حجم الخط:

محتوى الدرس (13)

المبحث الثالث والعشرون: مكان اللقاء

كان الرسول يلتقي سرًا بالداخلين في الإسلام، ليعلمهم ما ينزل به الوحي من تعاليم الدين. وفي السنة الخامسة من ابتداء الدعوة اختار الرسول منزل أحد المسلمين، وهو الأرقم بن أبي الأرقم، ليلتقي بأكبر عدد منهم، وحافظوا على كتمان سرية هذا المكان [البداية]، لأن عامة الصحابة كانوا يخفون إسلامهم، ولذا فمن الحكمة اتباع السرية لما فيها من مصلحة للمسلمين وللإسلام، أما لماذا اختار الرسول دار الأرقم بالذات؟ أجاب عن هذا السؤال - استنتاجًا - المباركفوري، فقال: (لأن الأرقم لم يكن معروفًا بإسلامه، ولأنه من بني مخزوم التي تحمل لواء التنافس والحرب ضد بني هاشم، إذ يستبعد أن يختفي الرسول في قلب العدو، ولأنه كان فتىً صغيرًا عندما أسلم، في حدود الست عشرة سنة، إذ إنه في هذه الحالة تنصرف الأذهان إلى منازل كبار الصحابة).

ويلحظ أن دار الأرقم [هي الدار التي تعرف الآن بدار الخيزران عند الصفا كما قال الشامي في السبل (2/430)] كانت قرب الصفا، وهي منطقة تشتد فيها حركة الناس بصورة طبعية، مما يصعب معه إدراك وجود حركة خاصة بأناس تجتمع وتنفض في هذه الدار.

وعندما شك الكفار في وجود مكان يلتقي فيه المسلمون، كان كل الذي توصلوا إليه أنه يلتقي بهم في دار عند الصفا [ابن إسحاق].

إن مراعاة السرية والكتمان في حياته واضحة في مواقف كثيرة منها هذا الموقف.

وهذامن باب أن اتخاذالأسباب لايتنا فى مع التوكل على الله عز وجل.

المبحث الرابع والعشرون: الهجرة إلى الحبشة

أ- الهجرة الأولى إلى الحبشة:

كانت هجرة المسلمين إلى الحبشة، فرارًا بدينهم من بلاد الفتنة إلى بلاد الأمان [البخاري].

روى ابن إسحاق[في السير، بسند حسن]، من حديث أم سلمة، قالت: «لما ضاقت علينا مكة، وأوذي أصحاب رسول الله وفتنوا، ورأوا ما يصيبهم من البلاء والفتنة في دينهم، وأن رسول الله لا يستطيع دفع ذلك عنهم، وكان رسول الله في منعة من قومه وعمه لا يصل إليه شيء مما يكره مما ينال أصحابه، فقال لهم رسول الله إن بأرض الحبشة ملكًا لا يظلم عنده، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجًا ومخرجًا مما أتنم فيه، فخرجنا إليها حتى اجتمعنا بها، فنزلنا بخير دار إلى خير جار، أمنا على ديننا، ولم نخش منه ظلمًا...».

روى ابن سعد أنهم خرجوا متسللين سرًا، وكانوا أحد عشر رجلًا وأربع نسوة، حتى انتهوا إلى الشعيبة، منهم الراكب والماشي، ووفق الله تعالى للمسلمين ساعةَ جاؤوا سفينَتين للتجار حملوهم فيها إلى أرض الحبشة بنصف دينار. وكان مخرجهم في رجب من السنة الخامسة من حين نبئ رسول الله ، وخرجت قريش في آثارهم حتى جاؤوا البحر حيث ركبوا، فلم يدركوا منهم أحدًا.

وذكر ابن سعد في رواية ثانية أسماء اثني عشر رجلًا وأربع نسوة،ووافقه في ذلك ابن سيد الناس، وزاد عليه امرأة خامسة، وهي أم كلثوم بنت سهيل بن عمرو، زوجة أبي سبرة. وروى ابن إسحاق [في السيرة والسير] أنهم كانوا عشـرة من الرجال وأربع نسوة. إذ إنه لم يذكر فيهم ابن مسعود، وذكر حاطبًا بالشك: (ويقال...).

ووافق الذهبي [في السيرة]، ابن إسحاق في عدد الرجال والنساء ولكنه ذكر أبا سبرة ولم يذكر أبا حاطب أو حاطبًا، ولم يذكر ابن مسعود. وذكر عروة [في مغازيه]، أنهم كانوا أحد عشر رجلًا وأربع نسوة، وذكر فيهم ابن مسعود ولم يذكر حاطبًا.

وكان ضمن هؤلاء المهاجرين: أبو سلمة بن عبد الأسد، وزوجه أم سملة بنت أبي أمية، أم المؤمنين فيما بعد، وراوية الحديث الطويل في قصة الهجرة، وعثمان بن مظعون، ومصعب بن عمير، وعثمان بن عفان، وامرأته رقية بنت رسول الله .

وقد قال الرسول في عثمان ورقية رضي الله عنهما: «إنهما أول بيت هاجر في سبيل الله بعد إبراهيم ولوط رضي الله عنه» [البيهقي: الدلائل].ولعل المعنى:من أول بيت نبي

وعرفت هذه الهجرة بالهجرة الأولى إلى الحبشة، وذكر ابن هشام أنه كان عليهم عثمان بن مظعون رضي الله عنه.

لم يمكث هؤلاء المهاجرون طويلًا بالحبشة حتى بلغتهم الأخبار بأن أهل مكة قد أسلموا، فلذا قرروا العودة إلى وطنهم مكة في شوال من السنة نفسها.

وعندما اقتربوا من مكة علموا بأن الذي بلغهم كان مجرد إشاعة، وعرفوا أن نار العداوة ما زالت مشتعلة. فرجع منهم من رجع إلى الحبشة، ومن دخل منهم مكة دخلها مستخفيًا أو في جوار رجل من قريش [ابن سعد وابن إسحاق].

ويزعم بعض الناس أن سبب رجوعهم كان لوقوع هدنة حقيقية بين الإسلام والوثنية، أساسها أن محمدًا تقرب إلى المشـركين بمدح أصنامهم والاعتراف بمنزلتها، إذ زعموا أنه قرأ على المشركين سورة النجم حتى وصل قولة تعالى: ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ ﴿ ١٩ وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ ﴿ ٢٠ [النجم: 19- 20]، ألقى الشيطان في آذان المشـركين قوله: (تلك الغرانيق العلى وأن شفاعتهن لترتجى) فسجد وسجد معه كفار مكة. فلما بلغهم ذلك في الحبشة ظنوا أن القوم قد أسلموا لهذه القصة المزعومة.

وممن روى هذه القصة ابن سعد، والطبري [في التفسير]، والبيهقي [في الدلائل]، ولم يروها أحد من أصحاب الكتب الستة والإمام أحمد ولا غيرهم من أصحاب الكتب المعتمدة على التحرير. وهي باطلة من حيث السند والمتن.

والذي ثبت في الصحيح [البخاري] أن الرسول قرأ سورة النجم، في جماعه من المسلمين والمشركين، وخواتيم هذه السورة قوارع تطير لها القلوب. فلما أخذ صوت الرسول يهدر بها ويرعد بنذرها حتى وصل إلى قول الله تعالى: ﴿ وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ ﴿ ٥٣ فَغَشَّاهَا مَا غَشَّىٰ ﴿ ٥٤ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَىٰ ﴿ ٥٥ هَٰذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَىٰ ﴿ ٥٦ أَزِفَتِ الْآزِفَةُ ﴿ ٥٧ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ ﴿ ٥٨ أَفَمِنْ هَٰذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ ﴿ ٥٩ وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ ﴿ ٦٠ وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ ﴿ ٦١ [النجم: 53- 61]، كانت روعة الحق قد صدعت العناد في نفوس المستكبرين والمستهزئين، فما تمالكوا أن يخروا لله ساجدين، مع غيرهم من المسلمين، حتى إن الوليد بن المغيرة - وكان كبير السن - أخذ كفًا من البطحاء وسجد عليه. فلما نكسوا على رؤوسهم وأحسوا أن جلال الإيمان لوى زمامهم، ندموا على ما كان منهم، وأحبوا أن يعتذروا عنه، بأنهم ما سجدوا مع محمد إلا لأن محمدًا عطف على أصنامهم بكلمة تقدير... [الغزالي: فقه السيرة].

ب- الهجرة الثانية إلى الحبشة:

عندما عاد بعض من هاجر الهجرة الأولى إلى الحبشة، ووجدوا أن الابتلاء الواقع على المسلمين أصبح أشد مما كان، ولما رأى الرسول حالهم، أذن لهم بالهجرة مرة ثانية، وكانوا هذه المرة نيفًا وثمانين رجلًا وتسع عشرة امرأة. [ابن إسحاق] وقيل غير ذلك.

فقد روى الإمام أحمد [في المسند، بسند حسن] أن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «بعثنا رسول الله إلى النجاشي ونحن نحوًا من ثمانين رجلًا، فيهم جعفر، وعبد الله بن عرفطة وعثمان بن مظعون، وأبو موسى،...» ولم يذكر عدد النساء. وذكر ابن سعد أن عدد الرجال ثلاثة وثمانين رجلًا وعدد النساء إحدى عشـرة امرأة قرشية وسبع غرائب. وذكر ابن إسحاق [في السيرة] أنهم كانوا نيفًا وثمانين رجلًا، وذكر أسماء ست عشـرة امرأة، وذكر في السيرة أنهم كانوا ثلاثة وثمانين رجلًا، وإذا اعتبرنا من ولدت ريطة بنت الحارث، فيكون عدد النساء عنده عشرين امرأة، وقد ذكر ابن القيم [في الزاد، من حديث ابن إسحاق] أنهن تسع عشرة امرأة، والله أعلم. ويبدو أن الاختلاف في عدد النساء يرجع إلى أن البعض يعد فيهن بعض الفتيات الصغيرات.

ويشهد بقبول ما جاء عند أهل المغازي والسير في عدد المهاجرين هذه المرة، رواية أحمد المذكورة من حديث ابن مسعود.

جـ- قريش تسعى لإعادة المهاجرين:

روى ابن إسحاق [في السيرة والسير، بسند حسن]، من حديث أم سلمة رضي الله عنها في هجرة الحبشة، أنها قالت: «لما نزلنا أرض الحبشة جَاوَرْنا بها خَيْرَ جَارٍ النجاشيّ، أَمِنَّا على ديننا، وَعَبْدنا الله تعالى لا نُؤْذَى ولا نسمع شيئًا نكرهه. فلما بلغ ذلك قريشًا ائتمروا بينهم أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين منهم جَلْدَين، وأن يَهْدُوا للنجاشي هدايا مما يُستطرف من متاع مكة، وكان من أعجب ما يأتيه منها الأَدَمُ [الجلود]، فجمعوا له أَدَمًا [جلودًا] كثيرًا، ولم يتركوا من بطارقته بطريقًا إلا أهدوا له هدية. ثم بعثوا بذلك عبد الله ابن أبي ربيعة [أحمد: المسند، بسند حسن] وعمرو بن العاص، وأمروهما بأمرهم، وقالوا لهما: ادفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلما النجاشي فيهم، ثم قدما إلى النجاشي هداياه ثم سلاه أن يسلمهم إليكما قبل أن يكلمهم. فخرجا حتى قدما على النجاشي... فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلِّما النجاشي، وقالا لكل بطريق منهم: إنه قد ضَوَى إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينكم، وجاءوا بدين مبتدع، لا نعرفه نحن ولا أنتم...».

وفي الحديث أن الوفد اتفق مع البطارقة أن يشيروا على النجاشي بأن يسلمهم إليهم ولا يكلمهم. ولكن النجاشي عندما أشير إليه بذلك رأى أن يدعو المسلمين ويستمع بنفسه إلى ما يقولونه. وعندما حضروا أمامه تكلم نيابة عنهم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، فأوضح للنجاشي حقيقة الدين الذي جاء به محمد ، وموقف قومهم منه.

وعندما طلب النجاشي شيئًا مما جاء به قرأ عليه جعفر صدر سورة مريم. فبكى النجاشي حتى ابتلت لحيته، وبكى أساقفته حتى ابتلت كتبهم التي يحملونها.

ثم قال النجاشي مخاطبًا سفيري قريش: «إن هذا والذي جاء به عيسى يخرج من مشكاة واحدة، انطلقا، والله لا أسلمهم إليكما أبدًا».

وعندما خرجا، قال عمرو لعبد الله: «والله لآتينه غدًا بما يبيد خضراءهم».

فلما كان الغد جاء عمرو إلى النجاشي وقال له: «إن هؤلاء يقولون في عيسى بن مريم قولًا عظيمًا». فأرسل النجاشي إليهم، وعندما جاؤوه سألهم عن قولهم في المسيح، فقال جعفر: «نقول فيه الذي جاءنا به نبينا، هو عبد الله ورسوله وروحه، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول».

فأخذ النجاشي عودًا من الأرض، وقال لجعفر: «ما عدا عيسى ما قلت قدر هذا العود». ولم يأبه لا متعاض بطارقته، فأعطى المسلمين الأمان في بلاده، ورد هدية قريش [ابن إسحاق: السير والمغازي، حديث أم سلمة].

أخفقت سفارة قريش في مهمتها، ولم تجد قريش أمامها غير التشفي ممن هم تحت أيديها.

أما الإسلام فقد كسب إلى جانبه النجاشي وعمرو بن العاص، كما سيأتي ذكره.

ومكث المسلمون ما شاء الله لهم، فعاد من عاد منهم بعد هجرة المسلمين إلى المدينة وقبل وقعة بدر، وهم ثلاثة وثلاثون رجلًا وثماني نسوة [البخاري وغيره]. وعاد الباقون مع جعفر رضي الله عنه عندما فرغ الرسول من فتح خيبر في العام السابع الهجري [البخاري وغيره].

د- حكم وعظات وعبر من هذا المقطع:

1- إن في هجرة بعض المسلمين إلى الحبشة دليلًا على مشروعية الهجرة، وهي الانتقال من بلد الكفر حيث يتعذر على العبد أن يعبد الله عز وجل، إلى دار يتمكن فيها مـن عـبادة الله سبحانه وتعالى بدون فتنة. وسيأتي تفصيل ذلك عند الكلام عن هجرة الرسول إلى المدينة.

2- إن من أسس ودعامات الدين التضحية بالمال والوطن والنفس في سبيله، لأن الدين إذا فقد لم يغن من ورائه المال والوطن والنفس، بل سرعان ما يذهب كل ذلك أيضًا من ورائه، أما إذا قوي شأنه وقامت في المجتمع دعائمه ورسخت في الأفئدة عقيدته، فإن كل ما كان قد ذهب في سبيله من مال وأرض ووطن يعود أقوى من ذي قبل، حيث يحرسه سياج من الكرامة والقوة والبصيرة. ولذا كانت الهجرة نفسها ضربًا من ضروب العذاب والألم في سبيل الدين وتضحية بالوطن والمال، وتبديل محنة أقسى بأخرى أقل قسوة ريثما يأتي الفرج والنصر.

3- يجوز للمسلمين أن يدخلوا في حماية غير المسلمين، إذا دعت الحاجة إلى ذلك، سواء أكان المجير من أهل الكتاب كالنجاشي النصراني، والذي أسلم بعد ذلك، أو كان مشركًا كأولئك الذين عاد المسلمون إلى مكة في حمايتهم، وكأبي طالب الذي حمى الرسول ، والمطعم بن عدي الذي حمى النبي عندما عاد من الطائف [البوطي].

4- إن في ارتداد عبيد الله بن جحش - إن صحت الرواية - عظه لمن يتعظ أو عبرة لمن يعتبر. فقد استكبر على المسلمين، لأنه كان أولًا من الحنفاء، ثم أسلم وهاجر مع زوجه أم حبيبة رضي الله عنها إلى الحبشة، ثم ارتد إلى النصرانية، وكان يقول للمسلمين: «فَتَّحْنَا وَصَأصَأتُم»، أي قد أبصرنا وأنتم تلتمسون البصـر ولم تُبصِـروا بعد. وذلك أن ولد الكلب إذا أراد أن يفتح عينيه للنظر صأصأ قبل ذلك، فضـرب ذلك له ولهم مثلًا [ابن هشام، بسند صحيح]، [يأتي تحقيق العوشن لهذه الرواية].

المبحث الخامس والعشرون: إسلام النجاشي

ذكر ابن إسحاق [في السيرة] في رواية له أن النجاشي لما مات كان يُتحدثُ أنه لا يزال يُرى على قبره نور. ويفهم من هذه الرواية الصحيحة أنه قد أسلم.

وذكر في رواية أخرى أن قومه خرجوا عليه لأنه أسلم، وقبل أن يخوض حربًا ضدهم هيأ للمسلمين سفنًا ليركبوها إذا انهزم، وكتب كتابًا يشهد فيه بإسلامه.. وبلغ ذلك النبي . فلما مات النجاشي استغفر له [والبخاري ومسلم].

وهذا الذي ذكره ابن إسحاق موافق في جوهره لما في الصحيحين فيما يتعلق بإسلام النجاشي. فقد روى البخاري ومسلم أن الرسول نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، في العام التاسع الهجري، وصلى بالمسلمين صلاة الغائب عليه. وروى البخاري ومسلم أيضًا أن الرسول قال: «قد توفي اليوم رجل صالح من الحبش فهلُمَّ فصلوا عليه»، وهذا لفظ البخاري.

وهذا النوع من النعي هو الجائز لأنه لمجرد الإخبار ليدعوا له إخوته في الله سبحانه وتعالى. أما النعي للمفاخرة والمكاثرة فمكروه، والنعي بصفات الميت فحرام [انظر موطأ مالك في تبويب هذه المسألة].

وفي رواية لمسلم، قال الرسول : «إن أخًا لكم قد مات فقوموا فصلوا عليه...». وهذا الحديث صريح في أنه مات على الإسلام. واسمه أصحمة [مسلم برقم 952].

ويفهم من عموم النصوص الواردة عن إسلام النجاشي في المصادر المختلفة أنه جهر بإسلامه أمام الصحابة رضي الله عنهم وبمحضر من أساقفته، ولم يقبل البطارقة والأساقفة هذا التحول، فغضبوا منه وألَّبوا عليه الناس، وقامت ضده ثورة ولكن الله نصـره عليهم، ولم تتوقف الحرب إلا بعد أن خدعهم تقية، «والحرب خدعة» كما صح عن الرسول : «وذلك أنه عمد إلى كتاب كتب فيه إقراره بالتوحيد ونبوة محمد ، ويشهد أن عيسى عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم، ثم جعله في قبائه [ثوب يلبس فوق الثياب أو القميص ويتمنطق عليه] عند المنكب الأيمن، وخرج إلى الحبشة، وصفُّوا له، فقال: يا معشر الحبشة ألست أحق الناس بكم؟ قالوا: بلى، قال: فكيف رأيتم سيرتي فيكم؟ قالوا: خير سيرة، قال: فما بكم؟ قالوا: فارقت ديننا!!! وزعمت أن عيسى عبده ورسوله، قال: فما تقولون أنتم في عيسى؟ قالوا: نقول هو ابن الله، فقال النجاشي: ووضع يده على صدره على قبائه: وهو يشهد أن عيسى بن مريم لم يزد على هذا، وإنما يعني على ما كتب، فرضوا، وانصرفوا، فبلغ ذلك رسول الله . فلما مات النجاشي صلى عليه واستغفر له» [البخاري وغيره].

المبحث السادس والعشرون: إسلام حمزة وعمر

أ- إسلام حمزة رضي الله عنه:

لم يوقف اضطهاد المشركين للمسلمين دخول صناديد قريش في الإسلام. ففي هذا الجو المشحون بالأحقاد على المسلمين عامة والرسول خاصة، شاء الله تعالى أن يكون حقد أبي جهل على الرسول سببًا في إسلام حمزة عم الرسول وأحد أشداء قريش. فقد روى ابن إسحاق [في السيرة] وابن سعد أن أَمَةً لعبد الله بن جُدعان أخبرت حمزة أن أبا جهل قد أساء إلى ابن أخيه محمد إساءات بذيئة. فلم يتردد في المجيء إلى أبي جهل وهو في مجلسه من قومه، فضربه بالقوس على رأسه فشجه شجة منكرة، وقال له: «أتشتمه وأنا على دينه؟»... فكانت تلك بداية انشراح صدر حمزة للإسلام.

وعندما أسلم حمزة عرفت قريش أن رسول الله قد عز وامتنع، وأن حمزة سيمنع عنه الأذى، فكفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه [ابن إسحاق: السيرة].

وكان إسلام حمزة بعد دخول رسول الله دار الأرقم في السنة السادسة من النبوة [ابن سعد].

ب- إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

لقد كان عمر رضي الله عنه من ألد خصوم الإسلام، وكان معروفًا بحدة الطبع وقوة الشكيمة، وكثيرًا ما لقي بعض المسلمين منه صنوفًا من الأذى والتنكيل.

قال سعيد بن زيد رضي الله عنه، قريبه وزوج أخته [من رواية أحمد في الفضائل، بسند صحيح]: «والله لقد رأيتني وإن عمر لموثقي وأخته على الإسلام قبل أن يسلم...». وفي رواية: «لو رأيتني موثقي عمر على الإسلام أنا وأخته وما أسلم...» [البخاري].

وروى ابن إسحاق [في السيرة والسير، بسند حسن] أن ليلى - أم عبد الله - زوجة عامر ابن ربيعة، قالت: «والله إنا لنرتحل إلى أرض الحبشة، وقد ذهب عامر لبعض حاجته، إذ أقبل عمر - وهو على شركه - حتى وقف عليَّ، وكنا نلقى منه البلاء، فقال: أتنطلقون يا أم عبد الله؟ قالت: نعم والله لنخرجن في أرض الله، فقد آذيتمونا وقهرتمونا، حتى يجعل الله لنا مخرجًا. قالت: لو رأيت عمر ورقته وحزنه علينا... قال: أطمعت في إسلامه؟ قلت: نعم. فقال: لا يسلم حتى يسلم حمار الخطاب»، وذلك لما كان يراه عامر من شدة عمر وغلظته على المسلمين.

وفي هذا الخبر دليل على نوازع الفطرة السليمة التي كانت تصطرع في نفسه مع غشاوات الجاهلية، إلى أن حانت ساعة جلاء هذه الغشاوة عن فطرته السليمة، فدخل في الإسلام، وتحولت شدته من شدة في الباطل إلى شدة في الحق.

وعندما شرح الله عز وجل صدره للإسلام قال: «أي قريش أَنْقَلُ للحديث؟» فقيل له: جَمِيل بن مَعْمَر الجُمَحِيّ، فجاءه عمر فأخبره بإسلامه. فأسرع جميل إلى الكعبة، وصرخ في القوم بأعلى صوته، قائلًا: «ألا إن عمر صبأ»، وعمر خلفه يقول: «كذب، ولكن قد أسلمت...» ودخلوا معه في عراك طويل حتى أنقذه الله عز وجل منهم بالعاص بن وائل السهمي [أحمد: الفضائل؛ ابن إسحاق: السيرة والسير، بسند حسن].

أما القصة المشهورة في سبب إسلامه والتي تقول إنه كان في طريقه إلى محمد لينال منه، فلقيه رجل علم منه ما يريد فتعجب منه لأن لا يعلم بإسلام أخته وزوجها. فغضب عمر وذهب إلى أخته وزوجها ووجد معهما خبَّابًا... فضربها حتى سال الدم منها، ثم وجد معهم آيات من سورة طه، فقرأها بعد أن أمرته أخته بالاغتسال إذا أراد مسَّها... ثم أسلم وذهب إلى الرسول ليعلن إسلامه... ورد جوار خاله العاصي ليَضرب ويُضرب كما هو حال المستضعفين من المسلمين إلى أن أعز الله الإسلام... هذه القصة لم ترد بإسناد صحيح مقبول عند المحدثين، وإن كان بعض أجزائها قد ورد بأسانيد حسنة. فقد ضعَّفها وصي الله [حاشية الفضائل لأحمد]، وهمام، وأبو صعيليك، [حاشية سيرة ابن هشام] وغيرهم.

لقد كان إسلام عمر استجابة من الله تعالى لدعاء النبي الذي كان يدعو به، وهو: «اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك: بأبي جهل، أو بعمر ابن الخطاب» [أحمد: المسند، بسند حسن].

فقد أعز الله الإسلام بعمر بن الخطاب. وفي هذا روى البخاري عن ابن مسعود أنه قال: «ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر بن الخطاب».

ورويت آثار كثيرة في إعزازه الإسلام، دلت على دوره الكبير في نصـرة الإسلام، من ذلك:

روى ابن إسحاق [في السيرة] عن عمر رضي الله عنه، قال: «لما أسلمت تذكرت أي أهل مكة أشد لرسول الله عداوة، قال: قلت: أبو جهل، فأتيت حتى ضربت عليه بابه، فخرج إليَّ، وقال: أهلًا وسهلًا، ما جاء بك؟ قال: جئت لأخبرك أني قد آمنت بالله وبرسوله محمد ، وصدقت بما جاء به. قال: فضرب الباب في وجهي، وقال: قبحك الله وقبح ما جئت به».

وروى ابن مسعود قال: «إن إسلام عمر كان فتحًا وإن هجرته كانت نصـرًا وإن إمارته كانت رحمة، ولقد كنا ما نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر، فلما أسلم قاتل قريشًا حتى صلى عند الكعبة وصلينا معه» [ابن إسحاق: السيرة].

وروي عن صهيب الرومي أنه قال: «لما أسلم عمر ظهر الإسلام، ودعا إليه علانية، وجلسنا حول البيت حلقًا، وطفنا بالبيت، وانتصفنا ممن غلظ علينا، ورددنا عليه بعض ما يأتي به» [ابن سعد].

وروي عن ابن عباس أنه قال: «لما أسلم عمر قال المشركون: قد انتصف القوم منا» [أحمد: فضائل الصحابة].

وروى ابن سعد من حديث محمد بن عبيد: «لقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي بالبيت حتى أسلم عمر، فلما أسلم عمر، قاتلهم حتى تركونا نصلي».

وروي أن رسول الله سماه الفاروق، أي الذي فرق بين الحق والباطل. [الذهبي: السيرة؛ ابن سعد].

ومع أن هذه الآثار لا تقبل بميزان المحدثين إلا أنه لا بأس من الاستئناس بها فيما لا يترتب عليه حكم شرعي أو لا يمس العقيدة.

ومما لا خلاف فيه أن إسلام عمر كان إعزازًا للإسلام، لقول الرسول : «اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك: بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب».

جـ- عظات وعبر وحكم من هذا المقطع:

1- إن الرجال ذوي القوة والشكيمة في المجتمع الجاهلي يمكن أن يكونوا سندًا قويًا للدعوة الإسلامية إذا أسلموا... ولذا كان الرسول حريصًا على إسلام رجال أمثال أبي جهل وعمر بن الخطاب، وقال إن خيار الناس في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا [البخاري]... فليحرص الدعاة دائمًا على عدم إهمال دعوة الشخصيات القوية والمؤثرة في مجتمعاتها، لأن إسلام هذه الشخصيات سوف يزيل الكثير من التردد الذي يقع فيه من يأتمرون بأمرهم أو يقتدون بهم، كما هو واقع في كل زمان ومكان، وكما حكى عن ذلك القرآن، في مخاطبة الكفار الذين أضلهم الزعماء والسادة والكبراء: ﴿ يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا ﴿ ٦٦ وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا ﴿ ٦٧ رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا [الأحزاب: 66- 68]. ولا تقتصر الدعوة على زعماء المشركين وآحادهم، بل لا بد أن تتعدى إلى الزعامات المنحرفة عن الإسلام والتي تقود شعوبها أو أحزابها إلى غير طريق الإسلام في مجالات الحياة المختلفة.

2- إن في نهوض الرسول للقاء عمر بن الخطاب عندما جاء إلى المسلمين في دار الأرقم، وأخذه بِحُجْزَتِهِ [أي معقد السراويل والإزار] أو بمجمع ردائه، ثم جبذه جبذة شديدة، ثم تهديده، إن في هذا مثالًا عاليًا للشجاعة في موطن الشدة. وهو ما ستلمسه يتكرر في مواطن أخرى كثيرة، مثل موقفه يوم أحد ويوم حنين.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة