حجم الخط:

محتوى الدرس (166)

آداب الانتعال:

[الأحاديث]

1457- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا انْتَعَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِالْيَمِينِ، وَإِذَا نَزَعَ فَلْيَبْدَأْ بِالشِّمَالِ، وَلْتَكُنْ اليُمْنَى أَوَّلَهُمَا تُنْعَلُ، وَآخِرَهُمَا تُنْزَعُ»، رواه البخاري.

1458- وعنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا يَمْشِ أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ، وَلْيُنْعِلْهُمَا جَمِيعًا، أَوْ لِيَخْلَعْهُمَا جَمِيعًا»، متفق عليه.

الدلالات الفقهية:

1 - فيه تفضيل البداءة باليمين في الانتعال وفي غيره. قال النووي: (يستحب البداءة باليمنى في كل ما كان من باب التكريم والزينة والنظافة، ونحو ذلك؛ كلبس النعل والخف والمداس والسراويل والكم، وحلق الرأس وترجيله، وقص الشارب، ونتف الإبط، والسواك، والاكتحال، وتقليم الأظفار، والوضوء، والغسل، والتيمم، ودخول المسجد، والخروج من الخلاء، ودفع الصدقة، وغيرها من أنواع الدفع الحسنة، وتناول الأشياء الحسنة، ونحو ذلك). قال: (ويستحب البداءة باليسار في كل ما هو ضد السابق في المسألة الأولى، فمن ذلك: خلع النعل والخف والمداس والسراويل والكم، والخروج من المسجد، ودخول الخلاء والاستنجاء وتناول أحجار الاستنجاء، ومس الذكر، والامتخاط والاستنثار، وتعاطى المستقذارات وأشباهها).

2 - وفي الحديث الثاني النهي عن المشي في نعل واحدة، وقد ألحق بالنعلين كل لباس شفع؛ كالخفين، وقال الخطابي: (وكذا إخراج اليد الواحدة من الكم دون الأخرى، والارتداء على أحد المنكبين دون الآخر)[1].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - قال ابن العربي: (البداءة باليمين مشروعة في جميع الأعمال الصالحة؛ لفضل اليمين حسًّا في القوة، وشرعًا في الندب إلى تقديمها)، وقال الحليمي: (إنما يبدأ بالشمال عند الخلع؛ لأن اللبس كرامة؛ إذ هو وقاية للبدن، فلما كانت اليمين أكرم من اليسـرى بدأ بها في اللبس، وأُخِّرَت في النزع؛ لتكون الكرامة لها أدوم، وحصتها منها أكثر).

2 - وهذا الحديث لا يدلُّ على استحباب الانتعال؛ لأنه قال: «إذا انتعل أحدكم»، ولكن يدلُّ عليه ما أخرجه مسلم: «استكثروا من النعال، فإن الرجل لا يزال راكبًا ما انتعل»؛ أي: يشبه الراكب في خفة المشقة، وقلة النصب، وسلامة الرجل من أذى الطريق، فإن الأمر إذا لم يحمل على الإيجاب، فهو للاستحباب[2].

3 - التيامن في الشيء الحسن والمكرم يخص منه أمران، هما: الكلام، ودفع السواك: فيسن الأكبر؛ أما الكلام فلحديث حويّصة ومحيّصة في القسامة، حيث قال النبي ﷺ لمحيّصة: «كبِّر كبِّر» متفق عليه، وأما السواك: فلحديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله ﷺ يستن وعنده رجلان أحدهما أكبر من الآخر، فأوحي إليه: أن كبّر، أعطِ السواك أكبرهما»[3].

4 - الإسلام كامل، ويدعو إلى الكمال، وجميل يحب الجمال؛ فإن مشي الإنسان في نعل واحدة، أو خف واحدة فيه مثلة وتشهير، ومخالفة للمعتاد؛ لذا نهي عن المشي في نعل واحدة، فإما أن ينعل الرجلين جميعًا، وإما أن يتركهما، ويكون حافيًا، وكان ﷺ تارة ينتعل، وتارة يمشي حافيًا[4].

طريقة الاستدلال:

1 - قاعدة: (يستحب التيامن فيما كان من باب التكريم، والتياسر فيما كان بعكس ذلك).

2 - دلَّ القياس على إلحاق كل لباس شفع بالنعلين.

3- ظاهر النهي عن المشي في نعل واحدة التحريم، وحمله الجمهور على الكراهة؛ لأنهم يقررون أن ما كان من جنس الآداب، فإنه محمول على الندب أو الكراهة.

إسبال الثياب:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا [الإسراء: 37]. قال القرطبي: هَذَا نَهْيٌ عَنِ الْخُيَلَاءِ وَأَمْرٌ بِالتَّوَاضُعِ. اهـ، والنهي عن الخيلاء يشمل كل ما يؤدي إليها من إطالة الثياب أو غير ذلك.

[الأحاديث]

1459- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا يَنْظُرُ الله إِلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ»، متفق عليه.

