الفصل الثاني: الهجرة إلى المدينة
منذ أن أعلن الرسول ﷺ الدعوة ظل يتعرض لشتى أنواع المضايقات، هو ومن أسلم. وقد ذكرنا ذلك في المباحث السابقة، ولذا كان رسول الله ﷺ يفكر دائمًا في طلب الحماية خارج مكة، عندما استعصت عليه مكة. فكانت هجرة الحبشة وهجرة الطائف، وأخيرًا هجرة المدينة.
ومما يؤكد أن الابتلاء والاضطهاد كانا سببًا من أسباب الهجرة إلى المدينة قول بلال رضي الله عنه عندما هاجر: «... اللهم العن شيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة وأمية بن خلف، كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء...» [البخاري].
وقول عائشة رضي الله عنها في سبب هجرة أبيها إلى المدينة: «استأذن النبي ﷺ أبو بكر في الخروج حين اشتد عليه الأذى...» [البخاري].
وكان ذلك هو السبب نفسه في محاولته الهجرة إلى الحبشة من قبل هو وسائر المسلمين كما قالت عائشة رضي الله عنها: «... فلما ابتلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجرًا نحو أرض الحبشة...» [البخاري].
وذكر ابن إسحاق [في السيرة] أن من أسباب الهجرة تعذيب المسلمين.
ثانيًا: وجود حماية للدعوة تمكنها من السير في طريقها:
يفهم ذلك من نصوص بيعة العقبة الثانية كما رواها الإمام أحمد عن جابر، وكما رواها غيره، وفي حديث ابن إسحاق.
تكذيب كبار زعماء قريش ومعظم عامتهم الرسول ﷺ فأجبروه أن يفكر في قوم آخرين يصدقونه، كما رأينا. وقد عبر سعد بن معاذ عن هذا المعنى في قوله: «اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحب إليَّ أن أجاهدهم فيك من قوم كذبوا رسولك ﷺ وأخرجوه». وفي رواية: «... من قوم كذبوا نبيك وأخرجوه من قريش» [البخاري].
وذكر ابن إسحاق [في السيرة] من بين ما ذكر من أسباب، أن تكذيب قريش الرسول ﷺ كان من أسباب الهجرة.
رابعًا: مخافة الفتنة في الدين:
وذلك واضح من قول عائشة رضي الله عنها عندما سئلت عن الهجرة: «كان المؤمنون يفر أحدهم بدينه إلى الله تعالى وإلى رسوله مخافة أن يفتن عليه...» [البخاري].
ومن قول ابن إسحاق [في السيرة]: (وكانت قريش قد اضطهدت من اتبعه من المهاجرين حتى فتنوهم عن دينهم، ونفوهم من بلادهم، فهم من بين مفتون في دينه ومن بين معذب في أيديهم، وبين هارب في البلاد فرارًا منهم...).
خامسًا: الإذن للمسلمين بالقتال:
ذكر ذلك ابن إسحاق [في السيرة] وقال إن الآيات ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ ﴾ [الحج:39] هي أول آيات أنزلت في إذنه له بالحرب لمن بغى عليهم.
وتابع في هذا ابن عباس [كما عند أحمد في المسند بسند صحيح]. وفي كل ذلك كان المسلمون يبتغون وجه الله تعالى، ويتحملون في سبيله كل ما يقع عليهم من الإيذاء الحسي والمعنوي ومفارقة الأهل والعشيرة والموطن.
وفي هذا يقول خباب رضي الله عنه: «هاجرنا مع رسول الله ﷺ نلتمس وجه الله فوقع أجرنا على الله...» [البخاري].
وقد أفاضت الأحاديث في فضل الهجرة والمهاجرين [خاصة في الصحيحين]، لأن الإسلام لا تقوم له قائمة إلا بدولة تحميه، ولا يتصور وجود دولة بدون أرض تقوم عليها ورعية تسمع وتطيع لحاكمها.
روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قال النبي ﷺ للمسلمين بمكة: «إني أريت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين - وهما الحَرَّتان - فهاجر من هاجر قِبَل المدينة، ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة...».
ذكر البخاري أن أول من هاجر إلى المدينة مصعب بن عمير وعبد الله بن أم مكتوم. وذكر ابن إسحاق [في السيرة] وابن سعد أن أول من هاجر هو أبو سَلَمَة بن عبد الأسد، وجزم بذلك موسى بن عقبة [كما رواه الذهبي في السيرة]. وذكر ابن حجر [في الفتح] أنه يمكن الجمع بين حديث أهل المغازي والسير وحديث البخاري بحمل الأولوية على صفة خاصة، هي أن أبا سلمة خرج لا لقصد الإقامة بالمدينة، بخلاف مصعب، فكان عليه نية الإقامة بها، ليعلِّم من أسلم من أهلها بأمر النبي ﷺ، فلكل أولوية من جهة.
ما وقع للمسلمين في سبيل الهجرة:
ذكرت أم سلمة رضي الله عنها أن زوجها أبا سلمة عندما أراد الهجرة حملها مع ابنه سلمة، فرآه أهلها، فلحقوا به، وقالوا له: «هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتك هذه؟ علام نتركك تسير بها في البلاد»، وانتزعوها منه، وغضب عند ذلك رهط أبي سلمة، فقالوا: لا والله، لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا، فتجاذبوا الطفل بينهم حتى خلعوا يده، وذهبوا به، وانطلق أبو سلمة وحده إلى المدينة، فكانت أم سلمة - بعد هجرة زوجها وانتزاع ابنها منها - تخرج كل غداة فتجلس بالأبطحَ، تبكي حتى تمسي، نحو سنة، فرق لها أحد ذويها، فقال لرهطه: ألا تَخْرُجُون من هذه المسكينة؟ فرقتم بينها وبين زوجها وولدها، فقالوا لها: إن شئت الحقي بزوجك، فاسترجعت ابنها من آل سلمة، وهاجرت إلى المدينة بصحبة عثمان بن أبي طلحة رضي الله عنه [ابن إسحاق: السيرة، بسند حسن].
وعندما أراد صهيب الهجرة، قال له المشركون: «أتيتنا صعلوكًا حقيرًا، فكثر مالك عندنا، وبلغت الذي بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك، والله لا يكون ذلك»، فقال لهم صهيب: «أرأيتم إن جعلت لكم مالي، أَتَخَلُون سبيلي؟» قالوا: «نعم»، قال: «فإني قد جعلت لكم مالي». فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: «رَبِحَ صهيب..» [الحاكم، من حديث ابن إسحاق بسند صحيح] وفي رواية عنه أنه قال لهم عندما لحقوا به: «هل لكم أن أعطيكم أواقي من ذهب وتخلوا سبيلي؟ ففعلوا، فقلت: احفروا تحت أُسْكُفَّة الباب، فإن تحتها الأواقي. وخرجت حتى قدمت على رسول الله ﷺ قُبَاءَ، قبل أن يتحول منها، فلما رآني قال: يا أبا يحيى، رَبَحَ البَيْعُ، ثم تلا هذه الآية ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ ﴾ »[البقرة:207] [الحاكم، وصحح إسنادها]. [الأُسْكُفَّة والأسْكُفَّة: عتبة الباب التي يوطأ عليها].
ورويت عدة روايات مرسلة في أن آية: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ ﴾ قد نزلت فيه بمناسبة قصة هجرته. وعلق الطبري [في تفسيره] على هذه الروايات بعد أن أوردها، فقال في تعليقه: (وأما ما روي من نزول الآية في أمر صهيب، فإن ذلك غير مستنكر، إذ كان غير مدفوع جواز نزول آية من عند الله على رسول الله ﷺ بسبب من الأسباب، والمعني بها كل من شمله ظاهرها). وقال ابن كثير [في تفسيره] - بعد أن أورد الروايات في هذا الشأن -: (وأما الأكثرون فحملوا ذلك على أنها نزلت في كل مجاهد في سبيل الله...)، ولا تعارض بين ما ذكر الطبري وهذا الذي ذكره ابن كثير، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما يقول الفقهاء.
هجرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومن معه من المسلمين:
روى ابن إسحاق [في السيرة، بسند حسن] عن عمر رضي الله عنه أنه قال: «اتَّعدت لما أردنا الهجرة إلى المدينة أنا وعياش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاص بن وائل السهمي التَّنَاضُبَ من أضَاةِ بني غِفَار، [وقال البلاذري: (التَّناضُب وأضاة بني غفار، موضع واحد. الأضاة: أرض تمسك الماء فيتكون فيها الطين. والتناضب: شجرات في هذه الأضاة، وهي لا زالت مشاهدة على جانب وادي سرف الشمالي إلى جوار قبر أم المؤمنين ميمونة، وقام بجانبها الغربي حي على بعد ثلاثة عشر كيلًا من مكة، نحو الشمال)، وانظر محمد شراب: المعالم الأثيرة،مادة: التناضب.] فوق سَرِف، وقلنا: أينا لم يصبح عندها فقد حُبِسَ فليمض صاحباه. فأصبحت أنا وعياش عند التناضب، وحبس عنا هشام، وفتن فافتتن». [وهذا الأثر أو الخبر الصحيح في قصة هجرة عمر رضي الله عنه يخالف الأثر الضعيف المشهور عند كثير من الناس من أن عمر رضي الله عنه أعلن هجرته، وقال للمشركين: من أراد أن تثكله أمه، وترمل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي ألأثر، وأصل ألأثر عند ابن الأثير: أسد الغابة (4/ 58)، وقد خرجه الألباني في دفاع، ص 43، وحكم عليه الضعف. ورواه كذلك ابن عساكر: مختصر تاريخ دمشق (18/ 278)].
وعندما نزلت الآية: ﴿ ۞ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿ ٥٣ ﴾ وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ ﴿ ٥٤ ﴾ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴿ ٥٥ ﴾ ﴾ [الزمر:53- 55]، كتبها عمر وأرسل [ابن إسحاق، بسند حسن] بها إلى هشام بن العاص بمكة، فوجد صعوبة في فهمها، فدعا الله أن يفهمه إياها، فألقى الله في قلبه أنها نزلت في أمثاله، فلحق برسول الله ﷺ بالمدينة. وعند ابن عبد البر [في الاستيعاب] أنه هاجر بعد الخندق.
وقد ثبت أنه ﷺ كان يقنت في صلاته بعد الركوع الأخير داعيًا: «اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة...» الحديث، وفي رواية: «... اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين...» [البخاري]. وقد أنجا الله هؤلاء الثلاثة وغيرهم.
وروى البخاري أن عمر بن الخطاب قدم مهاجرًا إلى المدينة في عشـرين راكبًا من أصحاب النبي ﷺ. وقد سمَّى ابن إسحاق [في السيرة] جماعة منهم، وصَدَّر الرواية بقوله: «ونزل عمر بن الخطاب حين قدم المدينة ومن لحق به من أهله وقومه...»، وختمها بقوله: «... وقد كان منزل عياش بن أبي ربيعة معه حين قدما المدينة». قلت: فرواية ابن إسحاق تفسر رواية البخاري، وتدل على أن هؤلاء العشرين من أهل عمر، من غير عياش، لحقوا به ولم يرافقوه ابتداء، إذ أن من رافقه عياش. وبهذا يزول التعارض الظاهر بين الروايتين.
أما أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فعندما أراد أن يهاجر، استبقاه الرسول ﷺ ليصحبه في هجرته عندما يؤذن له بذلك. وظل يستعد لذلك اليوم، فاشترى راحلتين، وأخذ يعلفهما لمدة أربعة أشهر [ابن هشام].
وقد روى الحاكم [وصححه، وقال الذهبي: (صحيح غريب)]، أن الرسول ﷺ قال لجبريل ﷺ: «من يهاجر معي؟ قال: أبو بكر الصديق».
وتتابعت مواكب المؤمنين إلى دار الهجرة، دار الإسلام، ولم يبق أحد في دار الكفر، دار الحرب، إلا مستضعف مغلوب على أمره، أو صاحب عذر.
وكان آخر من بقي ممن هاجر عبد الله بن جحش رضي الله عنه. وكان قد كف بصـره، فلما أجمع على الهجرة كرهت امرأته ذلك، وجعلت تشير عليه أن يهاجر إلى غير المدينة، فهاجر بأهله وماله سرًا، حتى قدم المدينة، وسطا أبو سفيان على داره بمكة فباعها. ومر بها بعد ذلك أبو جهل وعتبة وشيبة ابنا ربيعة والعباس بن عبد المطلب وحويطب بن عبد العزى، وفيها أُهُبٌ [جلود غير مدبوغة] معطوبة، فذرفت عينا عتبة، وتمثل ببيت من شعر، هو:
| وكل دار وإن طالت سلامتها |
| يومًا سيدركها النكباء والحوب |
وأقبل أبو جهل على العباس قائلًا: «هذا ما أدخلتم علينا» [الطبراني].
وروى هذه القصة ابن إسحاق [في السيرة] بنحو رواية الطبراني عند الهيثمي، ولكن في روايته أن الكفيف هو عبد بن جحش وكنيته (أبو أحمد)،وهو أخو عبد الله بن جحش، وأن زوجته هي الفرعة ابنة سفيان بن حرب، وأن أخاه عبد الله حمله معه عندما هاجر إلى المدينة مع أهله. ويبدو أن رواية ابن إسحاق هي الأقرب إلى الصواب، فقد ذكرها ابن حجر [في الإصابة]، ولم يذكر غيرها.
وفي هذه القصة وغيرها دليل على أن كثيرًا من الدور بمكة قد خلت من أصحابها.