حجم الخط:

محتوى الدرس (2)

[2] حالة العالم حين بعث محمد

[تمهيد]

لقد عاشت البشرية في ظلام من الجاهلية في القرنين السادس والسابع الميلاديين، إذ سادت الوثنيات والخرافات والعصبيات والقبليات والطبقيات والمفاسد الاجتماعية والسياسية. وحرفت معظم الأفكار الإصلاحية السليمة، سواء التي جاء بها أنبياء الله تعالى المرسلون، أو الحكماء الذين استقامت فطرهم على الحق. وقد عبر الرسول عن هذه الحقيقة في قوله: «إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، عربهم وعجمهم جميعًا إلا بقايا من أهل الكتاب» [مسلم].

وفي الصفحات القليلة التالية، نذكر باختصار، ما كانت عليه الجزيرة العربية في تلك الفترة، لبيان ضرورة رسالة النبي وما تضمنته من أسس ومعايير، كانت وما زالت وستظل، عوامل رئيسة في بناء الحضارة الإنسانية.

1- في الجزيرة العربية:

أولًا: الحالة السياسية:

أ - الملك باليمن:

إن من أقدم الشعوب التي عرفت باليمن من العرب العاربة قوم سبأ، الذين ورد ذكرهم في القرآن الكريم، ويبدأ ازدهار حضارتهم ونفوذ سلطانهم بأحد عشـر قرنًا. وفي سنة ثلاثمائة الميلادية غلبت على ملكهم قبيلة حمير، ثم بدأت اليمن في دور الانحطاط، وأخذت القبائل القحطانية في الهجرة إلى البلاد المختلفة.

وتوالت عليهم الاضطرابات والحروب الأهلية في المئتين والسبعين سنة التي سبقت دخول الإسلام اليمن، مما أتاح للأجانب القضاء على استقلالهم. فدخلت الرومان عدن، وبمعونتهم احتلت الأحباش اليمن لأول مرة، سنة 340م، مستغلين التنافس بين قبيلتي همدان وحمير، واستمر احتلالهم إلى سنة 378م. ثم نالت اليمن استقلالها، ولكن سلط الله تعالى عليهم سيل العرم سنة 450 أو 451م فهدم سد مأرب الذي جعله الله تعالى مصدر نعمة ورخاء لهم [تاريخ اليعقوبي]. وكل ذلك بسبب عتوهم وفسادهم وانحرافهم. وهذه سنة الله تعالى في ذلك.

وفي سنة 523م قام ملكهم ذو نواس بحملة ضد المسيحيين لصـرفهم عن دينهم، فلما أبوا، حفر لهم أخدودًا، وأوقد فيه نارًا، فقذفهم فيها، وهم الذين حكى الله تعالى خبرهم في الآيات: ﴿ قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ ﴿ ٤ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ ﴿ ٥ [البروج: 4-5]، وكان سببًا في تحريض الروم الأحباش ليحتلوا اليمن للمرة الثانية بقيادة أرياط سنة 525م، وظل حاكمًا على اليمن إلى أن اغتاله أبرهة - أحد قواد جيشه - وحكم مكانه بعد أن نال رضى ملك الحبشة. وقام أبرهة بمحاولة هدم الكعبة بمكة، ولكن الله رده بقوته، كما حكى ذلك القرآن الكريم في سورة الفيل.

واستنجد اليمنيون بالفرس فأعانوهم على إجلاء الأحباش سنة 575م، بقيادة معد يكرب بن سيف بن ذي يزن الحميري، وملكوه عليهم. وكان قد أبقى جمعًا من الحبشة لخدمته، فاغتالوه، وبموته انقطع الملك عن بيته، وولى كسرى عاملًا فارسيًا على صنعاء، وجعل اليمن ولاية فارسية. وكان آخر ولاتهم باذان، الذي اعتنق الإسلام، وبإسلامه انتهى نفوذ الفرس في بلاد اليمن [نفسه]، وكان إسلام باذان في جمادى الأولى سنة سبع من الهجرة - 628م [ابن سعد].

ب - الملك بالحيرة:

حكمت الفرس العراق وما جاورها منذ أن جمع شملهم قوروش الكبير (557-529ق.م) ثم فرق شملهم الإسكندر المقدوني سنة 326ق.م عندما هزم ملكهم دارا الأول، ودخلت البلاد في حكم الطوائف إلى سنة 330م. وفي عهد هؤلاء الملوك هاجر القحطانيون وسكنوا جزءًا من ريف العراق، ثم لحقهم من هاجر من العدنانيين، فزاحموهم حتى سكنوا جزءًا من الجزيرة الفراتية.

وجمع أردشير الفارسي - مؤسس الدولة الساسانية منذ سنة 226م - شمل الفرس، وسيطر على العرب المقيمين على تخوم مملكته، وكان ذلك سببًا في رحيل قضاعة إلى الشام، ودان له أهل الحيرة والأنبار، ولصعوبة حكم المناطق البعيدة رأى أن ينصب عليهم ملكًا منهم، اسمه جذيمة الوضاح، ويعينه بكتيبة من الفرس، ليقفوا جميعًا في وجه مطامع الروم وعرب الشام، الذين اصطنعهم الروم. واشتهر من ملوك الحيرة النعمان بن المنذر، وهو الذي خاض حربًا ضد ملك الفرس، وهزم جيش الفرس في موقعة ذي قار، بعد ميلاد الرسول ، وهو أول يوم انتصـرت فيه العرب على العجم، وقيل: إن الرسول قال عنه: «هذا أول يوم انتصف العرب فيه من العجم، وبي نصروا» [الطبري: التاريخ].

جـ - الملك بالشام:

في العهد الذي ماجت فيه العرب بهجرات القبائل صارت بطون من قضاعة إلى مشارف الشام وسكنت بها، وكانوا من بني سليح بن حلوان، الذين منهم بنو ضجعم ابن سليح، المعروفون باسم الضجاعمة؛ فاصطنعهم الرومان ليمنعوا عرب البرية من العبث، وليكونوا عدة ضد الفرس، وولوا منهم ملكًا، ثم تعاقب الملك فيهم زمانًا إلى أن غلبهم عليه الغساسنة. وظل الغساسنة في الملك من قِبَل الروم إلى أن كانت وقعة اليرموك سنة 13هـ-634م، ودخل في الإسلام آخر ملوكهم جبلة بن الأيهم، في عهد عمر رضي الله عنه [تاريخ اليعقوبي].

د - مكة:

إن مكة من بلدان الحجاز، ولم يقم بالحجاز كيان سياسي موحد يمكن أن يسمى بالدولة، وإنما قامت بها مدن، لكل منها نظامها السياسي الذي هو أقرب إلى المشيخة منه إلى نظام الملك. ومن أشهر المدن: مكة ويثرب والطائف.

تناولت فيما سبق طرفًا من تاريخ نشأة مكة، وذكرنا أصل سكانها، وهم جرهم، وقيل: كان قبلهم العماليق، الذين كانوا يسكنون خارجها، أي من حولها [الأزرقي].

لم تحافظ جرهم على حرمة الحرم بعد إسماعيل، فكثر في أيامهم البغي والفساد. واغتصب كثير منهم مال الكعبة الذي كان يهدى إليها. ويقال: إن ماء زمزم نضب في عهدهم، كما أن البئر نفسها زالت معالمها، وعندما تفرق بعض عرب اليمن بعد سيل العرم، هاجر ثعلبة بن عمرو بن عامر مع قومه إلى مكة، ولم تقبلهم جرهم، ودارت بينهم حرب انتهت بهزيمة جرهم.

وعندما مرض ثعلبة، رحل إلى الشام، وولى أمر مكة وحجابة الكعبة ابن أخيه ربيعة بن حارثة بن عمرو، وهو لحي، وعرف قومه بخزاعة. وقد انحاز إليهم بنو إسماعيل ابن إبراهيم. وكانوا قد اعتزلوا الحرب التي دارت بين جرهم وثعلبة [الأزرقي].

ظلت خزاعة تلي أمر البيت الحرام نحوًا من ثلاثمئة سنة، وقيل: خمسمئة سنة. وكانت قريش إذ ذاك متفرقة في بني كنانة حتى تزعمها قُصَيُّ بن كِلَاب ووحَّد بطونها، وخاض حربًا ضد خزاعة حول ولاية البيت. وأعانته قضاعة في حربة، وتدخلت قبائل العرب، وانتهت الحرب بالتحكيم الذي نتج عنه أحقية قصي بولاية الكعبة.

ومنذ ذلك اليوم ارتفعت مكانة قريش بين العرب [نفسه].

قام قصي بتقطيع مكة رِبَاعًا بين قومه، فأنزل كل قوم من قريش منازلهم من مكة، وكانت له جميع الرئاسات من حِجَابة وسِقَاية وسِدَانة ولِوَاء. وبنى دارًا لإزاحة الظلمات وفصل الخصومات، سماها دار النَّدْوَة، وكان يرأس اجتماعاتها ويدير شؤونها. وفرض على قريش خرجًا سنويًا يؤدونه إليه لينفق منه على إطعام فقراء الحجاج.

وعندما كبر قصي فوض أمر هذه الوظائف والرئاسات إلى أكبر أبنائه عبد الدار، ولما مات عبد الدار وإخوته: عبد مَنَاف وعبد شَمس، وعبد العُزَّى، اختلف أبناؤهم في هذه الرئاسات، وافترقوا إلى فرقتين، ففرقة بايعت بني عبد الدار، وفرقة بايعت بني عبد مناف، ووضع حلف بني عبد مناف أيديهم عند الحلف في جَفْنَةٍ فيها طيب، ثم لما قاموا مسحوا أيديهم بأركان الكعبة، فسموا حلف المُطَيَّبين.

أما بنو عبد الدار ومن حالفهم. فقد أخرجوا جَفْنَةً مملوءة دمًا، وفعلوا ما فعله بنو عبد مناف عند الكعبة، وسموا الأحلاف.

ثم أخيرًا اصطلح الفريقان على أن تكون الرِّفَادَة والسقاية لبني عبد مناف، وأن تستقر الحجابة واللواء والندوة في بني عبد الدار [ابن إسحاق] وقسمت الرئاسات التي نالها بنو عبد مناف بين هاشم وأخيه عبد شمس، فكانت السقاية والرفادة لهاشم، والقيادة لعبد شمس [الأزرقي].

وعندما علت مكانة هاشم بين قومه حسده ابن أخيه أمية بن عبد شمس، وحاول أن ينافسه في إطعام الحجاج فعجز، فشمت به بعض قومه فزاد حسده وحقده على عمه.

وولي السقاية والرِّفَادَة المطلب بعد وفاة أخيه هاشم، ثم عندما مات المطلب خلفه ابن أخيه عبد المطلب بن هاشم، ثم عندما مات خلفه ابنه العباس بن عبد المطلب، وقد أبقاهما الرسول في يده بعد فتح مكة.

أما بنو عبد الدار فقد توارثوا الحجابة واللواء ورئاسة دار الندوة. وقد أبقى الرسول الحجابة بأيديهم عندما فتح مكة ودفع بمفتاح الكعبة إلى عثمان بن طلحة، وهي فيهم إلى اليوم، وقيل: إن الآية: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا [النساء:58]، قد نزلت بهذا الخصوص [تفسير الطبري]، ولم يستبعد الطبري ذلك، وساق أقوالًا أخرى في ذلك.

هـ - يثرب:

كان أول من سكنها العمالقة، ثم تغلبت عليهم بعض القبائل اليهودية، فأقاموا بها، خاصة في القرنين الأول والثاني الميلاديين، إثر الحروب التي شنها الرومان ضد اليهودية بسورية، فتفرقوا في البلاد، فلجأت قبائلهم وعلى رأسهم بنو النضير وبنو قريظة إلى يثرب. وأقاموا بها حتى نزح إليهم من بلاد اليمن قبائل الأوس والخزرج عندما تهدم سد مأرب [المقريزي: إمتاع الأسماع].

عاش اليهود والأوس والخزرج في وئام فترة من الزمان، وتحالفوا ليأمن بعضهم بعضًا، وعندما قويت شوكة الأوس والخزرج تنمَّر اليهود عليهم ونقضوا الحلف الذي بينهم، فاستنجد العرب ببني عمومتهم الغساسنة، فأنجدوهم أنفة من تسلط اليهود عليهم [صبح الأعشى].

وكذلك عاش الأوس والخزرج في وئام في بداية أمرهم، ثم وقعت بينهما حروب طويلة، كان النصر في أغلب الأحيان للخزرج، ولهذا حاولت الأوس محالفة قريش ضد الخزرج، فلم تفلح، فلجؤوا إلى الحلف مع بني قريظة وبني النضير. وسمعت الخزرج بهذا فأرسلت تستوضح الموقف، فأفادتهم يهود بأنها لا ترغب في الحرب، فأرادت الخزرج أن تتأكد من هذا، فطلبت منهم أربعين غلامًا، ليتخذوهم رهائن لديهم، وعندما استجابوا لهم، خيروهم بين الجلاء عن يثرب أو قتل الغلمان، فآثروا الخروج من ديارهم، غير أن كعب بن أسد القرظي أقنعهم بالبقاء والتضحية بالرهائن، فقتل الخزرج الغلمان، فغضب يهود وجاهروا بحلفهم مع الأوس، ووقفوا معهم في موقعة بُعَاث، فانتصر الأوس، بعد أن أوقعوا في الخزرج مقتلة عظيمة، ثم تصالح الفريقان، واتفقا على إقامة حكومة تعمل على استقرار الأمور بيثرب، برئاسة عبد الله ابن أُبَيّ بن سَلُول الخزرجي. [الوفا]، وبينما كانوا يستعدون لذلك قدم الرسول المدينة مهاجرًا، فدان الجميع لسلطان الإسلام. ولم يجد ابن أبي بدًا من الدخول في الإسلام ظاهرًا بعد موقعة بدر، ودلت مواقفه بعد ذلك على نفاقه كما سيأتي بيانه. وهو ممن اتفق على نفاقه أهل الحديث والتفسير والمغازي والسير.

أما زعيم الأوس: أبو عامر بن صيفي بن النعمان، والد أبي حنظلة الغسيل، فقد أبى إلا الكفر فخرج إلى مكة، ثم إلى الطائف، ثم إلى الروم بالشام، محاولًا في كل أطوار حياته القضاء على الإسلام، وكان قد ترهب في الجاهلية، فسموه الراهب، فقال رسول الله : «لا تقولوا الراهب، ولكن قولوا الفاسق» [ابن إسحاق]. وله قصة في أحداث غزوة أحد، سيأتي ذكرها في مكانها.

و- الطائف:

كانت الطائف تعرف باسم (وَجَّ)، نسبة إلى وَجِّ بن عبد الحي، أحد العمالقة الذين سكنوها. رحلت إليها قبيلة هوازن من وادي القُرَى، وتزوج زعيمها قسب بن منبه ابن بكر بن هوازن بابنة زعيم وج عامر العدواني، واشتهر قسب باسم ثقيف فيما بعد...، وعندما تكاثروا بنوا سورًا ليكون حصنًا، وأطلقوا عليه الطائف، لإطافته بهم، ومن ثم عرفت هذه المدينة بالطائف بدلًا من وج. [معجم ما استعجم؛ معجم البلدان].

وعندما ظهر الإسلام كانت ثقيف مقسمة إلى فرقتين: الفرقة الأولى: هم بنو مالك والثانية الأحلاف. وكانت بينهم شحناء أدت إلى حرب بينهما، انتصـر فيها الأحلاف وأخرجوا بني مالك إلى واد وراء الطائف. ثم رأى بنو مالك أن يعززوا موقفهم العسكري بالتحالف مع بعض القبائل، فحالفوا دوسًا وخثعمًا وغيرهما على الأحلاف. ولكن لم تقع بينهم بعد ذلك حروب ذات بال [الكامل في التاريخ].

ثانيًا: الحالة الدينية عند العرب في الجزيرة العربية:

استمرت خزاعة على ولاية الكعبة نحوًا من ثلاثمئة سنة، وقيل: خمسمئة سنة. وكانوا قوم سوء في ولايتهم، وذلك لأنه كان في زمانهم أول عبادة الأوثان بالحجاز، بسبب رئيسهم عمرو بن لحي. [يأتي ذكره]، الذي زار الشام ووجد العماليق بمؤاب من أرض البلقاء (مكان بالأردن الآن) يعبدون الأصنام، وقالوا له إنهم يعبدونها لأنهم يستمطرونها فتمطرهم ويستنصرونها فتنصرهم، فطلب صنمًا فأعطوه صنم هُبَل، فجاء به مكة ونصبه وأمر الناس بعبادته وتعظيمه، لأنه كان سيدًا مطاعًا فيهم. وعندما بدأ بنو إسماعيل يتفرقون في البلاد أخذوا يحملون معهم من حجارة الحرم تعظيمًا للحرم، فحيثما نزلوا وضعوه فطافوا به كطوافهم بالبيت، حتى سلخ ذلك بهم إلى أن كانوا يعبدون ما استحسنوا من الحجارة وأعجبهم، وخلفت الخلوف ونسوا ما كانوا عليه من دين إبراهيم. [ابن هشام].

وكثرت فيهم الأصنام، فكان (وَدٌّ) لبني كَلْب بن وَبْرَةَ بدُوْمَةِ الجَنْدَل، و(سُوَاع) لبني هُذَيل بمكان تسمى رُهَاط، على ثلاث ليال من مكة، و(يَغُوْث) لبني أَنْعُم من طيء ولأهل جُرش من مَذْحِج اليمنية، وكان منصوبًا بجرشَ، و(يَعُوْقَ) لبني خَيْوَانَ الهمدانيين، و(نَسْرَ) لقبيلة ذي الكُلَاع الحِمْيَرِية. [ابن إسحاق].

وهذه الأصنام هي التي عبدها قوم نوح، وحكى خبرها القرآن الكريم، قائلًا: ﴿ وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا ﴿ ٢٣ وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا ۖ [نوح: 23-24]، فعندما فارق ولد إسماعيل وغيرهم دين إبراهيم عبدوا هذه الأصنام. [انظر البخاري].

وكان لخولان صنم يدعى (عَمُّ أَنَس) وقيل: (عُمْيَانِسُ)، يقسمون له من أنعامهم وحروثهم قسمًا بينه وبين الله - فيما يزعمون - وفيهم أنزل الله تعالى: ﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا [الأنعام:136]. وكان لبني مِلْكَانَ بن كِنَانَة صنم يقال له: (سَعْد). وكان لدَوْسٍ صنم لعمرو بن حُمَمَة اَلدَّوْسِيُّ. وكان لقريش مع هبل صنما: (إِسَاف) و(نائلة)، على موضع زمزم، ينحرون عندهما، قالت عائشة رضي الله عنها: «ما زلنا نسمع أن إسافًا ونائلة كانا رجلًا وامرأة من جرهم أحدثا في الكعبة فمسخهما الله عز وجل حجرين» [ابن إسحاق، حسن لذاته].

واتخذ أهل كل دار في دارهم صنمًا يعبدونه، وكان آخر ما يفعلونه عند الشروع في السفر وأول ما يفعلونه حين العودة منه، التمسح بالصنم، فلما بعث الله محمدًا بالتوحيد، عابوا عليه ذلك وقالوا: ﴿ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ﴿ ٥ [ص:5].

وفي الصحيح عن أبي الرجاء العطاردي، قال: «كنا في الجاهلية إذا لم نجد حجرًا جمعنا جُثْوَةً من التراب وجئنا بالشاة فحلبناها عليه، ثم طفنا به» [البخاري].

وروى ابن كثير [في البداية] عدة أحاديث صحيحة تدل على ما ابتدعه عمرو بن لحي في الدين واتبعه العرب في ذلك، فضلُّوا ضلالًا بعيدًا؛ من ذلك رواية الشيخين: قال رسول الله : «رأيت عمرو بن عامر الخزاعي [أي عمرو بن لحي] يجر قُصْبَهُ [أي أمعاءه] في النار، كان أول من سيَّب السوائب...»، ورواية ابن إسحاق [السيرة، حسن] الأكثر تفصيلًا وبإسناد صحيح، ولفظها: «... إنه كان أول من غير دين إسماعيل، فنصب الأوثان، وبحر البحيرة، وسيَّب السائبة، ووصل الوصيلة، وحمى الحامي». وقد أنكر الله تعالى عليهم ذلك في أكثر من آية، فقد قال عز وجل: ﴿ وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۚ [النحل:116].

قال ابن عباس [كما في تفسير الطبري]: «إذا سرك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين والمائة من سورة الأنعام...» ففيها خلاصة عبادة العرب وما نتج عن ذلك من ممارسات اجتماعية ضارة.

ولم يبق من دين إبراهيم إلا القليل، مثل تعظيم البيت والطواف به والحج والعمرة، والوقوف بعرفات والمزدلفة وإهداء البدن مع إدخالهم في هذا ما ليس منه. فكانت كنانة وقريش إذا أهلوا بالحج أو العمرة قالوا: «لبيك اللهم لبيك لا شريك لك، إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك»، فيوحدونه بالتلبية، ثم يدخلون معه أصنامهم ويجعلون ملكها بيده» [ابن إسحاق]. وكانوا يطوفون بالبيت عراة وهم يصرخون.

واتخذت العرب طواغيت مع الكعبة، وهي بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة، لها سدنة وحجاب، ويهدى لها، ويطاف بها، وينحر عندها. فكانت لقريش وبني كنانة (العُزَّى) بنَخْلَة، وكان سدنتها وحجابها من بني شَيْبَانَ، من سُلَيْمٍ، حلفاء بني هاشم، وكانت (اللّاتُ) لثقيف بالطائف. وكان سدنتها وحجابها من بني مُعَتِّبٍ، من ثقيف. وكانت (مَنَاةُ) للأوس والخزرج ومن دان بدينهم، بناحية المُشَلَّل بقُدَيْدٍ. وهذه الطواغيت هي التي أشار إليها القرآن الكريم في الآية: ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ ﴿ ١٩ وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ ﴿ ٢٠ [النجم: 19-20]. وكان (ذو الخَلَصَة) لدَوْسٍ وخَثْعَم وبَجِيْلَةَ ومن كان ببلادهم من العرب بِتَبَالَةَ، وكان يقال له: (الكعبة اليمانية)، ويُقَالُ لبيت مكة: (الكعبة الشامية). وكان (فَلْسٌ) لطيء ومن يليها بَجَبَلَيْ طيء، يعني أَجَا وسَلْمَى. وكان (رِئَام) بيتًا لحمير وأهل اليمن. وكانت (رُضَاءُ) بيتًا لبني ربيعة بن كعب. وكان (ذو الكَعَبَات) لِبَكْرٍ وتغلب ابني وائل وإياد، بَسنْدَادَ [يأتي ذكرها]. وكان للعرب أصنام أخرى غير التي ذكرنا، حفلت بذكرها المصادر المختلفة. [تاريخ اليعقوبي والأصنام لابن الكلبي].

وهناك روايات طريفة عن موقف بعض العرب من أصنامهم. من ذلك ما روي من أن السائب بن عبد الله كان له حجر نحته بيده ليعبده، فيجيء باللبن الخاثر الذي ينفسه على نفسه فيصبه عليه، فيجيء الكلب فيلحسه، ثم يَشْغر [يرفع إحدى رجليه] فيبول... الأثر. وما يروى من أن بني حنيفة اتخذوا في الجاهلية إلهًا من حيس [الأقط - اللبن المجفف - يخلط بالتمر والسمن]، فعبدوه دهرًا طويلًا، ثم أصابتهم مجاعة، فأكلوه، فقال رجل من بني تميم يعيرهم بذلك:

أكلت ربها حنيفة من جو

ع قديم بها ومن إعواز

وقال فيهم آخر:

أكلت حنيفة ربها

لم يحذروا من ربهم

زمن التقحم والمجاعة

سوء العواقب والتباعة

[المعارف]

وهناك قصة الرجل الذي قال شعرًا في صنمهم عندما رأى ثعلبين يبولان عليه [ابن سعد]، وقصة عمر بن الخطاب الذي أكل صنمه من العجوة عندما جاع... إلخ، وهي قصص وإن لم يثبت بعضها حديثيًا إلا أنها تصور الحالة التي كان عليها العرب في جاهليتهم.

ظهرت في بلاد العرب إلى جانب عبادة الأصنام، عبادة النجوم والكواكب، خاصة في حران والبحرين والبادية. ويقال: إنه كان بمكة رجل يدعى (أبو كبشة) عبد نجمًا اسمه (الشعرى)، ودعا قريشًا إلى عبادته. وانتشرت هذه العبادة بين بعض قبائل لخم وخزاعة وقريش. وعندما دعا الرسول إلى عبادة الله وحده سموه ابن أبي كبشة لمخالفته إياهم في العبادة كما خالفهم في عبادتهم من قبله ابن أبي كبشة [بلوغ الأرب].

وعبدت الشمس في بلاد اليمن، وفي ذلك قال تعالى في قصة ملكة سبأ: ﴿ إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ ﴿ ٢٣ وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ ﴿ ٢٤ [النمل:23-24].

وتسربت بعض فرق المجوسية الفارسية إلى بلاد العرب. وفي ذلك يقول ابن قتيبة [في المعارف]: (وكانت المجوسية في تميم، منهم زرارة وحاجب بن زرارة... وكانت الزندقة في قريش، أخذوها من الحيرة). وكان الأقرع بن حابس وأبو سود - جد وكيع ابن حسان - ممن دان بالمجوسية [نفسه]، وتسربت إلى هجر [البخاري] من البحرين. وكانوا يقولون: إن قتل عدوهم على أرضهم ينجسها عليهم [الحاكم، صحيح].

ودخلت اليهودية بلاد العرب بصفة عامة والمدينة وخيبر ووادي القرى وفدك وتيماء [يأتي خبرهم] بصفة خاصة عندما نزح إليها اليهود. ووصلت إلى اليمن، ودان بها ذو نواس الملك الحميري، وحاول حمل النصارى على اعتناقها كما ذكرنا سابقًا. وانتشرت في بني كنانة وبني الحارث بن كعب وكندة، وربما وصلتهم من يهود يثرب وخيبر [بلوغ الأرب].

وتسربت المسيحية إلى الغساسنة والمناذرة، ومن أشهر الأديرة في الحيرة: (دير هند الأقدم، ودير اللج، ودير حارة مريم) (معجم ما استعجم).وتسـربت إلى جنوبي الجزيرة العربية، وأنشئت كنيسة بظفار وأخرى بعدن [بلوغ الأرب]، ولنصارى نجران قصة مع الرسول في مكة وأخرى بالمدينة. سيأتي ذكرها.

ودانت بعض قبائل قريش بالمسيحية، منها: بنو أسد بن عبد العزى. كما اعتنقها بنو امرئ القيس بن تميم، وبنو تغلب بن ربيعة، وبعض قبائل قضاعة، وكأنهم تلقوا ذلك عن الروم [اليعقوبي]. وممن تنصر بنصرانية محرفة من العرب: عدي بن حاتم الطائي [البخاري.أحمد، حسن].

لم تنتشر اليهودية والنصرانية انتشارًا واسعًا في بلاد العرب كما هو واضح من تاريخهما وسيرتهما وسط القبائل والأفراد. ولم تندثر تمامًا ديانة إبراهيم عليه السلام بل تمسك بها نفر قليل جدًا وسط دياجير ظلام الجاهلية وعبادة الأوثان. وعرف هؤلاء النفر بالحنيفيين أو الحنفاء، فقد كانوا يؤمنون بالله تعالى ويوحدونه، توحيد ألوهية وتوحيد ربوبية، وينتظرون النبوة [بلوغ الأرب].

[الحنيفيين]

[تمهيد]

وكان من مشاهير هؤلاء الحنفاء: قس بن ساعدة الإيادي، وزيد بن عمرو بن نُفَيل، وأُمَيَّة بن أبي الصَّلْت، وأبو قيس بن أبي أنس، وخالد بن سنان، والنابغة الذبياني، وزُهَير بن أبي سُلْمَى، وكعب بن لؤي بن غالب - أحد أجداد النبي [البداية].

وقد سموا بالحنفاء نسبة إلى ما وصف به دين إبراهيم في القرآن الكريم ﴿ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿ ٧٩ [الأنعام:79]، ﴿ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿ ٦٧ [آل عمران:67]، ﴿ قُلْ صَدَقَ اللَّهُ ۗ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿ ٩٥ [آل عمران:95].

ولنقف وقفة قصيرة مع أشهر هؤلاء الحنفاء، لإلقاء بعض الضوء على سيرهم ومعتقداتهم:

1- محمد ﷺ:

من المعلوم بداهة أن الرسول كان على رأس أشهر الحنفاء والشاهد سيرته.

2- زيد بن عمرو بن نفيل:

روى ابن إسحاق [كما في البداية، بسند حسن]، بإسناده إلى أسماء بنت أبي بكر، قالت: «لقد رأيت زيد بن عمرو بن نفيل مسندًا ظهره إلى الكعبة، يقول: «يا معشـر قريش، والذي نفس زيد بيده ما أصبح أحد منكم على دين إبراهيم غيري». ثم يقول: «اللهم إني لو أعلم أحب الوجوه إليك عبدتك به، ولكني لا أعلم». ثم يسجد على راحلته. وكان يصلي إلى الكعبة ويقول: «إلهي إله إبراهيم، وديني دين إبراهيم».

وكان يحيي الموؤودة، ويقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته: «لا تقتلها، أنا أكفيك مؤونتها، فيأخذها»، فإذا ترعرعت قال لأبيها: «إن شئت دفعتها إليك، وإن شئت كفيتك مؤونتها» [صحيح البخاري].

وروى البخاري عن ابن عمر أن زيد بن عمرو بن نفيل خرج إلى الشام يسأل عن دين صحيح يتبعه، فلقي عالمًا من اليهود فسأله عن دينهم، لعله يتبعه، فقال له اليهودي: (إنك لا تكون على ديننا حتى تأخذ نصيبك من غضب الله). قال زيد: «وما أفر إلا من غضب الله تعالى ولا أحمل من غضب الله شيئًا ولا أستطيع، فهل تدلني على غيره؟» قال: (ما أعلمه إلا أن تكون حنيفًا). قال زيد: «وما الحنيف؟» قال: (دين إبراهيم عليه السلام لم يكن يهوديًا ولا نصرانيًا ولا يعبد إلا الله). فخرج زيد، فلقي عالمًا نصرانيًا، فدار بينهما مثل ما دار بينه وبين اليهودي. فلما رأى زيد قولهم في إبراهيم، خرج، فلما برز رفع يديه فقال: «اللهم إني أشهدك أني على دين إبراهيم».

وكان زيد يرفض الأكل من ذبائح قريش، ويقول: «إني لست آكل مما تذبحون على أنصابكم، ولا آكل إلا ما ذكر اسم الله عليه»، ويعيب على قريش ذبائحهم، ويقول: «الشاة خلقها الله، وأنزل لها من السماء الماء، وأنبت لها من الأرض، ثم تذبحونها على غير اسم الله؟»، إنكارًا لذلك وإعظامًا له [البخاري].

ورويت أحاديث أخرى من طرق ضعيفة، لكنها تعتضد وتتقوى بعضها ببعض وبأحاديث البخاري، فترتفع إلى درجة الحسن لغيره، دلت على أن زيدًا كان يبحث عن الدين الصحيح، وأخيرًا استقر على دين إبراهيم عليه السلام [البداية؛ ابن سعد].

ولهذا قال عنه الرسول : «يحشر ذاك أمة وحده بيني وبين عيسى بن مريم» [البداية؛ جيد حسن]. وقال: «دخلت الجنة فرأيت لزيد بن عمرو دوحتين» [البداية، جيد].

لقد لقي زيد بن نفيل الرسول ومات قبل أن يبعث الرسول [البخاري].

3- ورقة بن نوفل:

روي أنه خرج مع زيد بن نفيل يبحث عن دين صحيح يتبعه، وبعد البحث تنصَّـر ورقة، ولم يرتض زيد سوى دين إبراهيم عليه السلام [الطيالسي، يتقوى].

قال النبي يومًا لخديجة رضي الله عنها إنه يرى ضوءًا ويخشى أن يكون به جنن، فطمأنته، ثم أتت به ورقة، وذكرت له ما يقع له، فقال ورقة: «إن يك صادقًا فإن هذا ناموس مثل ناموس موسى، فإن بعث وأنا حي فسأعززه وأنصره وأؤمن به» [أحمد، مرسل حسن].

وسيأتي خبره والآثار الواردة في إسلامه عند الكلام عن بداية نزول الوحي على الرسول والمسلمين الأوائل، وله أبيات شعرية رائعة في التوحيد والبعث [ابن إسحاق في السيرة].

4- قسُّ بن سَاعِدة الإيادي:

روي عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه وغيره أنه عندما قدم وفد إياد على الرسول سألهم عن قس بن ساعدة، فذكروا له أنه هلك. فقال النبي : «لقد شهدته يومًا بعكاظ على جمل أحمر يتكلم بكلام مُعْجِبٍ مُؤنِقٍ لا أجدني أحفظه». فذكر أحد أفراد الوفد أنه يحفظه، فهو: «يا معشر الناس اجتمعوا، فكل من مات فات، وكل شيءٍ آت آت، ليلٌ دَاج وسماءٌ ذاتُ أبراج، وبحرٌ عَجَاجٌ، نُجُوم تَزْهَرُ، وجبالٌ مَرْسِيَّةٌ، وأنهارٌ مَجْرِيَّة، إن في السماء لخَبَرًا، ما لي أرى الناس يذهبون فلا يرجعون، أَرَضُوا بالإقامة فأقاموا، أم تُرِكُوا فناموا، أقسم قُسٌّ بالله قَسَمًا لا ريب فيه، إن لله دينًا هو أرْضَى من دينكم هذا» وأنشد في ذلك شعرًا.

وروى ابن عباس أنه عندما قدم وفد عبد القيس على النبي سألهم عن قس، فقالوا: «هلك». قال: «...» فذكر كلامًا بنحو ما جاء في رواية ابن الصامت [البداية].

وروى ابن كثير [البداية، يعتضد] والبيهقي [الدلائل] أحاديث أخرى بهذا المعنى في قصة قس وتعبده بالحنيفية وأقواله، وأشعاره في ذلك، دلت على أن لقصته أصلًا تاريخيًا، كما ذكر ابن كثير والبيهقي.

5- أمَيّةُ بن أبي الصّلت:

هو الذي قال فيه الرسول : «كاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم» [متفق عليه]. وفي رواية: «فلقد كاد أن يسلم في شعره» [مسلم]. ويقال إنه ممن دخل في النصرانية وأكثر في شعره من ذكر التوحيد والبعث يوم القيامة [ابن إسحاق، الفتح]، فقد كان من فحول الشعراء [ابن إسحاق، مسلم]، عاش إلى زمان البعثة ولم يؤمن تكبرًا على أن يكون تابعًا للرسول [الطبري: التفسير]، وفيه نزل قول الله تعالى: ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا [الأعراف:175] [ابن مردويه، بسند قوي كما في الفتح].

قيل إنه مات سنة تسع، وقيل سنة اثنتين [ابن حجر]، وله شعر في رثاء قتلى قريش يوم بدر الكبرى [ابن إسحاق].

6- لبيد بن ربيعة العامري ثم الكلابي ثم الجعفري:

كان من فحول شعراء الجاهلية، ومن شعراء المعلقات. قال الرسول عنه: «أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل» [متفق عليه].

وله قصة مع عثمان بن مظعون، وسنذكرها عند الكلام عن أساليب حرب المشركين للدعوة - الأسلوب العاشر.

وقد أسلم لبيد، ومات في خلافة عثمان رضي الله عنه، بعد أن عاش مائة وخمسين عامًا، وقيل أكثر [الفتح].

وممن ذكر من مشاهير الحنفاء غير هؤلاء: أرباب بن رئاب، والشاعر سويد بن عامر المصطلقي، وأسعد أبو كرب الحميري، ووكيع بن سلمة بن زهير الإيادي، وعمير بن حيذب الجهني، وعدي بن زيد العبادي - تنصـر -، وأبو قيس صرة ابن أبي أنس البخاري، وسيف بن ذي يزن الحميري، وعامر بن الظرب العدواني، والشاعر عبد الطانجة بن ثعلب بن وبرة بن قضاعة، وعلاف بن شهاب التميمي، والملتمس ابن أمية الكناني، والشاعر زهير بن أبي سلمى، وخالد بن سنان بن غيث العبسـي، وعبد الله القضاعي، وعبيد بن الأبرص الأسدي، وكعب بن لؤي بن غالب القرشـي أحد أجداد النبي [بلوغ الأرب]، وعثمان بن الحويرث، الذي رحل في طلب الدين، فاستقر به المقام عند قيصر، فتنصر وأقام عنده بأحسن مقام [ابن إسحاق في السيرة]، وعمرو ابن عبسة السلمي، الذي أكرمه الله بالإسلام [تاريخ الطبري، صحيح]، وأكثم ابن صيفي بن رباح [البلوغ]، وعبد المطلب - جد النبي [مروج الذهب، الملل والنحل]-.

ثالثا: الحياة الاجتماعية عند العرب في الجزيرة العربية:

إن الحياة الاجتماعية في أي مجتمع من المجتمعات لا تكاد تنفصل عن الحياة الدينية والاقتصادية، ولأن الوثنية التي سادت بين العرب كانت ضد الفطرة والمنطق، فقد نتج عن ذلك مظاهر اجتماعية ضد الفطرة والمنطق.

ومن بين تلك المظاهر: الانحطاط الأخلاقي، الذي تمثل في ممارسة كثير من الرذائل، مثل شرب الخمر ولعب الميسر، والزواج بغير عدد، وقتل بعضهم الأولاد خشية الفقر أو بسبب الفقر، وقتل بعضهم الإناث بالذات خوف العار، وإثارة الحروب لأتفه الأسباب، وأخذ الثأر، وقد حكى عنهم الله تعالى كل هذه الرذائل في القرآن الكريم، وعلى لسان رسوله، وعابها عليهم، وظل الرسول يحاربها طوال حياته كما هو معروف، ومثال ذلك: ما قاله ابن عباس. إذا سرك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومئة من سورة الأنعام. وقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ ﴿ ٨ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ﴿ ٩ [التكوير:8-9]، وقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَٰنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ﴿ ١٧ [الزخرف:17]، وقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ﴿ ٥٨ يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ ۚ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ ۗ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴿ ٥٩ [النحل: 58-59]، وقوله: ﴿ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿ ٩٠ [المائدة:90]، وقوله: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ ۖ [الأنعام:151]، وقوله: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ ۖ [الإسراء:31].

وسادت في بعض أوساط غير الأشراف أنواع من الأنكحة التي لا تختلف عن الدعارة. فقد روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «إن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء: فكان منها نكاح الناس اليوم... ونكاح الاستبضاع، وهو أن يصيب الرجل الأجنبي امرأة غيره في طهر لم يجامعها فيه زوجها ولا يقربها زوجها حتى يتبين حملها، ونكاح الرهط، وهو أن يجتمع الرهط دون العشرة، فيصيب كل منهم المرأة، فعندما تضع حملها ترسل إليهم فيجتمعون عندها، فتلحق المولود بمن تريد منهم، ونكاح رابع، وهو أن يجتمع الرجال الكثير على المرأة التي تنصب راية في بيتها، فإذا حملت فوضعت حملها جُمعوا لها، ودعوا لهم القَافَة (جمع قائف، وهو الذي يعرف شبه الولد بالآثار الخفية)، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرونه أكثر شَبَهًا به، وقد أبطل الإسلام كل هذه الأنكحة ما عدا نكاح الناس اليوم»، ولم يكن يحس بعضهم بعار هذه الممارسات، فقد روى الشيخان أن رجلًا قام فقال: يا رسول الله: إن فلانًا ابني، عاهرت بأمه في الجاهلية، فقال رسول الله : «لا دعوة في الإسلام. ذهب أمر الجاهلية. الولد للفراش وللعاهر الحجر».

وسيأتي ذكر قصة اختصام سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة في ابن أمة زمعة - وهو عبد الرحمن بن زمعة - في فقه عمرة القضاء.

وكانوا يجمعون بين الأختين، ويتزوجون بزوجات آبائهم إذا طلقت أو ماتوا عنهن وفي ذلك يقول تعالى : ﴿ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۗ [النساء:23]، ﴿ وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء:22].

ولم يكن للطلاق عدد معين [أبو داود، صحيح]، فحدده الإسلام بثلاث، كما في قوله تعالى: ﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ۗ [البقرة:229].

وعلى الرغم من وجود هذه الأمراض الخلقية عند عرب الجاهلية إلا أن هناك جوانب مضيئة في حياتهم السياسية والاجتماعية لا يمكن إنكارها، ولعلها كانت سببًا في اختيار الله تعالى لهم لحمل رسالته إلى العالمين، ومثال ذلك أن جاهليتهم لم تكن مركبة تقوم على فلسفة معقدة يصعب إزالتها، كما كان الحال في المجتمعات الأخرى المجاورة، وكانوا أصحاب عزيمة قوية يصدقون عندما يؤمنون، وقد وصفهم القرآن بهذا في قوله تعالى: ﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ﴿ ٢٣ [الأحزاب:23]، وكان كثير منهم يتمسك بالفضائل ويقدِّرون من يتصف بمكارم الأخلاق، كما كان موقفهم من الرسول في هذا الجانب بالذات، وهو موقف عبر عنه أبو سيفان في حديثه المشهور لهرقل، كما سيأتي.

وكانوا من أصفى الناس ذهنًا، وتحكى في ذلك الحقائق والغرائب، فقد ذكر ابن عبد البر [جامع بيان العلم]، أن ابن شهاب الزهري كان يقول: (إني لأمر بالبقيع فأسد آذاني مخافة أن يدخل فيها شيء من الخنا (الكلام الفاحش) فوالله ما دخل أذني شيء قط فنسيته).

وقال ابن عبد البر [نفسه] أيضًا: (كان أحدهم يحفظ أشعار بعض في سمعه واحدة. وقد جاء أن ابن عباس رضي الله عنه حفظ قصيدة عمر بن أبي ربيعة:

أمن آل نعم أنت غاد فمبكر

غداة غد أم رائح فمهجر

في سمعة واحدة على ما ذكروا، وليس أحد اليوم على هذا، ولولا الكتاب لضاع كثير من العلم...).

وليس بعد هذا يستغرب عدد الأحاديث التي رواها ابن عباس وأبو هريرة، وابن مسعود، وعائشة رضي الله عنهم. فقد روى أبو هريرة خمسة آلاف حديث وثلاثمئة وأربعة وسبعين حديثًا، وروى عبد الله بن عمر ألفي حديث وستمئة وثلاثين حديثًا... إلخ [ابن حزم: جوامع السيرة].

وكانوا يحبون الحرية، ولم يعرفوا الخضوع إلا لذوي الأسنان منهم، ممن تتوافر فيهم شروط النجدة، والبسالة، والرجولة، والصبر، والحلم، والأناة، وكل خصال الخير.

ومع عبادتهم الأوثان، فقد كانوا لا ينكرون وجود الله تعالى، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ۖ [العنكبوت:61]، ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ۚ [العنكبوت:63].

ويعـرف هذا بتوحيد الربوبية، وهـو الاعتـقاد الجـازم بـأن الله سبحانه وتعالى رب كل شيء وخالقه ومليكه.

وكانوا أصحاب لغة واحدة، ذات سحر وبيان، عبرت عن الإسلام أحسن تعبير.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة