المبحث الثالث والثلاثون: البحث عن وطن للدعوة
أ- عرض الرسول ﷺ نفسه على القبائل:
كان الرسول ﷺ في حركة دائبة للبحث عن مكان يعبد الله عز وجل فيه آمنًا، ولذا كان أمره للصحابة بالهجرة إلى الحبشة، وهجرته هو إلى الطائف، ثم عرض نفسه على القبائل. وكان عرض نفسه على القبائل بأمر من الله سبحانه وتعالى، ودليل هذا قول ابن حجر [في الفتح]: (وقد أخرج الحاكم وأبو نعيم والبيهقي [كلاهما في الدلائل] بإسناد حسن عن ابن عباس: «حدثني علي بن أبي طالب قال: لما أمر الله نبيه أن يعرض نفسه على قبائل العرب خرج وأنا معه وأبو بكر إلى منى، حتى دفعنا إلى مجلس من مجالس العرب»...).
وكانت مواسم الحج وأسواق العرب مناسبات هامة للالتقاء بذوي الشأن من رؤساء القبائل وغيرهم من الأفراد العاديين. وكان يطلب من ذوي الشأن أن يحموه، دون أن يكرههم على دعوته.
ومما كان يقوله في هذه المواسم [كما روى أحمد وأبو داود وابن ماجه والذهبي]: «هل من رجل يحملني إلى قومه، فإن قريشًا منعوني أن أبلغ كلام ربي».
و: «يا بني فلان، إني رسول الله إليكم، يأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه، وأن تؤمنوا بي وتصدقوني وتمنعوني حتى أبين عن الله ما بعثني به...» [أحمد: المسند، بسند جيد؛ ابن إسحاق: السيرة].
وتقول الرواية نفسها إن عمه أبو لهب- عبد العزى بن عبد المطلب - كان يسير خلفه، فإذا فرغ رسول الله ﷺ من حديثه، قال: «هذا يدعوكم إلى أن تفارقوا دين آبائكم وأن تسلخوا اللات والعزى وحلفاءكم من بني مالك بن أُقَيْش إلى ما جاء به من البدعة والضلال...» وفي رواية عند ابن إسحاق في السير، بسند حسن، أنه كان يتبعه ويرميه بالحجارة، وقد أدمى قدميه.
ومن القبائل التي عرض رسول الله ﷺ نفسه عليها ودعاها إلى الإسلام فأبوا: كندة، وفيهم سيدهم مُلَيح - أو فُلَيح [ابن إسحاق: السيرة والسير]، وبنو عبد الله من كلب [المصدران نفساهما]، وبنو حنيفة، وكان ردهم عليه قبيحًا [ابن إسحاق: السيرة]، وبنو عامر ابن صَعْصَعَة، وقال رجل منهم يدعى بَيْحَزة بن فِرَاس: «والله لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب،.. أرأيت إن تابعناك على أمرك ثم أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟» قال: «الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء»، قال: «أَفَنُهْدِفُ نحورنا للعرب دونك، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا، لا حاجة لنا بأمرك؛ فأبوا عليه.
فلما صدر الناس رجعت بنو عامر إلى شيخ لهم، قد كانت أدركته السن، حتى لا يقدر أن يُوَافِيَ معهم المواسم، فكانوا إذا رجعوا إليه حدثوه بما يكون في ذلك الموسم، فلما قدموا عليه ذلك العام سألهم عما كان في موسمهم، فقالوا: جاءنا فتَىً من قريش، ثم أحد بني عبد المطلب، يزعم أنه نبي، يدعونا إلى أن نمنعه ونقومَ معه ونخرج به إلى بلادنا، قال: فوضع الشيخُ يديه على رأسه، ثم قال: يا بني عامر، هل لها من تلافٍ، هل لذُنابَاها [أي ذنبها] من مطلب، والذي نفسُ فلان بيده، ما تَقَوَّلَها إسماعيلي قَطّ، وإنها لحق، فأين رأيكم كان عنكم؟»، ومُحَارِب بن حَصَفَة وفَزَارة وغَسَّان ومُرَّة وسُلَيم وعَبْس وبنو النضر وبنو البكاء، وعُذرةَ والحَضَارِمة، [ابن سعد] وربيعة وبنو شيبان الذين كان فيهم وعلى رأسهم: مفروق بن عمرو، وهانئ بن قبيصة،والمثنى بن حارثة، وقد تعللوا بحجج منها الرغبة في التريث إلى حين أخذ مشورة من وراءهم من قومهم، وفي هذا قال المثنى: «وإنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى، لا نحدث حَدَثًا ونؤوي محدثًا، وإني أرى هذا الأمر الذي تدعو إليه مما تكرهه الملوك، فإن أحببت أن نؤيدك وننصرك مما يلي مياه العرب فعلنا، فقال رسول الله ﷺ: «ما أسأتم في الرد إذ أفصحتم بالصدق، وإن دين الله لن ينصره إلا من أحاطه الله من جميع جوانبه، أرأيتم إن لم تلبثوا إلا قليلًا حتى يورثكم الله أرضهم وديارهم وأموالهم ويفرشكم نساءهم، أتسبِّحون الله وتقدِّسونه؟»، فقال النعمان بن شريك: «اللهم! نعم»، فتلا رسول الله ﷺ: ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ﴿ ٤٥ ﴾ وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا ﴿ ٤٦ ﴾ ﴾ [الأحزاب: 45- 46]. وقد سر رسول الله ﷺ من أخلاقهم. [ابن حبان: السيرة؛ البيهقي: الدلائل، بسند حسن؛ الحاكم وأبو نعيم، بسند حسن].
لقد كان أهل المدينة أكثر الناس تجاوبًا مع دعوة الرسول ﷺ عندما عرض عليهم الإسلام. فعندما عرض الرسول ﷺ الإسلام على سُوَيْد بن الصامت، لم يعلن الإسلام ولم يبعد عنه، واستحسن ما سمع من القرآن. وعندما عاد إلى بلاده، وقتل في حرب بُعَاث - بين الأوس والخزرج -، كان رجال من قومه يقولون إنه مات مسلمًا. [ابن إسحاق: السيرة].
وروى ابن إسحاق [في السيرة بسند حسن] أن وفدًا من بني عبد الأَشْهَل على رأسه أبو الحَيْسَر، أنس بن رافع، وفيه إِياس بن مُعاذ، قدموا مكة يلتمسون الحلف مع قريش ضد قومهم من الخزرج، سمع بهم رسول الله ﷺ فأتاهم فجلس إليهم، فقال لهم: «هل لكم خير مما جئتم له؟»، فقالوا له: «وما ذاك؟»، قال: «أنا رسول الله، بعثني إلى العباد، أدعوهم إلى أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئًا، وأنزل عليّ الكتاب». ثم ذكر لهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن، فقال إياس بن معاذ، وكان غلامًا حدثًا: «أي قوم، هذا والله خير مما جئتم له». فزجره أبو الحيسر، فصمت، وسمعه قومه عند موته يهلل الله تعالى ويكبره ويحمده ويسبحه حتى مات، فما كانوا يشكون أنه قد مات مسلمًا.
لقد استشعر إياس الإسلام في ذلك المجلس حين سمع من الرسول ﷺ ما سمع.
وفي السنة الحادية عشرة من البعثة عرض نفسه على نفر - قيل ستة وقيل ثمانية - من الخزرج، عند العقبة، فجلسوا معه. فدعاهم إلى الإسلام، وتلا عليهم القرآن [ابن إسحاق: السيرة؛ ابن كثير: البداية: من حديث ابن عقبة].
وكان مما مهد أفئدتهم لقبول الإسلام أن اليهود كانوا معهم في بلادهم، ومعلوم أنهم أهل كتاب وعلم، فكان إذا وقع بينهم وبين اليهود نفرة أو قتال قال لهم اليهود: «إن نبيًا مبعوثًا الآن قد أطل زمانه، سنتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم!».
فلما دعاهم رسول الله ﷺ إلى الإسلام نظر بعضهم لبعض وقالوا: «تعلمون والله أنه للنبي الذي تدعوكم به يهود، فلا يسبقنكم إليه». فأجابوه إلى ما دعاهم إليه من الإسلام. وقالوا: «إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك، فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك. ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين. فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك».
ثم انصرفوا، ووعدوه المقابلة في الوسم المقبل.
فلما قدموا المدينة إلى قومهم ذكروا لهم رسول الله ﷺ ودعوهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم، فلم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر من رسول الله ﷺ [ابن إسحاق: السيرة، بسند حسن].
وهناك سبب آخر أدى إلى تمهيد أفئدة أهل المدينة لقبول الإسلام، وهو يوم بُعاث. فقد روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «كان يوم بعاث يومًا قدمه الله لرسوله ﷺ، فَقَدِمَ رسول الله ﷺ وقد افترق مَلَؤُهم وقُتِلَتْ سَرَوَاتُهُمْ [خيارهم وأشرافهم] وَجُرِّحُوا، فَقَدَّمَهُ الله لرسوله ﷺ في دخولهم في الإسلام».
1- إن أمثال أبي لهب لا ينعدم في مجتمعات الكفر والانحراف العقدي الصـريح، وهي نماذج من الناس مثل سلوك وتفكير أبي لهب، تقف في وجه الدعاة في كل زمان ومكان، بمثل موقف أبي لهب من ابن أخيه محمد ﷺ، ويصدون عن سبيل الحق ويبغونها عِوَجًا، بما يتاح لهم من وسائل، فيصفون دعاة الدين الحق بأنهم دعاة بدعة وضلالة، ودعاة دين جديد أو مذهب خامس، أي ليس من بين المذاهب الأربعة المشهورة. ولم يتأثر الرسول ﷺ لموقف عمه أبي لهب، بل استمر في دعوته. فعلى الدعاة أن يتأثروا بمواقف المغرضين.
2- على الدعاة أن يطرقوا جميع الأبواب التي يمكن أن تقود إلى التمكين للدين في الأرض، وعدم اليأس مهما تكررت محاولات الاتصالات الفردية والجماعية، ومهما كانت النتائج القريبة سلبية.
المبحث الرابع والثلاثون: البيعة
في الموسم التالي من العام الثاني عشر للبعثة، جاء إلى أداء مناسك الحج اثنا عشـر رجلًا من المسلمين من المدينة بعضهم ممن لقي النبي ﷺ في الموسم السابق وآمن به، فلقوا الرسول ﷺ مع جماعة من أصحابه حتى بايعوه. وقد روى البخاري ومسلم وغيرهما، من حديث عبادة بن الصامت الذي كان ضمن حجاج المسلمين من المدينة، رووا صيغة هذه البيعة، وهي:
قال عبادة: إن الرسول ﷺ قال لهم: «تعالوا بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب شيئًا، فستره الله فأمره إلى الله، إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه»، فبايعوه على ذلك.
قال عبادة بن الصامت في رواية ابن إسحاق [في السيرة بسند حسن] «فبايعنا رسول الله ﷺ على بيعة النساء، وذلك قبل أن تفرض الحرب». [أي: على غرار بيعة النساء ثاني أيام فتح مكة، وليس فيها الجهاد].
وعندما أرادوا العودة إلى بلادهم، بعث رسول الله ﷺ مُصْعَب بن عُمَيْر ليقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام ويفقههم في الدين، فكان يسمى (مقرئ المدينة). وكان منزله على أَسْعَد ابن زُرَارَة [رواه أئمة السيرة، وإسناده في الدلائل (2/438) مرسل حسن، ورجاله ثقات].
روى أبو داود وابن إسحاق [في السيرة بسند حسن]، وغيرهما من طريق عبد الرحمن ابن كعب بن مالك أن أول من أقام صلاة الجمعة بالمدينة هو أسعد بن زرارة، وكانوا أربعين رجلًا أمَّهم مصعب بن عمير. فقد كتب إليه الرسول ليجمع بهم [الدار قطني: السنن].
أسلم خلق كثير من الأنصار على يد مصعب بمعاونة أسعد بن زرارة، وممن أسلم من أشرافهم [كما روى ابن إسحاق في السيرة بسند مرسل حسن]: أُسَيْد بن الحُضَيْر وسعد ابن معاذ، وأسلم بإسلامهما يومئذ جميع بني عبد الأشهل الرجال والنساء، إلا أُصَيْرِم عمرو بن ثابت بن وَقَشٍ، فإنه تأخر إسلامه إلى يوم أحد، وأسلم حينئذ وقاتل فَقتل قبل أن يسجد لله سجدة واحدة، فأخبر عنه النبي ﷺ، فقال: «عَمِلَ قليلًا، وأُلجِرَ كثيرًا» [البخاري وابن إسحاق في السيرة بسند حسن].
ولم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون إلا ما كان من دار بني أمية بن زيد وخطمة ووائل وواقف (وتلك أوس الله)، وهم الأوس ابن حارثة؛ وذلك أنه كان فيهم أبو قيس بن الأَسْلَت الشاعر - وكانوا يطيعونه - فوقف بهم عن الإسلام حتى كان عام الخندق سنة خمس من الهجرة [ابن إسحاق: السيرة، مرسلًا].
وقبل حلول موسم الحج التالي - أي حج السنة الثالثة عشـرة - عاد مصعب ابن عمير إلى مكة ليبشر الرسول ﷺ بنجاح مهمته، بتوفيق الله تعالى [ابن إسحاق: السيرة].