أكثرها قيمة، وأكثرها نفاسة وأحبها وأكرمها عند أهلها؛ لحسن أخلاقها، وكثرة نفعها، سواء كان رجلًا أو امرأة.
4- وفي حديث أبي هريرة إشارة إلى أنه ينبغي ألا يكون في الرقبة نقصان ليحصل استيعاب الأعضاء بالعتق.
5- في قوله ﷺ: «أعتق امرأ مسلما» دليل على أن هذه الفضيلة إنما هي في عتق الرقبة المؤمنة، وأما غير المؤمنة فإنها وإن كان في عتقها فضل بلا خلاف، لكن دون المؤمنة، ولذلك وقع الإجماع في كفارة القتل على اشتراط الإيمان كما نص عليه سبحانه وتعالى.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - جعل الإسلام العتق من أفضل القرب إلى الله تعالى، وجعله أول الكفارات في القتل والظهار والجماع في نهار رمضان، ورتب عليه مَحْو الذنوب، وتكفير الخطايا والآثام.
2 - ومن ذلك ما دلَّ عليه حديث أبي هريرة أن ثواب من أعتق إنسانًا مسلمًا أنَّ الله تعالى يخلصه من النار يوم القيامة بعتقه هذا، محل كل عضوٍ عضوًا منه.
3 - فضيلة وشرف الجهاد في سبيل الله تعالى، فهو أفضل الأعمال بعد الإيمان بالله.
4 - عتق الذكر على الضعف من عتق الأنثى؛ لأن جنس الرجال أفضل؛ فالحرص في النفس على بقاء الرجل في العبودية أكثر لقيامه بمنافع كثيرة وخدمات شاقة لا تستطيع المرأة الجارية القيام بها، فناسب الثواب المترتب على مخالفة النفس بإعتاق الرجل وتفويت خدماته وما يقوم به بإعتاقه، إجزال الأجر للمعتق.
5 - الأفضل من الرقاب ما كان أكثرها قيمة لأمرين: الأول: أن كون هذا الرقيق نفيسًا غاليًا معناه: أن أصحابه متمسكون به؛ لأن منافعه كثيرة، فمن ثم استحب عتق من هذه حاله ترغيبًا للناس في ذلك؛ لأن إعتاقه من المتعذر الصعب.
والثاني: أنّ العبد الأغلى ثمنًا يدل أنه ممن له كسب أو حرفة تغلي من ثمنه، فَسُنّ عتق من له كسب؛ لانتفاعه بكسبه، وكره عتق من لا قوة له ولا كسب؛ لسقوط نفقته بإعتاقه؛ وسيصبح كَلًّا على الناس لا عائل له، فيحتاج إلى السؤال والتكفف.
مفهوم تقييد الرقبة المعتَقَةُ بالإسلام: أن هذه الفضيلة لا تُنَال إلا بعتق المسلمة، وإن كان عتق الكافر يصح.
يُعتق العبد المشترك إذا أُعتق بعضه:
قال الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ۖ وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ﴾ [النور: 33] والعبد إذا عَتق بعضُه صار مكاتَبا فيدخل المعتِق إن كان قادرًا في قوله تعالى: ﱡ فَكَاتِبُوهُمْ ﴾ وقد ذهب بعض الصحابة والتابعين إلى أن الآية للوجوب، وهو ظاهر صنيع البخاري واختاره ابن جرير.
1431- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ، فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ العَبْدِ، قُوِّمَ قِيمَةَ عَدْلٍ، فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ العَبْدُ، وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ»، متفق عليه.
ولهما عن أبي هريرة: «وَإِلَّا قُوِّمَ عَلَيْهِ، وَاسْتُسْعِيَ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ».
وقيل: إِنَّ السِّعَايَةَ مُدْرَجَةٌ فِي الـخَبَر.
- من أعتق شركًا له: أي نصيبًا له في عبدٍ، سواء كان قليلًا أو كثيرًا، حيث قد يملك العبد الواحد شخصين أو ثلاثة أو أكثر، فيكون لكل واحد فيه نصيبٌ معينٌ.
- فكان له مال: الضمير يعود على من أعتق نصيبه.
- قوّم عليه قيمة عدلٍ: قوم من التقويم أي التقدير، والمعنى: تقدر قيمة ذلك العبد تقديرًا عادلًا لا يزاد في قيمته ولا ينقص من عارف بقيمة السلع موثوق بدينه وأمانته.
- فأعطى شركاءه حصصهم: أي فيعطي ذلك المُـعتِق شركاءه قيمة حصصهم من هذا العبد، ويعتق عليه العبد جميعه.
- وعتق عليه العبد: أي وصار جميع العبد حرًّا، وولاؤه لمن أعتقه.
- وإلا فقد عتق منه ما عتق: أي: وإن لم يكن للمُعْتِقِ مالٌ يدفعه لشركائه لتحرير باقي العبد، فإنه قد عتق من العبد نصيبه، وما عدا ذلك يبقى رقيقًا.
- واستُسْعِيَ: أي طُلِبَ من العبد وألزم بأن يسعى للكسب، فيعمل ليحصّل قيمة الحصة الباقية في الرق فيدفعها حتى يُعْتَق.
- غير مشقوق عليه: غير مُكَلّفٍ عليه، فلا يَشق عليه سيده في الخدمة فوق طاقته ولا فوق حصته من الرق.
1 - حديث ابن عمر دليل على أن من أعتق نصيبه من عبدٍ مشترك بينه وبين غيره: أنه يلزمه عتق باقيه وتخليصه كله من ماله إن كان غنيًا قادرًا على دفع قيمة حصص الشركاء الذين لم يعتقوا نصيبهم، ويصير العبد حرًا.
2 - ودلَّ حديث أبي هريرة أن المعتق إن لم يكن موسرًا، وليس قادرًا على دفع حصص شركائه بعد أن أعتق العبد: أن العبد يذهب للكسب لدفع مالٍ للشركاء غير المعتقين بقدر نصيبهم حتى يكمُل عتقه وتتم حريته، وذلك بعد تقويم ثمن هذه الحصص من عدل عارف خبير.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - يتشوف الشارع الحكيم إلى عتق الرقاب من الرق، ولذا رتَّب فيه حكمًا بالعتق والحرية من دون اختيار مالكه في بعض الأحوال، منها ما ذكر في هذين الحديثين، وهي: حالة ما إذا أعتق أحد الشـركاء نصيبه في العبد دون سائر الشـركاء فيه، فإنه يُعتق في باقي حصصهم بمال يُدفع لهم ولو دون رضاهم.
2 - قُيّد تقويم قيمة الحصة الباقية في العبد بتقويم العدل العارف بهذه الأمور حتى لا يتعرض هذا العبد لاستغلال الشركاء بالمغالاة في ثمن حصصهم الباقية فيه، وهذا من حرص الإسلام على تحرير العبد، وإزالة الموانع والعقبات فيه، وتيسيره للعتق بكافة الوسائل.
1 - قاعدة: (ما لا يقبل التبعيض يكون اختيار بعضه كاختيار كله، وإسقاط بعضه كإسقاط كله)، من فروعها: أن من أعتق بعض عبده عتق كله وسرى عليه، لأن العتق لا يتجزأ.
2 - ثبوت هذا الحكم يكون في العبد ومثله الأمة، ولا فرق في ذلك بين كونه ذكرًا أو أنثى على قول الجمهور؛ إما لأن لفظ العبد في الحديث يراد به جنس الرقيق، كما في قوله تعالى: ﴿ إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا ﴾ [مريم: 93]، وإما على طريق الإلحاق بنفي الفارق، كما هو معلوم من باب القياس في أصول الفقه[1]. كما أنه يدخل فيه المسلم والكافر أيضًا[2].
3 - ويقتضي الحديث: أنه لا يفرق في الجزء المعتق بين القليل والكثير؛ لأجل التنكير الواقع في سياق الشرط: (شِرْكًا) الواقعة في سياق (مَن).
قال الله تعالى: ﴿ لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ ۚ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ ﴾ [البقرة: 233].
وقال الله تعالى: ﴿ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [الأنفال: 75].
1432- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدَهُ، إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيُعْتِقَهُ»، رواه مسلم.
1433- وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ، فَهُوَ حُرٌّ»، رواه الخمسة، ورجَّح جمع من الحفاظ أنه موقوف. [قال أبو داود: الحديث ليس بمرفوع، أو ليس بمتصل، إنما هو عن الحسن عن النبي ﷺ، وقال الترمذي: هذا الحديث لا نعرفه مسندًا إلا من حديث حماد بن سلمة، وقال البيهقي: والحديث إذا تفرَّد به حماد بن سلمة لم يشك فيه ثم يخالفه فيه من هو أحفظ منه وجب التوقف فيه، وقد أشار البخاري إلى تضعيف هذا الحديث، وقال علي بن المديني: هذا عندي منكر. ينظر: تهذيب السنن لابن القيم (10/342)].
- لا يَجزي: لا يكافئ.
- ذا رَحِـمٍ: الرَحِمُ أصله موضع تكوين الولد في المرأة، ثم استعمل للقرابة، والمراد به في الحديث: كل من كان بينك وبينه نَسَبٌ يوجب تحريم النكاح.
- محـرَمٍ: من لا يحل نكاحه من الأقارب.
- فهو حرٌ: جواب الشرط المصدر بـــ(مَنْ ملك)، أي: فذو الرحم المحرم المملوك يصير حرًا بنفس انتقال ملكيته.
