باب التره
يب من مساوئ الأخلاق
قال الله تعالى: ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ١ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ٢ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ٣ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ ٤ وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ﴾ [الفلق: 1 - 5].
1486- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِيَّاكُمْ وَالْـحَسَدَ، فَإِنَّ الْـحَسَدَ يَأْكُلُ الْـحَسَنَاتِ، كَمَا تَأْكُلُ اَلنَّارُ الْـحَطَبَ»، أخرجه أبو داود. [ضعَّفه البخاري في التاريخ الكبير(1/273)، وغير واحد]. ولابن ماجه من حديث أنس نحوه. [إسناده ضعيف جدًّا].
- الحسد: تمنِّي زوال نعمة المحسود إلى الحاسد[1]. وتفارق الغبطةُ الحسدَ بأنها تمنِّي تحصيل مثل نعمة المغبوط من غير تمنِّي زوالها عنه[2].
- فإنَّ الحسد يأكل الحسنات: أي: يذهبها، ويحرقها، ويمحو أثرها [3].
دل الحديث على تحريم الحسد، وهو حرام من وجهين: أحدهما: أنه تسخُّط على قدر الله تعالى وحكمته في تفضيل بعض عباده على بعض؛ ولذا قيل:
ألا قل لمن كـان لي حاسـدًا أتدري على من أسأت الأدب
أسـأت عـلى الله في حكمـه لأنـك لم تـرض لي ما وهـب
والوجه الثاني: أنه بغيٌ على المحسود وظلمٌ له، فإن وقع للحاسد الخاطر بالحسد فدفعه وجاهد نفسه في دفعه فلا إثم عليه، بل لعله مأجور في مدافعة نفسه. فإن سعى في زوال نعمةٍ لمحسودٍ فهو باغ، وإن لم يسع ولم يظهره لمانع العجز، فإن كان بحيث لو أمكنه لَفَعَل فهو مأزور وإلا فلا. أي لا وزر عليه؛ لأنه لا يستطيع دفع الخواطر النفسانية فيكفيه في مجاهدتها أن لا يعمل بها ولا يعزم على العمل بها[4].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - الحديث تمسك به من يرى إحباط جميع الطاعات بالكبائر كالمعتزلة، وأجيب عنه بأن معنى الحديث: أن الحسد يذهب من حسنات الحاسد كما روي في حديث أبي هريرة في باب الظلم أنه ﷺ قال: «إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام وقيام، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيُعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فَنِيَتْ حسناتُه قبل أن يقضي ما عليه أُ خِذ من خطاياهم فطُرِحت عليه، ثم طرح في النار»، ولا إحباط للطاعات جملة بالمعاصي، وإلا لم تكن تبقى لهذا المتعاطي للكبائر حسنة يقضي بها حق خصمه[5].
2 - والحاسد جمع لنفسه بين عذابين؛ لأن حسده على نعمة الدنيا وكان معذبًا بالحسد، وما قنع بذلك حتى أضاف إليه عذابًا في الآخرة، فقد قصد محسوده فأصاب نفسه وأهدى إليه حسناته؛ فهو صديقه وعدو نفسه[6].
3 - قوله: «كما تأكل النار الحطب» فيه إشارة إلى سرعة إبطال الحسد للحسنات[7]، كما أنه من بديع الكلام؛ فإنه لما كان الحسد جمرة تلتهب في فؤاد الحاسد أكلت نار حسده حسناته، فلم يُحَصِّل من حسده إلا التهاب قلبه وذهاب حسناته[8].
قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا ۖ لَا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 264].
وقال الله تعالى: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ﴾ [النساء: 36].
1487- عن محمود بن لبيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ اَلشِّرْكُ اَلْأَصْغَرُ: اَلرِّيَاءُ»، أخرجه أحمد بإسناد حسن.
- الرياء: هو أن يعمل الإنسان العمل الصالح لأجل أن يراه الناس فيمدحوه.
1 - الرياء محبط للعمل، وموجب للعقاب، وهو شيء في القلب، وقد سمَّاه النبي ﷺ الشـرك الأصغر، وسمَّاه الشرك الخفي.
2 - الرياء المذموم: هو أن يكون الباعث قصد التعظيم والمدح، والرغبة فيما عند مَنْ ترائيه، أو الرهبة منه. وأما من قصد رعايته أو تعليمه أو إظهار السنة وملاحظة هجوم العدو ونحو ذلك: فليس في هذه المشاهد رياء، بل قد يتصدق العبد رياء مثلًا، وتكون صدقته فوق صدقة صاحب السر، مثال ذلك: رجل مضرور سأل قومًا ما هو محتاج إليه، فعلم رجل منهم أنه إن أعطاه سرًّا حيث لا يراه أحد لم يقتد به أحد، ولم يحصل له سوى تلك العطية، وأنه إن أعطاه جهرًا اُقتدي به واُتبع، وأَنِفَ الحاضرون من تفرُّده عنهم بالعطية، فجهر له بالعطاء، وكان الباعث له على الجهر: إرادة سعة العطاء عليه من الحاضرين، فهذه مراءاة محمودة؛ حيث لم يكن الباعث عليها قصد التعظيم والثناء، وصاحبها جدير بأن يحصل له مثل أجور أولئك المعطين[9].
3 - ليس من الرياء أن يفرح الإنسان بعلم الناس بعبادته؛ لأن هذا إنما طرأ بعد الفراغ من العبادة. وليس من الرياء أن يُسرَّ الإنسان بفعل الطاعة؛ لأن ذلك دليل إيمانه، قال النبي ﷺ: «من سرَّته حسنته وساءته سيئته، فذلك المؤمن»، وقد سئل النبي ﷺ عن ذلك فقال: «تلك عاجل بشرى المؤمن»[10].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - من علامات الرياء: أن ينشط الإنسان في العمل إذا كان يراه الناس، وإذا كانوا لا يرونه ترك العمل، أو تكاسل عنه تكاسلًا شديدًا.
2 - يُنصح من ابتلي بالرياء بالخوف من الله، ويذكر باطلاع الله على ما في قلبه، وشدة عقوبته للمرائين، وبأن عمله سيكون تعبًا بلا فائدة، وبأن الناس الذين عمل من أجل مدحهم سيذمونه ويمقتونه ولا ينفعونه بشيء[11].
3 - قوله: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ»: وجه الخوف يأتي من أمرين:
الأول: أنه خفي المداخل، لطيف المسالك، يقع فيه المسلم المتعبِّد وهو لم يشعر به، إذا كان من الرياء الخفي، الذي هو غالبًا يقع في المسلمين المتعبدين.
الثاني: أنه من الشرك، والشرك أعظم الذنوب. ووجوه كونه من الشرك: أن المرائي إذا عبد الله، فهو بمراءاته الناس أشرك بتلك العبادة من يرائيهم من الناس؛ وبهذا فقد أشرك بالله تعالى، إلا أنه من الشرك الأصغر؛ والله تعالى يقول: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ﴾ [النساء:48][12].
4 - قال ابن القيم: (لا يجتمع الإخلاص في القلب ومحبة المدح والثناء والطمع فيما عند الناس؛ إلا كما يجتمع الماء والنار، فإذا حدثتك نفسك بطلب الإخلاص، فأقبل على الطمع أولًا فاذبحه بسكين اليأس، وأقبل على المدح والثناء فازهد فيهما زهد عشاق الدنيا في الآخرة، فإذا استقام لك ذبح الطمع، والزهد في الثناء والمدح؛ سهل عليك الإخلاص)[13].
قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ﴾ [الحجرات: 12].
1488- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله ﷺ: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ اَلظَّنَّ أَكْذَبُ الْـحَدِيثِ»، متفق عليه.
- سوء الظن: هو امتلاء القلب بالظنون السيئة بالناس؛ حتى يطفح على اللسان والجوارح[14]، فهو التهمة والتخون للأهل والأقارب والناس في غير محله.
دلَّ الحديث على تحريم سوء الظن بالمسلم. وليس المقصود به غلبة الظن في دلالات النصوص الشرعية؛ قال الخطابي وغيره: (ليس المراد ترك العمل بالظن الذي تناط به الأحكام غالبًا، بل المراد ترك تحقيق الظن الذي يضر بالمظنون به، وكذا ما يقع في القلب بغير دليل؛ وذلك أن أوائل الظنون إنما هي خواطر لا يمكن دفعها، وما لا يقدر عليه لا يكلف به، ويؤيده حديث: «تجاوز الله للأمة عما حدثت به أنفسها»)... وقال القرطبي: (المراد بالظن هنا: التهمة التي لا سبب لها؛ كمن يتهم رجلًا بالفاحشة من غير أن يظهر عليه ما يقتضيها)[15].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - قال الصنعاني: (قوله: «فإن الظن أكذب الحديث»: سماه حديثًا؛ لأنَّه حديث النفس، وإنما كان الظنُّ أكذب الحديث؛ لأنَّ الكذب مخالفة الواقع من غير استناد إلى أمارة، وقبحه ظاهر لا يحتاج إلى إظهاره. وأما الظن فيزعم صاحبه أنه استند إلى شيء، فيخفى على السامع كونه كاذبًا بحسب الغالب، فكان أكذب الحديث، والحديث وارد في حقِّ من لم يظهر منه شتم ولا فحش ولا فجور) [16].
2 - قال ابن القيم: (الفرق بين الاحتراز وسوء الظن: أن المحترز يكون مع التأهب والاستعداد، وأخذ الأسباب التي بها ينجو من المكروه، فالمحترز كالمتسلح المتطوع الذي قد تأهب للقاء عدوه، وأعد له عدته؛ فهمُّه في تهيئة أسباب النجاة ومحاربة عدوه، قد أشغلته عن سوء الظنِّ به، وكلما ساء به الظنُّ أخذ في أنواع العدة والتأهب، بمنزلة رجل قد خرج بماله ومركوبه مسافرًا، فهو يحترز بجهده من كلِّ قاطع للطريق، وكلِّ مكان يتوقع منه الشرَّ.
وأما سوء الظن فهو امتلاء قلبه بالظنون السيئة بالناس؛ حتى يطفح على لسانه وجوارحه، فهم معه أبدًا في الهمز واللمز والطعن والعيب والبغض، يبغضهم ويبغضونه، ويلعنهم ويلعنونه، ويحذرهم ويحذرون منه، فالأول: يخالطهم ويحترز منهم، والثاني: يتجنبهم ويلحقه أذاهم، الأول: داخل فيهم بالنصيحة والإحسان مع الاحتراز، والثاني: خارج منهم مع الغش والدغل والبغض)[17].
ظاهر الحديث المنع من الظن مطلقًا، ولكنه ليس كذلك، فقد قال الله تعالى: ﴿ اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ ﴾ [الحجرات: 12] ولم يقل الظن كله؛ لأن الظن المبني على قرائن لا بأس به، فهو من طبيعة الإنسان أنه إذا وجد قرائن قوية توجب الظن الحسن أو غير الحسن، فإنه لا بد أن يخضع لهذا القرائن، لكن الظن المجرد هو الذي حذر منه النبي ﷺ، وقال: إنه أكذب الحديث.
من أمراض القلوب: (الكبر والخيلاء):
قال الله تعالى عن كبر قارون وخيلائه: ﴿ فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ۖ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ٧٩ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ۚ وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ ٨٠ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ ٨١ وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ ۖ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا ۖ وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ٨٢ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [القصص: 79 - 83].
1489- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ تَعَاظَمَ فِي نَفْسِهِ، وَاخْتَالَ فِي مِشْيَتِهِ، لَقِيَ الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ»، أخرجه الحاكم، ورجاله ثقات. [وصحَّحه ابن حجر أيضًا في إتحاف الخيرة المهرة (7103)].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - في الحديث وعيد شديد على من عظّم نفسه؛ إما باعتقاد أنه يستحق التعظيم فوق ما يستحقه غيره ممن لا يعلم استحقاقه الإهانة، أو تعاظم بمعنى: تعظّم أي: اعتقد في نفسه أنه عظيم، كتكبر: اعتقد أنه كبير، أو يكون تفاعل بمعنى: استفعل، أي طلب أن يكون عظيمًا[18].
2 - الكبر إمَّا أن يكون على الله تعالى، وهو أفحش أنواع الكبر؛ كتكبُّر النمرود وفرعون؛ حيث استنكفا أن يكونا عبدين له تعالى، وإمَّا أن يكون على رسوله ﷺ؛ بأن يمتنع من الانقياد له تكـبُّرًا، جهلًا وعنادًا، كما حكى الله ذلك عن كفَّار مكَّة وغيرهم من الأمم، وإمَّا أن يكون على العباد؛ بأن يستعظم نفسه، ويحتقر غيره، ويزدريه، أو يترفَّع عليه، ويأنف من مساواته، وهذا وإن كان دون الأوَّلين إلَّا أنَّه عظيم إثمه أيضًا؛ لأنَّ الكبرياء والعظمة إنَّما يليقان بالملك القادر القوي المتين، دون العبد العاجز الضَّعيف، فتكبُّره فيه منازعة للَّه في صفة لا تليق إلَّا بجلاله [19].
في الحديث دلالة على أن هذا الأمر من الكبائر؛ بدلالة الغضب المتوعد به لمن تعاظم وتكبر، فإن الوعيد بالغضب لا يتناسب إلا مع الكبائر.