باب الترغيب في مكارم الأخلاق
قال الله تعالى: ﴿ قَالَ اللَّهُ هَٰذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ۚ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [المائدة: 119].
وقال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾ [التوبة: 119].
1525- عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى البِرِّ، وَإِنَّ البِرَّ يَهْدِي إِلَى الـجنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ، وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ، حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ الله صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الفُجُورِ، وَإِنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ، وَيَتَحَرَّى الكَذِبَ، حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ الله كَذَّابًا»، متفق عليه.
- عليكم بالصدق: أي: الزموا الصدق، والمقصود الإغراء والحث عليه.
- الصدق: ما طابق الواقع.
- والكذب: ما خالف الواقع.
- يهدي: الهداية: الدلالة الموصلة إلى المطلوب.
- البر: اسم جامع للخير كله، وقيل: البر الجنة، ويجوز أن يتناول العمل الصالح والجنة معًا.
- الفجور: الميل عن الاستقامة، وقيل: الانبعاث في المعاصي.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - فيه حثٌّ على تحري الصدق، وهو قصده، والاعتناء به، وعلى التحذير من الكذب، والتساهل فيه؛ فإنه إذا تساهل فيه أكْثَرَ منه، فعرف به، وكتبه الله لمبالغته صدِّيقًا -إن اعتاده- أو كذَّابًا إن اعتاده.
2 - ومعنى«يُكتب» هنا: يحكم له بذلك، ويستحق الوصف بمنزلة الصديقين وثوابهم، أو صفة الكذابين وعقابهم، والمراد إظهار ذلك للمخلوقين؛ إما بأن يكتبه في ذلك؛ ليشتهر بحظه من الصفتين في الملأ الأعلى، واما بأن يُلقى ذلك في قلوب الناس وألسنتهم، كما يوضع له القبول والبغضاء، وإلا فقدر الله تعالى وكتابه السابق قد سبق بكل ذلك[1].
3 - قال ابن القيم: (أصل أعمال القلوب كلها الصدق، وأضدادها من الرياء والعجب والكبر والفخر والخيلاء والبطر والأشر والعجز والكسل والجبن والمهانة وغيرها أصلها: الكذب؛ فكل عمل صالح ظاهر أو باطن فمنشؤه الصدق، وكل عمل فاسد ظاهر أو باطن فمنشؤه الكذب، والله تعالى يعاقب الكذاب بأن يقعده ويثبطه عن مصالحه ومنافعه، ويثيب الصادق بأن يوفقه للقيام بمصالح دنياه وآخرته، فما استُجْلِبَتْ مصالح الدنيا والآخرة بمثل الصدق، ولا مفاسدهما ومضارهما بمثل الكذب)[2].
قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [النحل: 90].
الآية شاملة للأمر بالعدل والإحسان وإيتاء الحقوق، وللنهي عن الأذى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكل هذا من آداب الجلوس كما في الحديث.
1525- عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِيَّاكُمْ وَالْـجُلُوسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ». قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، مَا لَنَا بُدٌّ مِنْ مَجَالِسِنَا؛ نَتَحَدَّثُ فِيهَا. قَالَ: «فَأَمَّا إِذَا أَبَيْتُمْ، فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ». قَالُوا: وَمَا حَقُّهُ؟ قَالَ: «غَضُّ البَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَالْأَمْرُ بِالْـمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنْ الْـمُنْكَرِ»، متفق عليه.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - في حديث أبي سعيد كراهة الجلوس على الطرقات إلا بحقها وهي: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
2 - هناك آداب أخرى للطريق غير الوارد في هذا الحديث، نظمها ابن حجر بقوله:
جمعت آداب من رام الجلوس على الطـ ريق من قول خير الخلق إنسانا
أفش السـلام وأحسن في الكلام وشمِّـ ت عاطسًا وسلامًا رد إحسانا
في الحمل عاون ومظلومـًا أعن وأغـث لهفان واهد سبيلا واهد حيرانا
بالعـرف مُرْ وانـه عن نكـر وكف أذى وغض طرفـًا وأكثر ذكر مولانا
3 - والحكمة في النهي عن الجلوس في الطرقات: أنه بجلوسه يتعرض للفتنة؛ فإنه قد ينظر إلى الشهوات من يخاف الفتنة على نفسه من النظر إليهن مع مرورهن. وفيه التعرض للزوم حقوق الله والمسلمين؛ ولو كان قاعدًا في منزله لما عرف ذلك، ولا لزمته الحقوق التي قد لا يقوم بها[3].
قولهم: «قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، مَا لَنَا بُدٌّ مِنْ مَجَالِسِنَا» فيه دليل على أن صيغة إياكم لا تفيد الوجوب مطلقا؛ فقد فهموا أن الأمر ليس للوجوب وأنه للترغيب فيما هو الأولى؛ إذ لو فهموا الوجوب لم يراجعوه.
قال الله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾ [التوبة: 122].
1526- عن معاوية رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ يُرِدِ الله بِهِ خَيْرًا، يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ»، متفق عليه.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - حديث معاوية، فيه دليل على عظم شأن التفقه في الدين، وأنه لا يُعطاه إلا من أراد الله به خيرًا عظيمًا، كما يرشد إليه التنكير، ويدل له المقام.
والفقه في الدين: تعلم قواعد الإسلام، ومعرفة الحلال والحرام، وفي الحديث دليل ظاهر على شرف الفقه في الدين والمتفقهين فيه على سائر العلوم والعلماء [4].
2 - للتفقه في الدين طرق وأسباب، من أخذ بها نجح، وحصل له الفقه التام في دين الله، فمنها: تقوى الله تعالى، والإخلاص في الطلب، فلا يريد به إلا وجه الله والدار الآخرة، ومنها سلوك الطرق المستقيمة في التحصيل؛ فيعنى أول طلبه بالمختصرات لتلك العلوم وأصولها، حفظًا وفهمًا، ثم يتوسع فيها شيئًا فشيئًا، ولا يزج بنفسه بالمراجع الكبار في أول الطلب، فيتشتت ذهنه، ويضيع جهده في أسفار العلم، والكتب الكبيرة، فيخرج بلا فائدة[5].
1 - مفهوم الشرط: أن من لم يتفقه في الدين لم يرد الله به خيرًا، وقد ورد هذا المفهوم منطوقًا في رواية أبي يعلى: «ومن لم يفقه؛ لم يبال الله به».
2- وردت كلمة «خيرًا» نكرة في سياق الشرط لقصد العموم، أو التنكير للتعظيم؛ لأن المقام يقتضيه.
قال الله تعالى في قصة موسى عليه السلام: ﴿ فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ۚ فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ ۖ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ [القصص: 25].
1527- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «الْـحَيَاءُ مِنْ الإِيمَانِ»، متفق عليه.
1528- وعن أبي مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الأُولَى: إِذَا لَمْ تَسْتَحِ، فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ»، أخرجه البخاري.
- الحَيَاءُ: انقباض يجده الإنسان في نفسه؛ يحمله على عدم ملابسة ما يعاب به ويستقبح منه.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1- في الحديثين بيان فضيلة الحياء، وعلو منزلته؛ ووجه كونه من الإيمان: أن المستحي يقلع بحيائه عن المعاصي، ويقوم بالواجبات، وهكذا تأثير الإيمان بالله تعالى إذا امتلأ به القلب[6].
2 - قال ابن القيِّم: (خُلُق الحياء من أفضل الأخلاق، وأجلِّها وأعظمها قدرًا وأكثرها نفعًا، بل هو خاصَّة الإنسانيَّة؛ فمن لا حياء فيه فليس معه من الإنسانيَّة إلا اللحم والدَّم، وصورتهما الظَّاهرة، كما أنَّه ليس معه من الخير شيء) [7].
3 - قال الماوردي- رحمه الله-: (اعلم أن الحياء في الإنسان قد يكون من ثلاثة أوجه:
حياؤه من الله تعالى؛ فيكون بامتثال أوامره والكف عن زواجره.
حياؤه من الناس؛ فيكون بكف الأذى، وترك المجاهرة بالقبيح.
حياؤه من نفسه؛ فيكون بالعفة وصيانة الخلوات.
فمتى كمل حياء الإنسان من وجوهه الثلاثة، فقد كملت فيه أسباب الخير، وانتفت عنه أسباب الشر، وصار بالفضل مشهورًا، وبالجميل مذكورًا)[8].
4- معنى قوله: «النُّبوَّة الأولى»: أنَّ الحياء لم يزل أمره ثابتًا، واستعماله واجبًا منذ زمان النُّبوَّة الأولى، وأنه ما من نبيٍّ إلا وقد نَدَب إلى الحياء، وبعث عليه، وأنَّه لم ينسخ فيما نسخ من شرائعهم، ولم يُبَدَّل فيما بُدِّل منها[9].
لا تعجز عن مأمور ولا تجزع من مقدور:
قال الله تعالى فيما أخبر عن العبد الصالح لقمان: ﴿ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ [لقمان: 17].
1529- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «الْـمُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى الله مِنْ الْـمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِالله، وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا، كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ الله وَمَا شَاءَ فَعَلَ؛ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ»، أخرجه مسلم.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - المراد بالقوة في الحديث: عزيمة النفس والقريحة في أمور الآخرة، فيكون صاحب هذا الوصف أكثر إقدامًا على العدو في الجهاد، وأسرع خروجًا إليه وذهابًا في طلبه، وأشد عزيمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على الأذى في كل ذلك، واحتمال المشاق في ذات الله تعالى، وأرغب في الصلاة والصوم والأذكار وسائر العبادات، وأنشط طلبًا لها ومحافظة عليها، ونحو ذلك[10]، وأيضًا يدخل في القوة كل شيء ينفع القويُّ به الناس: من قوة البدن، أو قوة العلم، أو قوة الفصاحة، أو قوة المال، أو قوة الجاه، أو غير ذلك مما يجعل صاحب القوة ينفع الناس ويؤثر فيهم بالخير.
2 - ثم أمر النبي ﷺ أبا هريرة بالحرص على طاعة الله، وطلب ما عنده، وعلى الاستعانة به في كل أموره؛ إذ حرص العبد بغير إعانة الله لا ينفعه:
إذا لم يكن عون من الله للفتى... فأكثر ما يجني عليه اجتهاده
ونهاه عن العجز -وهو التساهل في الطاعات- وقد استعاذ منه ﷺ بقوله: «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، ومن العجز والكسل»[11].
3 - وعقّب ذكر القوة بالاستعانة؛ تنبيهًا على أن المؤمن القوي ليس قويًا من عند نفسه، ولا بمقومات شخصيته، وإنما هو قوي لاستعانته بربه، وافتقاره إليه، وثقته في موعوداته الحقة [12].
4 - ثم نهاه إذا أصابه شيء من حصول ضرر أو فوات نفع عن أن يقول: «لو»؛ لما يشعر به اللفظ من عدم الإيمان بالقضاء والقدر، ولما في ذلك من إيلام النفس، وتسليط الشيطان على الإنسان بالوساوس والهموم.
والواجب بعد نزول المصائب: التسليم للقدر، والصبر على ما أصاب الإنسان، مع عمل الأسباب الجالبة للخير، والواقية من الشر والمكروه بدون تلوُّم [13].