1 - حديث سمرة دليل على أنه من ملك ذا رحم، بينه وبينه رحامة محرمة للنكاح، فإنه يعتق عليه، وذلك كالآباء وإن علوا، والأولاد وإن سفلوا.
2 - واختلف العلماء في بقية الأرحام الذين يعتقون بالشراء، فذهب الحنفية والحنابلة إلى أن الأرحام الذين يعتقوا بشراء قريبهم لهم هم: الآباء وإن علوا، والأولاد وإن سفلوا، والإخوة وأولادهم، والأخوال والأعمام لا أولادهم، مستدلين بالحديث والعموم الوارد فيه[3]. وذهب الشافعي إلى أنه لا يعتق إلا الآباء والأبناء للنص في الحديث الأول - حديث أبي هريرة - على الآباء وقياسًا للأبناء عليهم، وهذا القول رواية عن الإمام أحمد[4]، وذلك بناء على عدم صحة هذا الحديث. وقال مالك يعتق الآباء والأبناء، والإخوة والأخوات؛ قياسًا على الآباء[5].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - عظَّم الله عز وجل حق الوالدين، وأكد على عظيم حقهما وشأنهما، حتى أنه قرن برهما والإحسان إليهما بحقه تعالى، فقال: ﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ [الإسراء: 23]. وفي حديث أبي هريرة أنه لا يمكن للولد أن يفي بحق والديه تجاهه إلا أن يجد أباه أو أمه رقيقًا مملوكًا فيشتريه ويعتقه؛ لأنه يكون حينها خلَّصه من الرق الذي حرم به الحرية والكرامة.
2 - كما عظّم الإسلام حق الأقارب والأرحام، ولذا ترتب في حقهم من الأحكام ما لم يترتب في حق غيرهم.
قوله في حديث سمرة «مَنْ ملك» من ألفاظ العموم، فاقتضى عموم الملك سواءً بالشراء أو بالهبة أو غير ذلك، فيعتق ذا الرحم إذا تملَّكه قريبُه، سواء كان ملكه له بالشراء أو بالهبة له أو غير ذلك، ذكرًا كان ذلك الرقيق أو أنثى، فيعتق بمجرد تحقق الملك.
من أعتق عبيده عند موته وهم كل ما يملك:
قال الله تعالى: ﴿ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ ۚ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ ۚ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ ۚ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ ﴾ [النساء:12].
قال القرطبي: (فَالْإِضْرَارُ رَاجِعٌ إِلَى الْوَصِيَّةِ وَالدَّيْنِ، أَمَّا رُجُوعُهُ إِلَى الْوَصِيَّةِ فَبِأَنْ يَزِيدَ عَلَى الثُّلُثِ أَوْ يُوصِيَ لِوَارِثٍ). اهـ ؛ لأن النبي ﷺ قال: «الثلثُ والثلثُ كثير»[6]، وقال ﷺ: «لا وصية لوارث»[7].
1434- عن عمران بن حصين رضي الله عنه: «أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ سِتَّةَ مَمْالِيك لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُمْ، فَدَعَا بِهِمْ رَسُولُ الله ﷺ فَجَزَّأَهُمْ أَثْلَاثًا، ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ، وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً، وَقَالَ لَهُ قَوْلًا شَدِيدًا»، رواه مسلم.
- فدعا بهم رسول الله ﷺ: أي طلب هؤلاء العبيد الستة ليحضروا إليه ﷺ.
- فجزأهم: فقسّمهم.
- أثلاثًا: أي جعلهم ثلاثة أقسام، بحيث صار الستة ثلاثة أثلاث، كل اثنين معًا.
- ثم أقرع بينهم: أي هيأهُم للقرعة على العتق.
- وقال له قولا شديدًا: أي: أغلظ له في إقدامه على إخراج مال قد تعلقت به حقوق الورثة. وقد جاء في بعض الروايات تفسير هذا القول الشديد، قال: لو علمنا ما صلينا عليه.
1 - العتق إنما ينفذ من جائز التصرف، والمريض مرض الموت لا يُجاز تصـرّفه إلا في حدود الثلث من ماله فقط.
2 - دلَّ الحديث على أن التبرع، ومنه الهبة والعتق ونحوه، إذا حصل في المرض فله حكم الوصية؛ ينفذ في الثلث فقط، ولذا فإن النبي ﷺ أجاز عتقه بقدر ما تجوز الوصية به؛ وهي ثلث ماله، فأمضى تصـرفه في الثلث منهم؛ فأعتق اثنين، ولم يُجِزْ عتق الأربعة الآخرين؛ ليبقيهم للورثة.
3 - وفي الحديث دلالة لمذهب الجمهور في إثبات القرعة في العتق ونحوه.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
راعى الإسلام مصالح الناس؛ فإن الوصية بأكثر من الثلث فيها مشقة على الموصي وعلى الورثة، فقد يكون على الموصي دين أو نحوه، وأما الورثة فليس من المصلحة حرمانهم والتصدق بجميع الميراث.
قال الله تعالى: ﴿ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا ﴾ [الإسراء: 34].
قال ابن كثير: (وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ﴾ أَيِ الَّذِي تُعَاهِدُونَ عَلَيْهِ النَّاسَ وَالْعُقُودَ الَّتِي تُعَامِلُونَهُمْ بِهَا، فَإِنَّ الْعَهْدَ وَالْعَقْدَ كُلٌّ مِنْهُمَا يُسْأَلُ صَاحِبُهُ عَنْهُ).
1435- عن سفينة رضي الله عنه قال: «كُنْتُ مَمْلُوكًا لِأُمِّ سَلَمَةَ فَقَالَتْ: أُعْتِقُكَ، وَأَشْتَرِطُ عَلَيْكَ أَنْ تَخْدِمَ رَسُولَ الله ﷺ مَا عِشْتَ»، رواه أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم.
سفينة مولى رسول الله ﷺ اختلف في اسمه، ويكنى أبا عبد الرحمن، وكان له كرامات، وسبب تسميته سفينة؛ أنه كان رجلًا قويًا، وكان مع رسول الله ﷺ في سفر، فكان كلما أعيا بعض القوم؛ ألقى عليه سيفه وترسه ورمحه حتى حمل من ذلك الكثير[8]، توفي بعد سنة (70).
1 - دلَّ حديث سفينة على صحة اشتراط الخدمة على العبد المعتق مدة معلومة؛ قال الشيخ ابن باز -رحمه الله-: (في هذا الحديث أن أم سلمة اشترطت على سفينة أن يخدم النبي ﷺ، وهذا يدلُّ على أنه لا بأس بالشرط؛ فإذا قالت: أنت حُر لوجه الله بشرط أن تخدمني سنة أو سنتين، أو إلى أن تموت، أو بشرط أن تخدم فلانًا فلا بأس، المسلمون على شروطهما، ولهذا أشارت رضي الله عنها على سفينة أن يخدم النبي ﷺ ما عاش)[9].
2 - وفي الحديث دليل على صحة استحقاق المنافع لغير المعتِق.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
حرص أم سلمة على معاونة النبي ﷺ في حوائجه ابتداءً دون طلب منه، واشتراطها على سفينة أن يقوم بخدمته، دليل على محبتها وتعظيمها له ﷺ، وتقديرها لما كان يعانيه ويقوم به من أعباء جليلة.
وجه الاستدلال من الحديث: أن النبي ﷺ علم باشتراط أم سلمة خدمة سفينة له لأجل عتقه؛ فأقر ذلك، فأصبح هذا من السنة، وجاز هذا الشرط.
الولاء لا يباع ولا يوهب وهو لمن أعتق:
قال الله تعالى: ﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ﴾ [الرحمن: 60].
فمن أعتق فهو أحق بالولاء جزاء على إحسانه، وإنما لا يورث ولا يوهب؛ لأنه خارج عن ملك الإنسان إما بكون العتق عمل صدر لوجه الله، أو بكونه لا يمكن انتقاله كالنسب. والله أعلم.
1436- عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ»، متفق عليه في حديث طويل.
1437- وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «الوَلَاءُ لُحمَةِ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ، لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ»، رواه الشافعي، وصحَّحه ابن حبان والحاكم، وأصله في الصحيحين بغير هذا اللفظ. [صحَّحه أبو زرعة في العلل (1130)، وغيره].
روى البخاري أن عائشة رضي الله عنها أتتها بريرة تسألها في كتابتها، فقالت: إن شئت أعطيت أهلك ويكون الولاء لي، وقال أهلها: إن شئت أعطيتها ما بقي -وقال سفيان مرة: إن شئت أعتقتها، ويكون الولاء لنا- فلما جاء رسول الله ﷺ ذكرته ذلك، فقال النبي ﷺ: «ابتاعيها فأعتقيها، فإن الولاء لمن أعتق»، ثم قام رسول الله ﷺ على المنبر فقال: «ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليس في كتاب الله؛ من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله، فليس له، وإن اشترط مائة مرة».
1 - دل حديث عائشة أن الولاء لمن أعتق، ومعنى الولاء هنا: عُلْقة وارتباط بين المعتِق والمعتَق كعلاقة النسب، تترتب عليها أحكام شرعية، لكنها أقل من أحكام النسب، منها: أن المعتِق يرثُ عتيقه الذي كان عبدًا بعد موته، ولا ينعكس.
2 - ولاء العتق: أن يرث المعتقُ العتيقَ إذا لم يكن للعتيق وارث من عصبته، ولا يكون هذا الولاء إلا لمن صدر منه العتق وحرر الرقيق؛ قال ابن قدامة: (وهذا قول الجمهور. روي نحو ذلك عن عمر، وعثمان، وعلي، وزيد، وابن مسعود، وابن عمر، وأسامة بن زيد، وأبي مسعود البدري، وأبي بن كعب... والنسب يورث به ولا يورَّث، فكذلك الولاء. ولأن الولاء إنما يحصل بإنعام السيد على عبده بالعتق، وهذا المعنى لا ينتقل عن المعتق، فكذلك الولاء)[10].
3 - حديث ابن عمر دليل على عدم صحة بيع الولاء ولا هبته، فإن ذلك أمر معنوي كالنسب، فهو كالأبوة والأخوة لا يتأتى انتقالهما بالبيع والوهب. وكانوا في الجاهلية ينقلون الولاء بالبيع وغيره؛ فنهى الشرع عن ذلك، وعلى هذا جماهير العلماء.
4 - معنى تشبيه الولاء بلحمة النسب: أن الولاء يجري مجرى النسب في الميراث، كما تخالط اللُّحْمة سدى الثوب حتى يصير كالشيء الواحد[11].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
قال ابن العربي: (معنى «الولاء لحمة كلحمة النسب»: أن الله أخرجه بالحرمة إلى النسب حكمًا، كما أن الأب أخرجه بالنطفة إلى الوجود حسًا؛ لأن العبد كان كالمعدوم في حق الأحكام، لا يقضي ولا يلي ولا يشهد، فأخرجه سيده بالحرية إلى وجود هذه الأحكام من عدمها، فلما شابه حكم النسب؛ أنيط بالمعتق، فلذلك جاء: «إنما الولاء لمن أعتق» وألحق برتبة النسب، فنهى عن بيعه وهبته)[12].
1 - أفادت كلمة (إنما) الحصر، وهو إثبات الولاء لمن ذكر -أي لمن أعتق- ونفيه عمن عداه، فلا يتعدَّاه إلى غيره.
2 - واستُدِلَّ بالحصر في هذا الحديث على أنه لا ولاء بالإسلام؛ أي لا ولاء لمن أدخل كافرًا إلى الإسلام، فلا يرثه إن مات ولم يكن له عصبة، وهذا قول الجمهور خلافًا للحنفية[13].
باب ا
لمدبر والمكاتب، وأم الولد
قال الله تعالى: ﴿ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ﴾ [النساء: 11].
قال ابن كثير: (أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ سَلَفًا وَخَلَفًا: أَنَّ الدَّيْن مُقَدَّمٌ عَلَى الْوَصِيَّةِ). اهـ
والمدبر من الوصية فيأخذ حكمها.
وقال الله تعالى: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ ۖ قُلِ الْعَفْوَ ﴾ [البقرة: 219].
والعفو هو الفضل؛ أي: ما زاد عن نفقة الإنسان ومن يعول، قال الحسن: ذلك ألا تجهد مالك ثم تقعد تسأل الناس.
1438- عن جابر رضي الله عنه أَنَّ رَجُلًا مِنْ الأَنْصَارِ أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟» فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِالله بِثَمَانِمَائَةِ دِرْهَمٍ. متفق عليه، وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ: «فَاحْتَاجَ»، وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ: وَكَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَبَاعَهُ بِثَمَانِمَائَةِ دِرْهَمٍ، فَأَعْطَاهُ وَقَالَ: «اقْضِ دَيْنَكَ». [في إسنادها ضعف].
- عن دبر: التدبير: هو تعليق عتق العبد بموت السيد؛ يقول السيد لعبده: أنت حر بعد موتي، أو إذا مت فأنت حر.
1 - الحديث فيه دلالة على مشروعية التدبير، وهو متفق عليه.
2 - في الحديث دلالة ظاهرة للشافعي وموافقيه في جواز بيع المدبر، وقال مالك وأصحابه: (لا يجوز بيعه إلا إذا كان على السيد دين فيباع فيه، وهذا الحديث صريح، أو ظاهر في الرد عليهم؛ لأن النبي ﷺ إنما باعه؛ لينفقه سيده على نفسه)[14].
وذهب الحنفية والمالكية، وهو رواية عن أحمد: أن المدبر لا يُباع، ولا يُوهب، ولا يُرهن، ولا يخرج من الملك إلا بالإعتاق أو الكتابة، ويستخدم ويستأجر، ومولاه أحق بكسبه وأرشه.
وذهب الشافعية، وهو إحدى الروايات عن الإمام أحمد: أنه يُباع مطلقًا في الدين وغيره، وعند حاجة السيد إلى بيعه وعدمها؛ للحديث. وفسّر الشافعية الحاجة هنا بالدين، ولكنه ليس قيدًا احترازيًا، بل هو اتفاقي؛ لما ورد أن عائشة رضي الله عنها باعت مدبرة لها، ولم ينكر عليها أحد من الصحابة[15].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - مراعاة الشريعة لمصالح الناس وأحوالهم، وأهمية ترتيب الأمور حسب أولوياتها، فلا يتقدم المستحب على الواجب، ولذا كان قضاء دين المتوفى مقدمًا على إعتاق العبد.
2 - والواجب على من ليس عنده سعة في الرزق أن يجعل ذلك لنفسه ولمن يعول، فهم أولى من نوافل الصدقات، وفي الحديث: «كفى بالمرء إثمًا أن يضيِّع من يعول»، وأما من وسَّع الله عليه فليحرص على اغتنام الفرص، فليس له من ماله إلاَّ ما قدمه لأخراه.
الحديث حجة على من منع من بيع المدبر مطلقًا؛ لأن المنع الكلي يناقضه الجواز الجزئي، وقد دلَّ الحديث على بيع المدبر بصريحه، فهو يناقض المنع من بيع كل مدبر[16].
قال الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ۖ وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ﴾ [النور: 33].
المكاتبة: شراءُ العبدِ نَفْسَهُ من سيده بمال معلوم، وفيها معنى شرط بقائه عبدًا حتى يوفي ثمن المكاتبة، لأن الآية أبقت ملك اليمين عليه، ويخرج من ذلك بعض تصرفاته التي تُمنح له نتيجة عقد المكاتبة، والله أعلم.
1439- عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: «الْـمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ مُكَاتَبَتِهِ دِرْهَمٌ»، أخرجه أبو داود بإسناد حسن، وأصله عند أحمد والثلاثة، وصحَّحه الحاكم. [قال في التلخيص الحبير (6/ 3282): قال الشافعي: لا أعلم أحدًا روى هذا إلا عمرو ابن شعيب، ولم أر من رضيت من أهل العلم يثبته].
1440- وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا كَانَ لِإِحْدَاكُنَّ مُكَاتَبٌ، وَكَانَ عِنْدَهُ مَا يُؤَدِّي، فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ»، رواه الخمسة، وصحَّحه الترمذي. [ضعيف؛ فيه نبهان مولى أم سلمة؛ قال الشافعي فيما نقله البيهقي في الكبير (21/ 472): لم أر من رضيت من أهل العلم يثبت حديث نبهان هذا، وقال أحمد فيما نقله ابن قدامة في المغني (9/ 507): روى حديثين عجيبين، يعني هذا الحديث وحديثًا آخر].
1441- وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «يُودَى الْـمُكَاتَبُ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهُ دِيَةَ الْـحُرِّ، وَبِقَدْرِ مَا رَقَّ مِنْهُ دِيَةَ العَبْدِ»، رواه أحمد وأبو داود والنسائي. [قال البيهقي في الكبير (21/ 470): حديث عكرمة إذا وقع فيه الاختلاف وجب التوقف فيه، وفي ثبوته عن النبي ﷺ نظر والله أعلم].
1442- وعن عمرو بن الحارث -أخي جويرية أم المؤمنين رضي الله عنها- قال: «مَا تَرَكَ رَسُولُ الله ﷺ عِنْدَ مَوْتِهِ دِرْهَمًا، وَلَا دِينَارًا، وَلَا عَبْدًا، وَلَا أَمَةً، وَلَا شَيْئًا، إِلَّا بَغْلَتَهُ البَيْضَاءَ، وَسِلَاحَهُ، وَأَرْضًا جَعَلَهَا صَدَقَةً»، رواه البخاري.
عمرو بن الحارث بن أبي الخزاعي المصطلقي، أخو جويرية زوج النبي ﷺ، روى عن النبي ﷺ وعن أبيه الحارث، له ولأبيه صحبة، وتوفي في حدود (70).
- الكتابة، والمكاتبة: شراءُ العبدِ نَفْسَهُ من سيده بمال معلوم.
- يُودَى الْـمُكَاتَبُ: المعنى أن المكاتب إذا قُتِل يعطى ورثته دية حر بقدر ما أدى من مال الكتابة، ويعطى دية عبد بقدر ما بقي، فإن أدى نصفه مثلًا، فيُعطى نصف دية الحر، ونصف دية العبد.
1 - الكتابة شراءُ العبدِ نَفْسَهُ من سيده، وذلك بأن يقع عقد بين الرقيق وسيده، على أن يدفع له مبلغًا من المال نجومًا -أي: أقساطًا محددة- ليصير بذلك حرًا، فقد أجمعت الأمة على مشروعية المكاتبة[17].
2 - حديث عمرو بن شعيب دليل على أن المكاتب لا يعتق، ويكون له حكم الأحرار حتى يؤدي جميع ما عليه من مال الكتابة، فإن بقي عليه شيء؛ فهو عبد تجري عليه أحكام الرقيق، وهذا مذهب الجمهور[18].
3 - إلا أن المكاتب يملك نفع نفسه وما يحصل من مكاسب البيع والشـراء ونحوهما؛ لأن عقد الكتابة لتحصيل العتق، ولا يحصل ذلك إلا بأداء عوضه، وهو متعذر إلا بالاكتساب، والبيع والشراء من أقوى جهات الاكتساب.
وكذا يملك المكاتب كل تصرف فيه مصلحة لماله، كأداء أرش الجناية، والمطالبة بالشفعة، والأخذ بها من سيده ومن غيره، ونحو ذلك.
4 - وليس للمكاتب أن يتبرع بشيء؛ لأن تبرعه محض ضرر، فمنع منه، وليس له أن يتزوج؛ لأن الزواج عقد، فيدخل في عموم قول النبي ﷺ: «أيُّما عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ فَهُوَ عَاهِرٌ» - وقد سبق- ولأن السيد يتضرر بذلك؛ لأن العبد يحتاج أن يؤدي المهر والنفقة من كسبه، وربما عَجَزَ، فَيَرقُ، ويرجع إليه ناقصَ القيمة. ولو أذن له السيد في التبرع أو في التزوج فله ذلك، ولأن المنع من ذلك حق السيد، فإذا أذن له فقد رضي بإسقاط حقه[19].
5 - وأما حديث أم سلمة، فقد دلَّ على أن المكاتب إذا صار معه جميع مال المكاتبة، فقد صار له ما للأحرار، فتحتجب منه سيدته إذا كان مملوكًا لامرأة؛ وإن لم يكن قد سلم ذلك.
6 - ودلَّ الحديث بمفهومه على أنه يجوز لمملوك المرأة النظر إليها ما لم يكاتبها ويجد مال الكتابة، وهو الذي دلَّ له منطوق قوله تعالى: ﴿ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ ﴾ [النور:31]، وإلى هذا ذهب أكثر العلماء من السلف.
7 - وأما حديث ابن عباس فهو دليل على أن للمكاتب حكم الحر في قدر ما سلمه من كتابته، فتتبعض ديته إن قُتل، وكذلك الحد وغيره من الأحكام التي تنصّف[20].
8 - وفي حديث عمرو بن الحارث جواز ركوب الأمراء والعلماء البغال والدواب، وأن ذلك من المباح وليس من السرف؛ لأن الإمام يلزمه التصرف والتعاهد لأمور رعيته والجهاد بنفسه والنظر فى مصالح المسلمين، وكذلك له أن يتخذ السلاح وكل ما به إليه حاجة من الآلات والقوت لأهله[21].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - حكمة مشروعية المكاتبة: في تشريع المكاتبة مصلحة السيد والعبد، فالسيد فعل معروفًا من أعمال البر المندوبة، والعبد تؤول كتابته غالبًا إلى رفع الرق عنه، وتمتعه بحريته[22].
2 - ما كان عليه النبي ﷺ من الإعراض عن الدنيا الفانية إلى الدار الباقية، وتقلله منها، وشمائله في هذا الباب كثيرة، وأخباره مشهورة ﷺ، فإن مثل قوله تعالى: ﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا ﴾ [النساء: 77] نصب عينيه؛ فقد كان خلقه القرآن[23].
1 - دلَّ حديث عمرو بن شعيب على قول الجمهور من أن العبد عبد ما بقي عليه درهم، وأيدته آثار الصحابة، ولأنه أخذٌ بالاحتياط في حق السيد، فلا يزول ملكه إلا بما قد رضي به من تسليم ما عنده.
2 - حديث أم سلمة معارض بحديث عمرو بن شعيب السابق، وقد جمع بينهما الشافعي، فقال: هذا خاص بأزواج النبي ﷺ، وهو احتجابهن عن المكاتب -وإن لم يكن قد سلم مال الكتابة- إذا كان واجدًا له، وإلا منع من ذلك، كما منع سودة من نظر ابن زمعة إليها، مع أنه ﷺ قد قال: «الولد للفراش».
قال الصنعاني: (ولك أن تجمع بين الحديثين: بأن المراد: أنه قِن إذا لم يجد ما بقي عليه؛ ولو كان درهمًا، وحديث أم سلمة في مكاتب واجد لجميع مال الكتابة، ولكنه لم يكن قد سلمه)[24].
1443- عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «أَيُّمَا أَمَةٍ وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا، فَهِيَ حُرَّةٌ بَعْدَ مَوْتِهِ»، أخرجه ابن ماجه والحاكم بإسناد ضعيف، ورجح جماعة وقفه على عمر.
1 - في الحديث دليل على حرية أم الولد بعد وفاة سيدها.
2 - لا خلاف في إباحة التسري ووطء الإماء؛ لقول الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ٥ إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴾ [المؤمنون:5-6]، وقد كانت مارية القبطية أم ولد النبي ﷺ؛ حيث ولدت له إبراهيم، وكانت هاجر أم إسماعيل سرية سيدنا إبراهيم[25].
3- يتحقق الاستيلاد، وتصير الجارية أم ولد: بولادة الولد الحي أو الميت؛ لأن الميت ولد، به تتعلق أحكام الولادة، فتنقضي به العدة، وتصير المرأة نفساء، وكذا إذا أسقطت سقطًا مستبينًا خَلْقه أو بعض خلقه، وأقر السيد بوطئها، فهو بمنزلة الحي الكامل الخلقة، ويترتب على هذا ثبوت النسب[26].
4 - جمهور الفقهاء على أن السيد لا يجوز له في أم ولده التصرف بما ينقل الملك، فلا يجوز بيعها، ولا وقفها، ولا رهنها، ولا تورث، بل تعتق بموت السيد من كل المال، ويزول الملك عنها[27].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
الحكمة من استيلاد الجارية: الرغبة في الولد؛ فقد يرغب الشخص في الأولاد ولا يتيسر له ذلك من الحرائر، وأباح الله له أن يتسرى من تلد له، والاستيلاد وسيلة للعتق -كما في الحديث الذي معنا- والعتق من أعظم القرب[28].
قال الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ۖ وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ﴾ [النور: 33].
1444- عن سهل بن حنيف رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ أَعَانَ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ الله، أَوْ غَارِمًا فِي عُسْرَتِهِ، أَوْ مُكَاتَبًا فِي رَقَبَتِهِ، أَظَلَّهُ الله يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ»، رواه أحمد، وصحَّحه الحاكم. [قال الذهبي في المهذب (10/320): غريب جدًّا، وضعَّفه الألباني في السلسلة الضعيفة (4555)].
1 - إن طلبَ الكتابةَ عبدٌ كسوبٌ؛ نُدب للسيد إجابته شريطة أن يعلم فيه خيرًا وصلاحًا؛ لقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ۖ ﴾ [النور: 33].
2 - ويستحب للسيد أن يضع عن مكاتبه شيئًا من مال الكتابة، وهذا قول مالك، وأبي حنيفة، ورواية عن الإمام أحمد، وعلَّلوا للاستحباب بأن الكتابة عقد معاوضة، فلا يجب فيه الإيتاء، كسائر عقود المعاوضات.
وقال الشافعي وإسحاق بوجوب حَطِّ الربع، وهو الصحيح من المذهب، لقوله تعالى: ﱡ وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ﴾ [النور:33]، وظاهر الأمر الوجوب، وقد ورد عن علي رضي الله عنه قال: «تفسير هذه الآية: ربع الكتابة»[29].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - في الحديث أن من أعان مجاهدًا في سبيل الله على مؤن غزوه، أو في إخلافه في أهله بخير، ونحو ذلك، أو أعان غارمًا في عسرته، أو أعان مكاتبًا في فك رقبته؛ بنحو أداء بعض النجوم عنه أو الشفاعة له: أظله الله من حر الشمس عند دنوها من الرؤوس يوم القيامة في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله؛ إكرامًا له، وجزاء بما فعل[30]. وفي هذا فضيلة نفع الآخرين وإعانتهم لا سيما إن كانت فيما يُفضي إلى خير وسداد وقُربة إلى الله.
2- شرط الله تعالى للأمر بالمكاتبة: أن يعلم أسيادهم فيهم خيرًا، وهو الصلاح في الدين والقدرة على الاكتساب؛ لأنه لو كان غير صالح في دينه ازداد بعد عتقه فسادًا، ويخشى أن يميل بعاطفته إلى الكفر؛ لأن أغلب الرق في صدر الإسلام كان من أسرى الحرب المعادين لدين الله، ولو كان غير قادر على الاكتساب كالمريض صار كَلاَّ ًعلى الناس.
ظاهر الأمر في قوله تعالى: ﱡ وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ﴾ يدل على الوجوب، لكن الجمهور على أن المكاتبة والأمر في الآية للاستحباب، وليس للوجوب، واستدلُّوا بأن العبد مال للسيد، وقد قال رسول الله ﷺ: «لا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلا بِطِيبِ نَفسٍ مِنهُ»، ولأنه دعاء إلى إزالة مُلكٍ بعوض، فلم يُجبر السيد عليه.