الدلالات الفقهية:

1 - الخيلاء محرَّم مطلقًا في اللبس أو في غيره، إلا في الحرب، والخيلاء في الثوب يكون في حق الرجال بإسباله تحت الكعبين.

2 - إسبال الثياب على حالين: الأول: أن يكون الإسبال للخيلاء، وهذا لا خلاف بين العلماء في تحريمه، وهو كبيرة من كبائر الذنوب[5].

الثاني: أن يسبل ثوبه، ولا يريد به الخيلاء، فيرخيه تساهلًا، أو لغير ذلك، فالجمهور من الأئمة الأربعة على أنه مكروه كراهة تنزيه، والراجح أن الإسبال حرام مطلقًا؛ لعموم الأدلة الناهية عن الإسبال؛ من ذلك ما رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار»[6]. وهذا النص عام سواء كان للخيلاء أو ليس كذلك، وهو للخيلاء أشد تحريمًا، وهو قول الظاهرية، وجماعة من الفقهاء[7]، ورجَّحه الشيخ ابن باز، وغيره[8].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

من المقاصد الشرعية بناء الشخصية الإسلامية على التواضع، ويكفي ما جاء في الوعيد الشديد حول الكبر والمخيلة؛ لكونهما صفتان مذمومتان لا تليقان بمسلم.

طريقة الاستدلال:

الراجح أن الإسبال محرَّم مطلقًا؛ لأن مجرد الإسبال خيلاء، كما دل عليه حديث أبي داود: «إياك والإسبال فإنه من المخيلة، وإن الله لا يحب المخيلة» حيث دلَّ الحديث على أن مجرد إسبال الثوب من المخيلة.

النهي عن الإسراف في المباحات:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأعراف: 31]. قال السعدي: والإسراف إما أن يكون بالزيادة على القدر الكافي والشره في المأكولات الذي يضر بالجسم، وإما أن يكون بزيادة الترفه والتنوق في المآكل والمشارب واللباس، وإما بتجاوز الحلال إلى الحرام.

[الأحاديث]

1460- عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: «كُلْ، وَاشْرَبْ، وَالْبَسْ، وَتَصَدَّقْ فِي غَيْرِ سَرَفٍ، وَلَا مَخِيلَةٍ»، أخرجه أبو داود الطيالسـي وأحمد، وعلَّقه البخاري. [وهو عند النسائي بصيغة الجمع وليس فيه الشرب].

التوضيح:

- السرف: هو مجاوزة الحد في كل فعل أو قولٍ، وهو في الإنفاق أشهر.

- مخيلة: هي الخُيَلاء: وهي الكبر والعجب، وكأنه مأخوذٌ من التخيُّل وهو الظنُّ؛ لأن المختال يظن أنه بصفةٍ عظيمة بلباسه أو مركبه أو نحو ذلك[9].

الدلالات الفقهية:

1 - الإسراف: تجاوز الحد في كل فعل يفعله الإنسان، وهو في الإنفاق أشهر، وقد بيَّن الله تعالى في كتابه أنه لا يحب المسرفين.

2- وفي الحديث إباحة الطيبات من الرِّزق من مأكلٍ، ومشربٍ، وملبسٍ، ومسكنٍ، ومركبٍ، وغير ذلك من طيبات الحياة الدنيا، ولم يحرم من ذلك إلاَّ ما فيه مضرَّةٌ على الدِّين، أو على البدن، أو العقل، أو العِرض، أو المال.

3- وفيه تحريم ما بلغ حدَّ الإسراف والخيلاء والاستعلاء بذلك على النَّاس.

4 - قال القرطبي: (ليس كل ما تهواه النَّفس يُذم، وليس كل ما يُتَزَيَّن به للنَّاس يُكره، وإنما يُنهى عن ذلك إذا كان الشرع قد نهى عنه، أو كان على وجه الرياء في باب الدين، فإنَّ الإنسان يحب أن يرى جميلًا، وذلك حظٌّ للنفس لا يلام فيه)[10].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - هذا الحديث جامع لفضائل تدبير الإنسان نفسه، وفيه تدبير مصالح النفس والجسد في الدنيا والآخرة؛ فإن السَرَف مضر بالجسد، ومضر بالمعيشة، ويؤدي إلى الإتلاف، فيضـر بالنفس؛ إذ كانت تابعة للجسد في أكثر الأحوال. والمخيلة تضر بالنفس حيث تكسبها العجب، وتضر بالآخرة حيث تكسب الإثم، وبالدنيا حيث تكسب المقت من الناس[11].

2 - وجه الحصر في الإسراف والمخيلة أن الممنوع من تناوله أكلا ولبسًا وغيرهما إما لمعنى فيه؛ وهو تجاوز الحد وهو الإسراف، وإما للتعبد كلبس الرجال للحرير. ومجاوزة الحد، تتناول مخالفة ما ورد به الشرع فتشمل إتيان المحرم. والإسراف قد يستلزم الكبر والمخيلة.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة