حجم الخط:

محتوى الدرس (4)

جـ - جوانب من الحياة الدينية والسياسية والاجتماعية في ظل المجوسية:

أولًا: الحياة الدينية:

لقد شاع في إيران قبل ظهور زرادشت - نبي قدماء الإيرانيين -، الاعتقاد بألوهية (ميثرا) و(ييما) و(آشاه)، وظل ذلك حتى بعد ظهور الزرادشتية، التي تأثرت بهذه الديانة الوثنية القديمة، التي تقدس بعض عناصر الطبيعة، مثل: النار والكواكب، ويعبد فيها آلهة متعددة.

أما الزرادشتية في أصلها فقد كانت حربًا على عقيدة ميثرا وييما وآشاه، تلك العقيدة الوثنية [الشهرستاني]، إذ كان من أبرز مبادئ الزرادشتية دعوة الناس إلى عبادة إله واحد وهجر الوثنية والصابئية التي كانت تتمثل في عبادة بعض الكواكب وغيرها من القوى الطبيعية [نفسه]، والدعوة إلى تقديس عنصري الشمس والنار على أنهما رمزان لتلك القوة الواحدة التي لا تفتأ تفيض رحمة ونورًا وعطفًا وطهورًا، وتعمل على إنقاذ الإنسان من البلاء [نفسه]، وتقديس التراب والماء والهواء لأهميتهما في حياة الإنسان.

وبعد موت زرادشت، ظهرت فرقة المجوس الذين يعبدون النار ويرونها إلهًا ويستعملونها في شعائرهم الدينية، متناسين أنها كانت فقط رمزًا للضعفاء، حتى أصبحوا يعرفون بأنهم عبدة النار، وأحيانًا كهنة المجوسية. ومن الطقوس التي كانت موجودة من قبل زرادشت: عبادة الأصنام وتقديم القرابين، وبخاصة للإله (ميثرا) الذي أصبح أبرز الآلهة [آرثر].

ولما غزا الإسكندر المقدوني بلاد إيران في أواخر القرن الرابع قبل الميلاد، اختفت الزرادشتية ولم تظهر إلا بعد خمسة قرون عندما قامت الدولة الساسانية التي حاولت العودة إلى الزرادشتية باعتبارها جزءًا من تراث إيران، ولكن الزرادشتية الساسانية كانت بعيدة كل البعد عن اتجاهات زرادشت، وكانت تحقق أهداف الملوك وطغيان الكهنة.

وفي القرن الثالث بعد الميلاد ظهر (ماني) بمذهبه الذي كان مزيجًا من الزرادشتية والمسيحية والديصانية، وعده الزرادشتيون ملحدًا خارجًا عن الزرادشتية الدين الحق - أي عدوه زنديقًا - لأن ديانته ثنوية صريحة، إذ تقول بوجود كائن ثنائي الطبيعة، وبوجود مبدأ أو كائنين يسيطران على العالم، هما: مبدأ النور ومبدأ الظلام. الأول مصدر الخير والثاني مصدر الشر، ولكل منهما قدرة على الإدراك [الملل]. وعند امتزاج هذين الكائنين نشأ الكون بما فيه من ظواهر وحوادث وأجسام كثيفة وكائنات حية [نفسه]..

ويرون أن كل من يساعد على إطالة أمد امتزاج النور بالظلام هو شر كله، وفي مقدمة ذلك: الزواج والتناسل، ولذلك رأوا أن من الواجب أن يسلك الإنسان مسلك العزلة والرهبنة وأن يقطع دابر التناسل حتى يفنى العالم المادي ويتخلص النور من الظلام.

وفي سنة 276م، قتله الملك الإيراني (بهرام بن هرمز بن شابور)، وقال عنه: (إن هذا الرجل قد جاء يدعو الناس إلى تدمير الكون، فالواجب أن يبدأ بتدمير نفسه) [الملل].

ومع هذا الاضطهاد، استمرت المانوية وتحولت إلى حركة سرية، وبقيت كذلك في الفترة الإسلامية [نفسه].

وظهر مَزْدَكٌ في أواخر القرن الخامس الميلادي (478م)، وسار على تعاليم مَانِي، معلنًا شيوعية المال والنساء [نفسه؛ الغلو].

وأخذ الملك الإيراني قباذ بآراء مزدك وطبقها في المجتمع في السنوات العشـر الأولى من حكمه، وعندما وقف على بطلانها وحقيقتها تحول عنها وقتل مزدكًا وأوقع بأنصارها سنة 529م، فتحولوا إلى العمل السري أيام الدولة الساسانية، ثم عادت إلى الظهور من جديد في العصور الإسلامية [الملل؛ الغلو].

وظهرت في إيران كذلك الديانة المرقونية - نسبة إلى واضع أسسها (مرقيون) [الملل، الغلو] وعقيدتها ثنوية، لزعمهم أن النور خالق الخير والظلمة خالقة الشـر [نفساهما]. وتأثرت بالزرادشتية والنصرانية

وكذلك ظهرت في إيران الديانة الديصانية [نسبة إلى واضع أسسها ابن ديصان]. وهي من الديانات الثنوية. وذهبت إلى ما ذهبت إليه المرقونية من وجود عالم ثالث إضافة إلى النور والظلمة، مهمته أن يفصل بين عالم النور وعالم الظلمة، ولم توضح كيفية وجود هذا العالم الثالث [نفساهما].

وابن ديصان الذي تنسب إليه هذه النحلة أول من مهد لفكرة الحلول، حيث زعم أن نور الله قد حل في قلبه [نفساهما].

ثانيًا: الحياة السياسية والاجتماعية في ظل المجوسية:

لقد شاع الفساد في إيران في ظل دياناتها الوثنية القديمة التي سبقت الزرادشتية، خاصة سكان البادية، فقد كان بعضهم يتعدى على بعض بالسلب والنهب وإزهاق الأرواح [زرادشت].

وعندما جاءت الزرادشتية حاولت القضاء على هذه المفاسد، ولكن إلى حين، وذلك لظهور عقائد أخرى مثل المانوية، والمزدكية.

وفي ظل المجوسية المنبثقة عن الزرادشتية، وفي ظل بقايا المانوية والمزدكية والديانات الإيرانية القديمة عاشت إيران في فوضى أخلاقية، وتشتت عقدي، وحروب دامية داخلية، وخارجية. فكثيرًا ما كان مقدسو النار يهزمون عبدة المسيح وينهبون أموالهم ويأسرون منهم. وأحيانًا كانت الدائرة تدور على الفرس - الإيرانيين - فيغلبهم الروم [تفسير ابن كثير].

وكان المجوس من الفرس لا يعبدون الإله الحق، ولم تتمكن الأخلاق الفاضلة في نفوسهم. وكان الأكاسرة يضطهدون الفرق الدينية المخالفة لهم في العقيدة.

ومن الممارسات الاجتماعية البارزة استحلال الزرادشتيين زواج المحارم، وقالوا: (الابن أحرى بتسكين شهوة أمه، وإذا مات الزوج فابنه أولى بالمرأة) [الغلو]، ولذلك تزوج ملكهم يزدجرد الثاني - حكم في أواسط القرن الخامس الميلادي - ابنته، ثم قتلها. وتزوج بهرام جوبين - الذي ملك في القرن السادس الميلادي - بأخته [تاريخ الطبري].

وحظيت الدعوة المزدكية بتأييد الشباب والأغنياء والمترفين والطبقة العامة لما صادفته من هوى في نفوسهم، وحظيت بتأثير الحاكم كما قلنا لفترة، مما كان له أكبر الأثر في نشاطها. وانغمست إيران بتأثيرها في الفوضى الخلقية [الملل].

وكان للإيرانيين اعتقاد في البويتات الروحية والأشراف من قومهم، إذ يرونهم فوق العامة في طينتهم، وفوق مستوى الناس في عقولهم ونفوسهم، ويمنحونهم سلطة روحية لا حدَّ لها، ويخضعون لها خضوعًا كاملًا.

وكان العامة كذلك طبقات متميزة بعضها عن بعض تمييزًا واضحًا. وكان لكل طبقة مركز محدد في المجتمع [ماذا خسر العالم؛ آرثر].

وكانوا يبالغون في تمجيد القومية الفارسية، ويرون أن لها فضلًا على سائر الأجناس والأمم، وأن الله قد خصها بمواهب ومنح لم يشرك فيها أحدًا. وكانوا ينظرون إلى الأمم من حولهم نظرة ازدراء وامتهان، ويلقبونها بألقاب تدل على هذه النظرة [تاريخ الطبري].

ولما كانت النار لا توحي إلى عبادها بشـريعة، ولا ترسل رسلًا، ولا تتدخل في شؤون حياتهم، ولا تعاقب العصاة المجرمين، فقد أصبحت الديانة عند المجوس - الذين حرفوا الزرادشتية الأصلية - عبارة عن طقوس وتقاليد تؤدى في أمكنة خاصة وفي ساعات خاصة. أما خارج المعابد، وفي دورهم وأماكن أعمالهم وفي الشارع وفي السياسة والاقتصاد والاجتماع وغير ذلك، فقد كانوا أحرارًا، يسيرون على هواهم شأن المشركين في كل عصر [الملل].

وهكذا حرمت الأمة الفارسية في حياتها - في ظل المجوسية - دينًا عميقًا جامعًا يكون مربيًا ومهذبًا وحاثًا على عمل الخيرات، ويكون نظامًا لكل أنشطة الإنسان والمجتمع والدولة، وحائلًا بين الناس وطغيان الأحكام [ماذا خسـر العالم]. وهو ما وجدوه في ظل الإسلام.

وحرمت حكمًا رشيدًا لقمع الفساد، بل كان ملوكها عنصـرًا أساسيًا من عناصر الإفساد، لأنهم تألهوا عندما لم يعبد الناس الإله الحق. وتنافسوا على العرش حتى إن ستة منهم تولوا العرش في أشهر قليلة، وبذلك تدهورت حتى قيمة العرش وأصبحت كل موارد البلاد ملكًا لملوكها الذين وصل بهم الترف والبذخ إلى حد خرافي، ومثال ذلك أن يزدجرد، آخر ملوكهم، عندما فر أمام الفتح الإسلامي، كان معه ألف طاه وألف مغن وألف قيم على النمور وألف قيم على البزاة، وحاشية أخرى، ومع ذلك كان يعتبر نفسه لاجئًا حقيرًا في حالة يرثى لها من قلة الحاشية وفقدان أسباب التسلية. وعاش الشعب في بؤس وشقاء تثقل كاهله الضرائب والحروب [آرثر، الطبري في التاريخ].

د - جوانب من الحياة الدينية والاجتماعية في ظل الديانات الصينية:

أولاً: الحياة الدينية:

كانت تسود الصين في القرن السادس الميلادي ثلاث ديانات: ديانة لاتسو وديانة كونفوشيوس، والبوذية. أما الأولى فقد كانت وثنية، تعنى بالنظريات أكثر منها بالعمليات. وعاش أتباعها زاهدين رهبانًا، فانفض عنها إلى غيرها الذين جاءوا بعد مؤسسها [ماذا خسر العالم].

وأما كونفوشيوس فقد كان يعنى بالأمور العملية أكثر من النظريات، ولكن انحصرت تعاليمه في شؤون الدنيا. وكان أتباعه لا يعتقدون - في بعض الأزمنة - بعبادة إله معين، ويعبدون ما يشاؤون من الأشجار والأنهار [نفسه].

واتجهوا إلى كونفوشيوس يبنون له الهياكل ويعبدونه، ويقدمون أمام تماثيله الذبائح والقرابين ويركعون لها.

وشاعت في الصين قبيل الإسلام عبادة الأرواح، وبخاصة عبادة أرواح الآباء والأجداد، إذ كانوا يعتقدون أن هذه الأرواح تعيش معهم بعد وفاة أصحابها [شلبي: الإسلام].

وأما البوذية الصينية فقد فقدت حتى القدر القليل جدًا من بساطتها، وابتلعتها البرهمية الثائرة الموتورة، فتحولت وثنية تحمل معها الأصنام حيث سادت، وتبني الهياكل وتنصب تماثيل بوذا حيث حلت. وغمرت هذه التماثيل الحياة الدينية والمدنية التي ظهرت في عهد ازدهار البوذية [ماذا خسرالعالم]. وتسربت إلى مناهج الحياة والعبادة السحر والأوهام، وبدأت تتقهقر وتنحط بعد أن سادت ألف سنة [نفسه].

ثانيًا: الحياة الاجتماعية:

ليس في الديانات الصينية، الكونفوشيوسية أو التي سبقتها نور من يقين ولا باعث من إيمان ولا شرع سماوي يحلون به مشاكل العالم، وإنما هي حكم حكماء وتجارب خبراء، يستفيد بها الإنسان إذا شاء، ويرفضها إذا شاء [ماذا خسرالعالم]. ونتج عن ذلك - مثلًا - تجميد الذكور كما كان يفعل العرب في جاهليتهم، فعندما يبشر الصيني بالذكر يعلق القوس والنشاب على الباب، دليل مولد الذكر الذي يحمي العشيرة، أما إذا بشـر بالأنثى علق على بابه مغزلًا، دليل الخنوع والضعف [شلبي الإسلام].

وفي ظل البوذية الصينية قامت دول تعنى بمظاهر الآلهة وعبادة التماثيل. وتغير محيط الروابط الأخوية البوذية وظهرت البدع والخزعبلات ولم تمنع الفلسفة الكونفوشيوسية وجود نظام طبقي اجتماعي، وإن كان أقل حدة من النظام الطبقي البوذي الذي ساد في الهند كما سنرى في الصفحات التالية [نفسه].

هـ - جوانب من الحياة الدينية والاجتماعية في ظل الديانات الهندية:

أولًا: الحياة الدينية:

سادت في الهند الديانة البرهمية التي عبد أتباعها القوى المؤثرة في الكون، والتي جسدوها ثم اعتقدوا حلولها في بعض الأجسام، فعبدوا الأصنام لحلولها فيها. وتعددت آلهتهم. ثم حل بعقائدهم التغيير والتبديل حتى انحصـرت الآلهة في ثلاثة أقانيم: براهما، وسيفا أو سيو، ويشنو [الديانات القديمة لأبي زهرة].

ومن بعد البرهمية سادت البوذية في الهند. والبوذية لم تعن بالبحث عما وراء الطبيعة، بل كانت عنايتها تتجه إلى الإصلاح الاجتماعي عن طريق رياضة الإرادة على الحرمان، وتعويدها السيطرة والرغبة في الملاذ لكيلا تشقى بطلبها ويحز فيها الحرمان [نفسه].

وبمرور الزمن، أظلت الأفكار العليلة تعاليم بوذا الخلقية، حتى توارت وراء التخيلات السقيمة بسبب الترقيعات الكلامية والتنطعات. وانحطت البوذية كما انحطت البرهمية ودخلت فيها العادات الساقطة، وأصبح من العسير التمييز بينهما. لقد اندمجت البوذية في البرهمية وذابت فيها [ماذا خسر].

وسادت الوثنية المجتمع الهندي بأسره حتى وصل عدد الآلهة حدًّا خرافيًا، ووجدت في كل مرفق من كل نوع. فمنها أشخاص تاريخية وأبطال تمثل فيهم الله - حسب زعمهم - وجبال تجلس عليها بعض آلهتهم، ومنها معادن كالذهب والفضة تجلى فيها إله، ومنها نهر الكنج وآلات الحرب والكتابة وآلات التناسل وحيوانات أعظمها البقرة، والأجرام الفلكية [نفسه].

ثانيًا: الحياة الاجتماعية:

اتفقت كلمة المؤرخين على أن أحط أدوارها ديانة وخلقًا واجتماعًا ذلك العهد الذي يبتدئ من مستهل القرن السادس الميلادي. إذ انتشـرت فيه المفاسد حتى في المعابد الدينية. وعبد بعض رجال الفرق الدينية النساء العاريات، وعبدت النساء الرجال العراة [نفسه]. ولم تعد للمرأة قيمة أو كرامة، حتى أن الرجل ليخسـر امرأته في القمار، ولا تتزوج بعد وفاة زوجها.

وانتشرت عادة إحراق الأيامى نفوسهن على وفاة أزواجهن، خاصة في الطبقات العليا [نفسه]، وأنزلت النساء في هذا المجتمع منزلة الإماء [نفسه].

وقامت فلسفتهم الدينية على تقسيم المجتمع إلى أربع طبقات، وهي:

1- البراهمة - الكهنة ورجال الدين.

2- شترى - رجال الحرب.

3- ويش - رجال الزراعة والتجارة.

4- شودر - رجال الخدمة - خدمة الطبقات الثلاث السابقة.

وهذه الطبقة الأخيرة تعد نجسة، لا تخالط ولا تتعلم حتى الكتب المقدسة [نفسه]. وكفارة قتل الكلب والقطة والضفدعة والغراب والبومة ورجل الطبقة المنبوذة سواء [نفسه]. أما البراهمة فهم فوق القانون ويحل لهم إبادة الآخرين [نفسه].

هذا الفساد والضياع الذي عاشه العالم في الجزيرة العربية وخارجها كان يقتضـي إرسال رسول، فأرسل الله سبحانه محمدًا للناس كافة عربهم وعجمهم لينقذهم من هذا الضياع والانحراف، ويخرجهم من الظلمات إلى النور.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة