حجم الخط:

محتوى الدرس (1)

أهداف دراسة السيرة النبوية:

1- أن يقف الدارس للسيرة النبوية على التطبيق العملي من قبل الرسول وأصحابه رضي الله عنهم لأحكام الإسلام التي تضمنتها آيات القرآن الكريم والسنة النبوية العطرة في مجالات الحياة المختلفة.

2- أن الاقتداء برسول الله يقتضـي معرفة شمائله وأحواله ودلائل نبوته وخصائصه، يقول الله عز وجل في هذا: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴿ ٢١ [الأحزاب:21]، ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿ ٣١ [آل عمران:31].

3- إن معرفة ما حفلت به السيرة من مواقف إيمانية عقدية، وقفها الرسول وأصحابه رضي الله عنهم لإعلاء كلمة الله تعالى، تقوي من عزائم المؤمنين السائرين على درب الرسول ، وتثبتهم للدفاع عن الدين والحق، وتقذف في قلوبهم الطمأنينة.

4- أن السيرة النبوية هي المثل الأعلى للإنسان شبه الكامل - والكمال لله عز وجل - في جميع الجوانب.

5- أن يجد المرء في السيرة النبوية ما يعينه على فهم كتاب الله عز وجل في جميع الجوانب، ففي السيرة بيان لأسباب نزول القرآن الكريم.

6- أن يحصل دارس السيرة النبوية على قدر كبير من المعارف الصحيحة في علوم الإسلام المختلفة: من عقيدة وشريعة وأخلاق وتفسير وحديث وسياسة ودعوة وتربية واجتماع... إلخ.

7- أن يتعرف الدارس للسيرة على تطور الدعوة الإسلامية، وما كابده الرسول وأصحابه لإعلاء كلمة الله عز وجل، وما واجهه هو وأصحابه رضي الله عنهم من مشكلات، وكيفية التصرف في تذليل تلك العقبات، وحل تلك المشكلات.

8- أن المعجزات التي أجراها الله عز وجل على يدي نبيه محمد لا تفهم جيدًا إلا في ضوء معرفة وقائع أحداث السيرة النبوية التي حدثت من خلالها تلك المعجزات التي تقوي وتزيد إيمان المسلم.وأن ما وجدفي مصدر السيرة الاول -القرآن الكريم- من معجزات حسية تدل على وجود الله عز وجل وصدق رسالة النبي محمد .

9- أن يقف الدارس المحقق على الروايات الصحيحة التي يمكن الاحتجاج بها في مجالات الدراسات الإسلامية المختلفة، وهو مطلب ملح جدًا لطلاب العلم الأصيل.

تمهيد

[1] مكة قبل الإسلام:

نشأة مكة:

هاجر إبراهيم عليه السلام من العراق إلى الشام، ثم من الشام إلى مصـر. وكان يحمل معه في ترحاله هذا رسالة التوحيد، وكانت ترافقه زوجته سارة. وكانت امرأة جميلة، وكان من عادة ملك مصر آنذاك أن يستأثر لنفسه بكل امرأة جميلة. وشاء الله عز وجل أن يصرفه عن سارة. وتنقلب منه بجارية لتخدمها، وهي هاجر أم إسماعيل عليه السلام [البخاري].

ولما كانت سارة عقيمًا، وطعن إبراهيم عليه السلام في السن، وابيض شعره، رأت أن تهب له الجارية هاجر ليتزوجها، لعل الله يرزقه منها ذرية صالحة. وشاء الله عز وجل أن تلد له هاجر ابنه الأول، فسماه إسماعيل [فتوح مصر؛ الأزرقي].

واشتدت الغيرة بسارة عندما ولدت هاجر إسماعيل، فحلفت لتقطعن منها ثلاثة أعضاء [الفتح]. فاتخذت هاجر منطقًا له ذيل. فشدت به وسطها، وهربت مع زوجها، وهي تجر ذيلها لتخفي أثرها عن سارة. ثم جاء بها إبراهيم عليه السلام وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعهما عند مكان البيت الحرام، عند دوحة فوق مكان زمزم، في أعلى مكان المسجد، وليس بمكة يومئذٍ أحد، وليس بها ماء. ووضع عندها جرابًا فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم قفل راجعًا، فتبعته هاجر، فقالت: «يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء؟» فقالت له ذلك مرارًا، وهو لا يلتفت إليها، فقالت له أخيرًا: «آلله الذي أمرك بهذا؟» قال: «نعم»، قالت: «إذن لا يضيعنا». ثم رجعت. فانطلق إبراهيم عليه الصلاة والسلام حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرى، استقبل بوجهه مكان البيت، ثم دعا الله عزوجل قائلًا: ﴿ رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ، حتى بلغ: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ﴿ ٣٧ [إبراهيم:37].

لم يلبث أن نفذ ما عند هاجر من ماء، فعطشت هي وابنها، فكرهت أن تنظر إلى ابنها وهو يتلوى من العطش، فانطلقت حتى قامت على أقرب جبل منها، وهو الصفا، ثم استقبلت الوادي لتنظر، هل ترى أحدًا. فلما لم تر أحدًا هبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحدًا. فلم تر أحدًا. ففعلت ذلك سبع مرات، وذلك سعي الناس بينهما كما قال الرسول . وفي نهاية المرة السابعة جاءها الملك جبريل عليه السلام وأخذ يبحث بعقبه أو بجناحه عند موضع زمزم، حتى ظهر الماء، فجعلت تحوضه، ثم تغرف منه في سقائها، وهو يفور بعدما تغرف منه، وفي ذلك يقول النبي : «يرحم الله أم إسماعيل، لو تركت زمزم»، أو قال: «لو لم تغرف من زمزم لكانت زمزم اليوم عينًا معينًا» [البخاري]. فشـربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: «لا تخافوا الضيعة، فإن هذا بيت الله يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله» [البخاري].

وبينما هي على هذه الحال، مر بهم أهل بيت من قبيلة جرهم اليمنية القحطانية؛ وعندما وجدوا الماء، استأذنوها في النزول عندها، فأذنت لهم بشـرط أن لا يكون لهم حق في الماء، فوافقوا، وأرسلوا إلى بقية أهليهم فنزلوا معهم، وشب الغلام اسماعيل بينهم، وتعلم اللغة العربية منهم، وأعجبهم حين شب، فلما كبر زوجوه امرأة منهم. [وقيل إن زوجته الأولى كانت من العماليق] [البداية].

وعندما ماتت هاجر جاء إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ولم يجد حينها ولده إسماعيل بالبيت، فأخبرته زوجه أنه خرج في حاجتهم، وعندما سألها عن عيشهم، شكت إليه مر الشكوى مما يلاقيانه من شدة، فأوصاها أن تقرئه السلام، وتقول له: أن يغير عتبة بيته. فعندما عاد إسماعيل أخبرته زوجته بالذي حدث، فعرف من وصفها أنه أبوه، وفهم الوصية، وفهم أن العتبة تعني زوجته، فطلقها، وتزوج امرأة أخرى. وبعد فترة من الزمان عاد إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - مرة أخرى فلم يجد إسماعيل بالمنزل، وسأل زوجه عن عيشهم، فحمدت الله، وأثنت عليه بما وسع عليهم في الرزق، فأوصاها بأن تقرئه السلام وتقول له أن يثبت عتبة بيته. فعندما عاد إسماعيل وأخبر بما حدث، عرف أباه وفهم وصيته، فأمسك عليه زوجه.

ثم غاب إبراهيم عليه السلام ما شاء الله، ثم عاد، ووجد ابنه من وراء زمزم يصلح نبلًا له، تحت دوحة عظيمة قريبة من زمزم، فلما رآه قام إليه فصنعا كما يصنع الوالد مع الولد - أي تعانقا -.

فطلب إبراهيم عليه الصلاة والسلام من ابنه أن يعينه بما أمره الله تعالى به، وهو بناء الكعبة على مكان مرتفع قرب زمزم، ففعل، فكان إبراهيم عليه السلام يبني، ويأتيه إسماعيل بالحجارة، حتى ارتفع البناء، فجاءه بحجر المقام فوضعه له، فقام عليه، وكانا يقولان وهما يبنيان-: ﴿ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة:127] [البخاري].

ليست هذه هي المرة الأولى التي يعين فيها إسماعيل عليه السلام أباه على طاعة الله تعالى وتنفيذ أمره. فقد ثبت أن إبراهيم عليه السلام عاد إلى مكة عندما شب إسماعيل، وقد أوحى الله تعالى إليه منامًا أن يذبحه قربانًا لله تعالى.

فاستشار إبراهيم عليه السلام ابنه إسماعيل في ذلك قائلًا: ﴿ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ [الصافات:102] فأجاب إسماعيل قائلًا: ﴿ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ﴿ ١٠٢ [الصافات:102] [انظر الصافات: 102- 107].

وخرج به إلى منى لتنفيذ أمر ربه، ولما تله للجبين - والسكين بيده - ناداه ربه: ﴿ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ ﴿ ١٠٤ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ۚ . وفداه الله تعالى بذبح عظيم ﴿ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ﴿ ١٠٧ [الصافات: 102-107]، أي بكبش أملح كبير، فترك الولد وذبح الكبش، وفاز الوالد والولد برضا الله تعالى [زاد المسير].

وعندما فرغ إسماعيل وإبراهيم عليهما السلام من بناء البيت، أمر الله تعالى نبيه إبراهيم عليه السلام أن يؤذن في الناس بالحج: ﴿ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴿ ٢٧ [الحج:27]، فقيل: صعد عليه السلام جبل أبي قبيس أو الحِجر أو الصفا، ونادى باسم الله تعالى قائلًا: «أيها الناس! إن ربكم بنى لكم بيتًا فحجوه». فأسمع الله نداءه كل مخلوق، ومن كتب الله تعالى أنه يحج إلى يوم القيامة، فلبى قائلًا: «لبيك اللهم لبيك» [تفسير ابن كثير].

ودعا إبراهيم وإسماعيل عليهماالسلام ربهماعزوجل بما حكاه عنهما القرآن الكريم: ﴿ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿ ١٢٩ [البقرة:129] [تفسير الطبري]. قال الطبري [التفسير]: (وهذه دعوة إبراهيم وإسماعيل لنبينا محمد خاصة، وهي الدعوة التي كان نبينا محمد يقول عنها: «أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى...»). وعاش إسماعيل بجوار البيت الحرام مع أصهاره جرهم إلى أن بعثه الله رسولًا إليهم وإلى كافة من بالحجاز من قبيلة العماليق وأهل اليمن [البداية]. قال تعالى: ﴿ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا ﴿ ٥٤ [مريم:54].

وأنجب اثني عشر ولدًا ذكرًا. وقد سماهم محمد بن إسحاق، ونقل ذلك عنه ابن كثير [في البداية]، وأولهما نابت وقيذار. ونابت هو الذي اختير لأن يكون من آباء دعوة إبراهيم وإسماعيل عليهماالسلام. واختفت حلقات السلسلة الذهبية فيما بين نابت وعدنان لظروف غامضة غير معروفة. وكان عدد الآباء ما بين نابت وعدنان يقدر بستة آباء، وقد عاشوا جميعًا بالحرم المكي، ومع هذا لم تضبط أسماء هؤلاء الآباء الستة.

وقد جزم الرسول بنسبه إلى عدنان، أما أجداده ما بين عدنان وإسماعيل فمختلف فيهم. [ابن عساكر].

وعندما مات إسماعيل عليه السلام دفن مع أمه في الحجر، وكان عمره مائة وسبعًا وثلاثين سنة. وينتسب كل عرب الحجاز إلى ولديه نابت وقيذار [البداية].

هذا وتجدر الإشارة هنا إلى أن عهد إبراهيم عليه السلام كان في القرن التاسع عشـر قبل الميلاد [أحمد سوسة: العرب واليهود في التاريخ].

تعدد بناء الكعبة:

المرة الأولى: عمارة الملائكة، كما روى الأزرقي.

المرة الثانية: عمارة آدم عليه السلام كما روى البيهقي [الدلائل]، وغيره [السبل].

المرة الثالثة: عمارة أولاد آدم عليه السلام كما روى الأزرقي وغيره، عن وهب ابن منبه، وذكره السهيلي، أن الذي بناها شيث بن آدم عليه السلام.

المرة الرابعة: عمارة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام التي ذكرناها، وجزم ابن كثير [البداية] بأن هذا كان أول بناء. قال: «ولم يجئ في خبر صحيح عن معصوم أن البيت كان مبنيًا قبل الخليل عليه السلام ومن تمسك في هذا بقوله: ﴿ مَكَانَ الْبَيْتِ [الحج:26] فليس بناهض ولا ظاهر، لأن المراد مكانه المقدر في علم الله، المقرر في قدرته، المعظم عند الأنبياء موضعه، من لدن آدم إلى زمان إبراهيم». وقال الشامي معلقًا على كلام ابن كثير هذا: (... وفيه نظر لما ذكر من الآثار السابقة واللاحقة).

المرة الخامسة والسادسة: عمارة العماليق ثم جرهم، كما نقل الشامي من رواية ابن أبي شيبة وإسحاق بن راهويه في مسنده، وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن علي رضي الله عنه. قال السهيلي: (وقد قيل: إنه بني في أيام جرهم مرة أو مرتين؛ لأن السيل كان قد صدع حائطه، ولم يكن ذلك بنيانًا على نحو ما قدمنا، إنما كان إصلاحًا لما وهى منه، وجدارًا بني بينه وبين السيل، بناه عامر الجارود، وقد تقدم هذا الخبر). [وانظر بناء العماليق في دلائل البيهقي (2/ 56-57)؛ وأخرج الحاكم الرواية (1/ 458) وصححها وأقره الذهبي].

المرة السابعة: عمارة قصي بن كلاب - جد النبي - قال الشامي: (نقله الزبير بن بكار في كتاب النسب، وجزم به الإمام أبو إسحاق الماوردي في الأحكام السلطانية).

المرة الثامنة: عمارة قريش، حين كان للرسول من العمر خمسة وثلاثون عامًا، كما سيأتي ذكره هنا في المبحث الخاص بمشاركة الرسول في بناء الكعبة.

المرة التاسعة: عمارة عبد الله بن الزبير، كما روى الشيخان وغيرهما. وسيأتي ذكرها.

المرة العاشرة: عمارة الحجاج بن يوسف بأمر عبد الملك بن مروان الخليفة الأموي، كما روى الإمام مسلم. وعندما شكك عبد الملك في سماع ابن الزبير من خالته عائشة رضي الله عنها حديث الرسول : «لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية - أو قال: بكفر - لهدمتها وجعلت لها غلقًا وألصقت بابها بالأرض وأدخلت فيها الحجر»، أكد له الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة - المعروف بالقباع، وأخو عمر بن أبي ربيعة، الشاعر المشهور - أنه سمعه منها، فندم على نقضه وإعادته. [مسلم].

وروي أن الرشيد العباسي عزم على نقضها وإعادتها كما بناها ابن الزبير، فقال له مالك ابن أنس: أنشدك الله يا أمير المؤمنين أن لا تجعل هذا البيت ملعبة للملوك بعدك، لا يشاء أحد منهم أن يغيره إلا غيره، فتذهب هيبته من قلوب الناس. فصرفه عن رأيه فيه. [البداية].

المرة الحادية عشر: بناء السلطان مراد خان العثماني، سنة 1040هـ - 1630م، ذكره محمد علي بن علان في رسالته التي بهذا الشأن، وسببه ما فعله السيل بالكعبة، حيث أسقط منها بعض الأجزاء. [إخبار الكرام للمكي].

دلت الآيات القرآنية التي نزلت في شأن بناء الكعبة والأحاديث الصحيحة التي رواها البخاري وغيره على أن أول من بنى الكعبة هو إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام. وقد كان مكان البيت ربوة عالية مشرفة على ما حولها، معروفة للملائكة، ولمن سبق من الأنبياء، وبقعة مشرفة معظمة من قديم الزمان حتى جاء الخليل فأسس قواعده وبناه.

أما الروايات التي تقول ببناء الكعبة قبل هذا فأغلبها موقوفة على بعض الصحابة أو التابعين، ورواها أهل التاريخ والسير كالأزرقي والفاكهي وبعض المفسـرين والمحدثين الذين لا يلتزمون إخراج الروايات الصحيحة أو الحسنة. وقد مر بك قول ابن كثير: (ولم يجئ في خبر صحيح عن معصوم أن البيت كان مبنيًا قبل الخليل عليه السلام).

ويقول أبو شهبة [السيرة] بعد ترجيحه كلام ابن كثير-: (ولا ينافي ما رجحناه وذهبنا إليه ما روي: أنه ما من نبي إلا وقد حج البيت)، ما رواه أبو يعلى في مسنده بسنده عن ابن عباس قال: حج رسول الله ، فلما أتى وادي «عُسْفَان» قال: «يا أبا بكر، أي وادٍ هذا؟»، قال: هذا وادي عُسْفَان، قال: «لقد مَرَّ بهذا نوح وهود وإبراهيم على بَكَرَاتٍ لهم حُمْرٍ، خَطْمُهُمُ اللِّيفُ، وأُزُرُهم العَباء، وأرْدِيَتُهُم النِّمار، يحجون البيت العتيق»، وما رواه الإمام أحمد في مسنده بسنده عن ابن عباس، قال: لما مر النبي بوادي عُسْفَان حين حج قال: «يا أبا بكر، أي وادٍ هذا؟»، قال: وادي عُسْفَان، قال: «لقد مَرَّ به هود وصالح عليهما السلام على بَكَرَاتٍ لهم حُمْر، خَطْمُهَا اللِّيف، أُزُرُهم العَباءُ، وأرْدِيَتُهُم النِّمَارُ، يلبون يحجون البيت العتيق»، إسناده حسن. وقد تقدم في قصة نوح (1/ 278) عليه السلام «وفيه نوح وهود وإبراهيم» وقال أبو شهبة: لأن المقصود الحج إلى محله، وبقصته المعروفة، وإن لم يكن ثم بناء. [بكرات: جمع بكرة، وهي الناقة الفتية القوية؛ وخطم: جمع خطام، وهو الزمام الذي تشد به الناقة، والأزر: جمع إزار، وهو ما يستر به أسفل الجسم من الوسط؛ والأردية: جمع رداء، وهو ما يوضع على الكتفين ويستر به النصف الأعلى. والنمار جمع نمرة، وهو الكساء المخطط].

عمل ابن الزبير رضي الله عنهما وغيره في عمارة الكعبة:

عندما قرر ابن الزبير تجديد الكعبة، باشر المسلمون نقضها حتى بلغوا بها الأرض، فأقاموا أعمدة من حولها وأرخوا عليها الستور، ثم باشروا في رفع بنائها، وزادوا عليها الأذرع الستة التي أنقصتها منه قريش، وزادوا في طولها إلى السماء عشرة أذرع، وجعلوا لها بابين من الشرق والغرب، أحدهما يدخل منه والآخر يخرج منه. وذلك استنادًا إلى قول الرسول الذي رواه الشيخان: «يا عائشة، لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم فأدخلت فيه ما أخرج منه وألزقته بالأرض وجعلت له بابًا شرقيًا وبابًا غربيًا فبلغت به أساس إبراهيم»، أو في معنى هذا.

وذكر الأزرقي، أن إبراهيم جعل طول بناء الكعبة في السماء تسعة أذرع، وطولها في الأرض اثنين وثلاثين ذراعًا، وعرضها في الأرض اثنين وعشـرين ذراعًا، وكانت بغير سقف. وحكى السهيلي أن طولها في السماء كان تسع أذرع من عهد إسماعيل، فلما بنتها قريش قبل الإسلام، زادوا فيه تسع أذرع، فكانت ثمانية عشر ذراعًا، ورفعوا بابها عن الأرض، فكان لا يُصعد إليها إلا في دَرَج أو سُلَّم، وقد ذكرنا أن أول من عمل لها غَلَقًا هو تُبَّع، ثم لما بناها ابن الزبير زاد فيها تسع أذرع، فكانت سبعًا وعشرين ذراعًا، وعلى ذلك هي الآن».

لم يكن للمسجد الحرام سور. وكانت تحيط به الدور من كل الجهات، وعندما رأى ابن الخطاب أن المسجد قد ضاق بالحجاج والزوار، اشترى الدور التي حوله من أهلها فوسَّعه وجعل له سورًا على قامة الرجل، وأناره [الأزرقي؛ السهيلي] وعندما رأى عثمان رضي الله عنه أن المسجد أيضًا قد ضاق بالحجاج والمعتمرين، اشترى دورًا أخرى فوسع بها الحرم [الأزرقي]، وكذلك فعل ابن الزبير [الأزرقي].

ولم يزل الخلفاء الأمراء من ذلك الزمان يتعهدون الحرم بالتوسعة [الأزرقي] إلى زماننا هذا الذي يشهد فيه أضخم توسعة على يد الحكومة السعودية، فجزاهم الله خيرًا.

وانظر في هذا بحثنا المشار إليه قبل صفحتين. [عمارة الكعبة...].

مقام إبراهيم عليه السلام:

المقام: هو الحجر الذي كان يقف عليه إبراهيم لما ارتفع البناء عن قامته كما ذكرنا، وقد تركت قدماه أثرًا فيه، وظل هذا الأثر إلى أول الإسلام، غير أنه أذهبه مسح الناس بأيديهم، وفي هذا يقول أبو طالب:

وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة

على قدميه حافيًا غير ناعل

[البداية].

وقد روي أن المقام كان ملصقًا بحائط الكعبة، على ما كان عليه من قديم الزمان إلى أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأخَّره عن البيت قليلًا، توسعة على الطائفين والمصلين عند المقام، ووافق الصحابة رضي الله عنهم على عمل الفاروق [عبد الرزاق، صحيح؛ البيهقي، صحيح].

وقد سبق وأن وافق الله تعالى على قول عمر رضي الله عنه لرسول الله : «لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى»، فأنزل الله تعالى: ﴿ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ۖ [البقرة:125] [البخاري، أحمد، صحيح].

وتجدر الإشارة هنا إلى أن إبراهيم عليه السلام بنى أيضًا المسجد الأقصـى، وقيل: إن يعقوب عليه السلام هو الذي أسسه. وقد كان بين البناءين أربعون عامًا، كما قال الرسول [متفق عليه].

أما الحديث الذي رواه النسائي [السنن، صحيح]، وفيه أن سليمان بن داود عليهما السلام هو الذي بنى المسجد الأقصـى، فالمقصود بالبناء هنا هو التجديد كما ذكر السيوطي وابن القيم وابن حجر، واستعمال البناء بمعنى التجديد وارد في اللغة العربية، كما قال الدكتور أبو شهبة.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة