المبحث السابع: رحلته إلى الشام
روى الترمذي [بسند صحيح] بسنده إلى أبي موسى الأشعري، أنه قال: «خرج أبو طالب إلى الشام ومعه رسول الله ﷺ في أشياخ من قريش. فلما أشرفوا على الراهب - يعني بحيرى - هبطوا، فحلوا رحالهم، فخرج إليهم الراهب، وكانوا قبل ذلك يمرون به فلا يخرج ولا يلتفت إليهم، قال: فنزل وهم يحلون رحالهم، فجعل يتخلَّلهم حتى جاء فأخذ بيد النبي ﷺ فقال: هذا سيد العالمين، بعثه الله رحمة للعالمين. فقال له أشياخ من قريش: وما علمك؟ فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلا خرَّ ساجدًا، ولا يسجدون إلا لنبي، وإني أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه. ثم رجع فصنع لهم طعامًا، فلما أتاهم به - وكان هو في رعية الإبل - قال: أرسلوا إليه، فأقبل وغمامة تظله، فلما دنا من القوم قال: انظروا إليه عليه غمامة، فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء - ظل - شجرة، فلما جلس مال فيء الشجرة عليه، قال: انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه. قال: فبينما هو قائم عليهم وهو ينشدهم ألا يذهبوا به إلى الروم، فإن الروم إن رأوه عرفوه بالصفة فقتلوه، ثم التفت فإذا هو بسبعة من الروم قد أقبلوا، قال: فاستقبلهم فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: جئنا لأن هذا النبي خارج في هذا الشهر، فلم يبق طريق إلا بعث إليه ناس، وإنّا أُخبرنا خبره إلى طريقك هذه. قال: فهل خلفكم أحد هو خير منكم؟ قالوا: لا، إنما أُخبرنا خبره إلى طريقك هذه. قال: أفرأيتم أمرًا أراد الله أن يقضيه، هل يستطيع أحد من الناس رده؟ فقالوا: لا. قال: فبايعوه وأقاموا معه. قال: فقال الراهب: أنشدكم الله! أيكم وليُّه؟ قالوا: أبو طالب. فلم يزل يناشده حتى رده وبعث معه أبا بكر وبلالًا، وزوده الراهب من الكعك والزيت».
اختلف العلماء في هذا الأثر، فقد حسنه الترمذي وصححه الحاكم، والألباني [في دفاع]، وابن حجر. وقال ابن حجر: (رجاله ثقات، وليس فيه سوى هذه النقطة - أي ذكر أبي بكر وبلال - فيحتمل أن تكون مدرجة فيه منقطعة من حديث آخر وهمًا من أحد رواته). وقال ابن القيم [في زاد المعاد]: (إن هذه النقطة من الغلط الواضح).
وذكر ابن إسحاق [في السيرة] القصة بنحو سياق الترمذي، وليس فيه ذكر أبي بكر وبلال، ولكنها بدون إسناد، فيستأنس بروايته لإمامته في المغازي، ويكاد يكون لكل رواياته غير المسندة أصل.
وروى الأموي [كما في البداية] أن الرسول ﷺ سافر مع عمه الزبير في تجارته إلى اليمن، عندما كان له من العمر بضع عشر سنة.
وذكروا أنهم رأوا منه آيات في تلك الرحلة، من ذلك: إن فَحْلًا من الإبل كان يقطع الطريق في واد يمرون عليه، فلما رأى الفحل رسول الله ﷺ برك حتى حك بكَلْكَلِهِ [صدره] الأرض، فركبه رسول الله ﷺ. وأنه اعترضهم سيل عرم فأيبسه الله تعالى حتى جَاوَزُوا الوادي.
الحكمة من أقوال أهل الكتاب في صفة محمد ﷺ:
إن في قصة الراهب بَحِيْرَى مع الرسول ﷺ دليل على معرفة أهل الكتاب صفة رسول الله ﷺ وزمانه كما هي عندهم في كتبهم، وهي تفسير لنا قوله تعالى في اليهود: ﴿ وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ۚ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴿ ٨٩ ﴾ ﴾ [البَقَرَة: 89].
روى البخاري من حديث عطاء بن يسار، أن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما كان يقول إن هذه الآية التي في القرآن: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ﴿ ٤٥ ﴾ ﴾ [الأحزاب: 45]، هي في التوراة: (ياأيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشـرًا وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك: المتوكل. ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب بالأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح ولن أقبضه حتى نقيم به الملة العوجاء حتى يقولوا: لا إله إلا الله فيفتح بها أعينًا عميًا، وآذانًا صمًا، وقلوبًا غلفًا).
ولقد كان سبب إسلام سلمان الفارسي وغيره رضي الله عنهم، تتبع خبر النبي ﷺ وصفاته من أحبار اليهود ورهبان النصارى.
ومن المعلوم أن أهل الكتاب حاولوا طمس هذه الحقيقة فيما بعد، كما حكى ذلك القرآن في قوله تعالى: ﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ ﴾ [البقرة: 79]، وفي قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ۖ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَٰذَا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴿ ٦ ﴾ ﴾ [الصف: 6]، وقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ ﴾ [الأعراف: 157]، وقوله تعالى: ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ۚ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ ﴿ ١٥ ﴾ ﴾ [المائدة:15]. ولم يوفقوا في طمس كل الحقيقة كما هو واضح من عبارات وردت في بعض أناجيل النصارى - مثل برنابا - خاصة ببيان اسم النبي ﷺ المنتظر وصفته وزمانه ومكانه.
وممن كتب مباشرة في موضوع بشارات التوراة والإنجيل بنبوة ورسالة محمد ﷺ:
(1) الأستاذ إبراهيم خليل أحمد، القس المصري - سابقًا - إبراهيم خليل فيلبس، الذي هداه الله إلى الإسلام منذ أكثر من أربعين سنة، بعد أن قام بدراسة مقارنة لما في الإسلام، وما في الديانات السماوية السابقة عليه. ونشرها في كتاب عنوانه: (محمد في التوراة والإنجيل والقرآن).
وقد مكنته معرفته العميقة بالعهد القديم [التوراة] والجديد [الإنجيل] من إجراء الدراسة الجادة التي قادته في النهاية إلى أن الإسلام هو الحق، فاعتنقه، وأصبح من دعاته.
ومما قاله في دراسته القيمة المذكورة: (نستطيع بعد هذه الدراسة التحليلية أن نضع الصورة الكاملة التي نستمدها من نصوص الكتاب المقدس، والتي لم يطرأ عليها تغيير ولا تبديل ولا تحريف، لأن الله شاء فحفظها حرصًا على نبيه محمد ﷺ.
ومن ثم إننا نحصل على تصور معين لصورة الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل، هذا الرسول بدا شامخًا بشيمه الشماء، وهي من شقين:
(أ) أنه الرسول النبي الخاتم، ولا نبي بعده.
(ب) أنه رسول الله للعالمين كافة للأسباب التالية:
1- لأنه متمكن ورحيم.
2- لأنه مؤسس لأمة على الحق والبر.
3- لأنه بفضل الله نور للأمم.
4- لأنه وثيق الصلة بسلالة قيدار بن إسماعيل بن إبراهيم عليهم السلام.
وهذه الحقائق مؤسسة على سفر أشعياء 42: 1-11:
5- لأنه سليل إسماعيل، وإسماعيل أخو إسحاق، فهو عم العبرانيين كافة.
6- لأن فيه يتحقق مواعيد الله لإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام.
7- لأن فيه تتبارك كل شعوب الأرض.
8- لأنه الوارث الحقيقي لإسماعيل، وإسماعيل هو بكر إبراهيم عليهما السلام فله النصيب المضاعف.
9- لأنه يتلقى الوحي مباشرة من الله عز وجل.
وهذه الحقائق مؤسسة على سفر التكوين 17: 20-22: 16-18: وسفر التثنية 21: 15-17-18: 15-19:
- لأنه يأتي على أثر اختتام رسالة المسيح عيسى بن مريم عليه السلام
- لأنه يعزي ويرشد جماعة المؤمنين من أتباع المسيح (الباراقليط) Paraclete.
- لأن أفعاله وأقواله وخصاله تنبؤ أنه المحمد (Pericyte) The Praised one.
- لأنه الصادق الأمين، وشهرته ذائعة في العالمين بالصدق والأمانة.
- لأنه يتلقى الوحي مباشرة من الله سبحانه وتعالى.
- لأن رسالته خالدة أبدية.
- لأنه يرشد إلى الحق... إلى جميع الخلق.
- لأنه يدافع عن المسيح عيسى بن مريم وأمه (ذاك يمجدني) ويدفع عنهما الشبهات.
هذه الحقائق مؤسسة على إنجيل يوحنا 14: 16، 17-14: 45 :26 إنجيل يوحنا 15: 26، 27- إنجيل يوحنا 16: 13، 14.
ولتصفية هذه الشواهد في تركيز وإيجاز أوضح فإن هذا النبي الخاتم يختلف عن الآخرين من أنبياء العبرانيين في ثلاثة وجوه حيوية ورئيسة على الأقل:
1- أنه سيكون صاحب رسالة عالمية.
2- أنه سيصبح خاتم النبيين ولا نبي بعده ولا نبوة بعده.
3- أنه من ذرية إسماعيل ﷺ، الذي خلعت عليه بنو إسرائيل (العرب)، وأنه سليل قيدار بن إسماعيل.
هذه الحقائق مؤسسة على إنجيل يوحنا 16: 12-14، وسفر إشعياء 60: 1-7).
وذكر الأستاذ إبراهيم في كتابه هذا أمثلة كثيرة لبشارات من التوراة والإنجيل بنبوة ورسالة محمد ﷺ.
والكتاب جدير بالقراءة لأهميته في إجلاء الحقائق الغائبة عن الناس.
وصدق الله العظيم القائل: ﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ۖ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿ ١٤٦ ﴾ ﴾ [البَقـَرَة:146]، والقائل: ﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴿ ١٤٤ ﴾ ﴾ [البَقـَرَة:144].
(2) الدكتور الشفيع الماحي أحمد، وعنوان كتابه: (محمد ﷺ في بشارات التوراة والإنجيل)، نشر مركز البحوث التربوية، كلية التربية، جامعة الملك سعود، الرياض، ط1، 1416هـ - 1995م، 170 صفحة. هدف ببحثه إلى عرض بشارات أنبياء بني إسرائيل بمقدمه ﷺ، وكما وردت في التوراة والإنجيل، وذلك من حيث الزمن الذي سيظهر فيه، والأرض التي يبعث منها، واسمه، وصفاته وأحواله، ومنهج رسالته الخاتمة، وأمته، وأخيرًا دوام دولته.
(3) أحمد ديدات: (ماذا يقول الكتاب المقدس عن محمد ﷺ)، ترجمة إبراهيم خليل أحمد، القاهرة، دار المنار، 1989م.
(4) محمود الشـرقاوي: (محمد ﷺ في بشارات الأنبياء)، القاهرة، مؤسسة دار الشعب، 1977م.
(5) رحمة الله بن خليل الرحمن الهندي: (إظهار الحق)، دراسة وتحقيق وتعليق الدكتور محمد أحمد عبد القادر ملكاوي، طبع ونشر الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، الرياض، السعودية،1410هـ-1989م في (4)مجلدات. تناول المسلك السادس من الباب السادس، الجزء الرابع (إخبار الأنبياء المتقدمين عليه عن نبوته ﷺ)، [ص1116- 1198]، وعد من البشارات ثمانية عشـر بشارة، معتمدًا على نصوص من التوراة والإنجيل. وكان تحقيق الدكتور الملكاوي رسالة علمية حصل بها على الدكتوراه من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض، السعودية، وعمل معنا بقسم الثقافة الإسلامية، جامعة الملك سعود.
لم يكن أهل الكتاب وحدهم الذين كانوا يعرفون اسم وصفة النبي العربي الخاتم، بل شاركهم وسبقهم في هذا غير أهل الكتاب. فقد اطلعت على بحث موثق، باللغة الإنجليزية، ومن مصادر هندية أصيلة، للأستاذين: أنور حسين ووقار عظيم الندوي، بعنوان: (محمد ﷺ في الكتب الهندية المقدسة)]Mohammad (P.B.U.H.) in Hindu، s Sacred Books وخلاصته:
أولًا: إن الاسم (محمد)، ومعانيه وأشكال رسمه ونطقه المختلفة في اللغة السنسكريتية، ذكر في كتب هندية مقدسة، هي:
(A) Riga Veda، Kand 5، mandal 27، mantra 1.
(B) Atherva Veda، Kand 20، Sukt 127، mantra 3.
(c) Bhavishya purana، Kand 3، Surg 3/3، mantra 5 and 12.
(D) Srimad Bhagawat، mahtampurana، chapter 2، ShloK 76.
(.E) Tulas، s Ramacharitamanas، deriving from Sangrampurana، Kand 12، chapter 6.
ثانيًا: ذكر الاسم (أحمد) ومعانيه وأشكال رسمه ونطقه المختلفة في اللغة السنسكريتية، ذكر في كتب هندية مقدسة، هي:
(A) Riga Veda، madal 8، mantra 10.
(B) Sama veda، prapathak 2، dashti 6، mantra 8.
(c) Athara Veda، Kand 20، Sukt 126، mantra 14.
(D) Yajur Veda، Sukt 31، mantra 18.
ثالثًا: ذكرت هذه الكتب الهندية المقدسة السابقة للكتب السماوية أوصافًا للنبي محمد ﷺ وأحداثًا، طابقت سيرة النبي ﷺ، وهي:
(أ) إنه سيركب الجمل.
(ب) إنه سيتزوج اثنا عشرة امرأة، ذكرهن الباحثان وهن: خديجة وسودة وعائشة وحفصة وزينب بنت خزيمة وأم سلمة وزينب بنت جحش وأم حبيبة وصفية وجويرية وريحانة وميمونة. (جـ) سيكون مختونًا وملتحيًا. (د) سيلتقي بعدو تعداده الكلي في المواقع الكبرى 60.090، ذكر المؤلفان تفاصيل ذلك. (هـ) سيصعد إلى السماء بسرعة خيالية ويعود إلى الأرض - يعني المعراج.
رابعًا: ذكرت هذه الكتب بعض فضائل أصحاب النبي ﷺ والعدد الحقيقي لبعض فئاتهم أو أصنافهم.
خامسًا: ذكرت هذه الكتب معاني اسم والد ووالدة النبي محمد ﷺ.
وفي ختام البحث ذكر المؤلفان خمسة مراجع باللغة الأردية لمزيد من القراءة في هذا الموضوع، وهي:
(1) Dr. Kamalakant Tiwari، Kali Yuga Ke Antima Rishi.
(2) Pundit Dharam Veda Upadhyay، Antim I Shwer Doot.
(3) Veda Prakash Upadhyay، Kalki Avatara.
(4) Ibn Akbar Azmi، Mohammad Hindu Kitabon men.
ونبّه الباحثان إلى أن المعلومات الأساسية لهذا البحث مأخوذة من كتاب ابن أكبر الأعظمي - رقم 4- (محمد ﷺ في الكتب الهندية المقدسة)، وهو من منشورات دار الصفة، براتي رابطة، رابطة دوكان رقم 14، الطابق الأول، مؤسسة بلازه 40، لاهور.
المبحث الثامن: رعيه الغنم في صباه، والحكم من ذلك
روى البخاري بسنده إلى أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من نبي إلا وقد رعى الغنم، قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: نعم، كنت أرعاها على قَرَارِيط لأهل مكة». [والقيراط جزء من الدينار أو الدرهم، أو اسم موضع بمكة] (الفتح10/5).
وروى البخاري ومسلم من حديث جابر أن الرسول ﷺ رعى الغنم.
ومن أبرز الحكم والعبر في هذا الرعي:
1- قال ابن حجر [في الفتح]: (قال العلماء: الحكمة في إلهام الأنبياء من رعي الغنم قبل النبوة أن يحصل لهم التمرن برعيها على ما يكلفونه من القيام بأمر أمتهم، ولأن مخالطتها ما يحصل لهم الحلم والشفقة، لأنهم إذا صبروا على رعيها وجمعها بعد تفرقها في المرعى، ونقلها من مسرح إلى مسـرح، ودفع عدوها من سبع وغيره كالسارق، وعلموا اختلاف طباعها، وشدة تفرقها مع ضعفها واحتياجها إلى المعاهدة، ألفوا من ذلك الصبر على الأمة...) ثم قال:
(وفي ذكر النبي ﷺ لذلك بعد أن علم كونه أكرم الخلق على الله، ما كان عليه من عظيم التواضع لربه والتصريح بمنته عليه وعلى إخوانه من الأنبياء).
2- يتجلى لنا في رعيه الغنم الذوق الرفيع والإحساس الدقيق اللذان جمل الله سبحانه وتعالى بهما نبيه محمدًا ﷺ. إذ أن الرسول ﷺ ما أن آنس في نفسه القدرة على الكسب حتى أقبل يكتسب لرفع بعض ما يمكن رفع من مؤنة الإنفاق على عمه الذي وفر له وسائل العيش الكريم، على الرغم من أنه كان ذو عيال كثيرين.
3- إن الله عز وجل لا يعجزه أن يهيّئ لمحمد ﷺ كل وسائل الرفاهية ويغنيه عن الكدح سعيًا وراء القوت، ولكن اقتضت حكمة الله أن تعلمنا أن خير مال الإنسان ما اكتسبه بجهده، وأن قيمة الإنسان هي فيما يقدمه لمجتمعه من خدمات قدر طاقته.
4- لن تكون لأصحاب الدعوات قيمة معتبرة عند الناس إذا كان كسبهم من عطايا الناس وصدقاتهم، ولذا فإن صاحب الدعوة أحرى الناس باعتماد على نفسه وجهده الشخصي في معيشته، والابتعاد عن الاستجداء، حتى لا يكون لأحد عليه منة أو فضل في دنياه، فيعيقه ذلك عن أن يصدع بكلمة الحق في وجهه [البوطي: فقه السيرة].
المبحث التاسع: عناية الله له وحفظه من أمور الجاهلية
لقد شارك الرسول ﷺ في إعادة بناء الكعبة عندما تهدمت. فكان ينقل معهم الحجارة للبناء وعليه إزاره. فاقترح عليه عمه العباس أن يجعل إزاره على منكبيه ليقيه الحجارة. وعندما فعل ذلك، سقط مغشيًا عليه، فما رئي بعد ذلك عريانًا.
وكان يومًا ينقل حجارة لبعض ما يلعب به الغلمان، وذلك عندما كان صغيرًا يلعب مع أترابه غلمان قريش، فأخذ إزاره فجعله على رقبته ليحمل عليه الحجارة، فتعرى، وحينها لكمه من لم يره لكمة موجعة، وقال له: «شد عليك إزارك»، فشده عليه، وذلك دون غيره من الغلمان الذين كانوا معه.
وروي أن الله تعالى عصمه مرتين عندما حاول أن يسمر كما يسمر الشباب. ولكن اختلف العلماء في تصحيح هذا الخبر. فبينما صححه الحاكم والذهبي وغيرهما، ضعفه ابن كثير [في البداية] والألباني [في دفاع]، لعلل ذكروها، وحججهما قوية.
وخالف الرسول ﷺ قومه من أهل الحرم الذين عرفوا بـ(الحمْس)، إذ كان يفيض مع الناس من عرفات حيث كانت الحمس تفيض من مزدلفة (جُمَع). وقد تعجب جُبَيْر ابن مُطْعِم من الرسول ﷺ لهذا الفعل، كما روى الشيخان، وكان ذلك توفيقًا من الله تعالى له، كما قال جبير بن مطعم بعد إسلامه، وكما روى ابن إسحاق [في السيرة، بسند حسن]. [والحُمْس: هم أهل الحرم ومن ولدوا من العرب من ساكني الحل والحرم ومن دخل معهم من العرب مثل كنانة وجديلة، رأوا أن لهم منزلة فوق منزلة بقية العرب؛ ولذلك ميزوا أنفسهم عنهم بأن تركوا الوقوف بعرفات والإفاضة منها، وقيل: سمّوا حمسًا لأنهم اشتدوا في دينهم على زعمهم، مأخوذ من الحماسة، وهي الشدة].
وجاء الإسلام، فوضع الله تعالى أمر الحمس وما كانت قد ابتدعته قريش، قال تعالى: ﴿ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ ﴾ [البقرة:199].
وروى البيهقي [في الدلائل بسند حسن] أنّ الرسول ﷺ ما استلم صنمًا قط، وكان ينهى عن ذلك في الجاهلية. ورفض أن يمس صنم إِسَاف أو نَائِلَة عند طوافه، كما كانت عادة أهل الجاهلية.
وروى ابن إسحاق [في السيرة] أن بَحِيْرَى الراهب عندما حلف باللات والعزى، متابعة لقريش في طريقة حلفهم، قال له النبي ﷺ: «لا تسألني باللات والعزى شيئًا، فوالله ما أبغضت بغضها شيئًا قط».
وحفظه الله عز وجل من كيد الشياطين، في الجاهلية والإسلام.
ورفض الرسول ﷺ أن يعتكف عند صنم بوانة - حيث كان لقريش عيد عنده مرة كل عام - فغضب منه عمه أبو طالب وعماته غضبًا شديدًا، فعندما هم بمطاوعتهم عصمه الله تعالى من مس الأصنام، حيث تمثل له رجل أبيض طويل منعه من مسها، فلم يشارك في عيد لهم في حياته.
وروى البيهقي [في دلائله، بسند حسن، كما قال طرهوني]، أن ملكين منعاه أن يشهد مع المشركين مشاهدهم، فانتهى عن ذلك.
ومن أبرز الحكم والعبر من أخبار عناية الله وحفظه من أمور الجاهلية:
1- إن في هذه الأخبار دليلًا على أن الرسول ﷺ كان مصونًا عما يستقبح من أمور الجاهلية قبل البعثة وبعدها، وذلك من حماية الله تعالى له عما يسيء إلى شخصه ودعوته.
2- إن من الأمور المستقبحة عند الله تعالى التعرِّي بحضـرة الناس. وقد حرم الإسلام ذلك إلا للضرورة، مثل العلاج ونحوه كما قال ابن حجر في [الفتح].
3- إن عصمة الله تعالى له من ممارسة أفعال الجاهلية لدليل عن تهيئة الله تعالى له لأمر جليل.