الفصل الخامس: غزوة بدر الكبرى: الأحداث والنتائج
عندما سمع الرسول ﷺ بأبي سفيان مقبلًا من الشام في تجارة لقريش، ندب المسلمين إليه، وقال لهم: «هذه عير قريش، فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعل الله يَنفِلْكُمُوها». [ابن إسحاق: السيرة، حسن].
وفي رواية عن أبي أيوب الأنصاري، قال: قال رسول الله ﷺ ونحن بالمدينة: «إني أخبرت عن عير أبي سفيان أنها مقبلة، فهل لكم أن نخرج قِبَلَ هذه العير، لعل الله يَغْنَمْنَاها؟ قلنا: نعم. فخرج وخرجنا معه» [الهيثمي: المجمع، وعزاه إلى الطبري، وسنده حسن].
والمخبر في رواية مسلم (1901): بُسَيسَة، وعند أهل السير والمغازي: بَسْبَس ابن عمرو، ويقال: ابن بشر.
ولم يستنفرالرسول ﷺ كل الناس، بل طلب أن يخرج معه من كان ظهره [راحلته] حاضرًا، ولم يأذن لمن أراد أن يأتي بظهره من علو المدينة [مسلم]، ولذا لم يعاتب أحدًا تخلف عنها. [البخاري]. وكان عددهم ما بين الـ313 والـ319 رجلًا [متفق عليه، وعند مسلم: 319 رجلاً، وهو ما نعتمده]، منهم ما بين الـ82 والـ86 من المهاجرين و61 من الأوس و170 من الخزرج [البخاري؛ ابن إسحاق في السيرة]، معهم سبعون بعيرًا، [فاعتقبوها - أي تعاقبوا على ركوبها، وفرسان فقط] [أحمد: المسند، حسن؛ ابن إسحاق، حسن].
وكان أبو لُبَابَة وعلي بن أبي طالب زميلي رسول الله ﷺ، فعندما جاء دوره في المشي، قالا له: «نحن نمشي عنك». فقال لهما: «ما أنتما بأقوى مني ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما». [نفسه].
وفي الطريق، وعندما بلغوا الرَّوحاء، رد الرسول ﷺ أبا لبابة وَأَمَّرَهُ على المدينة، وسبق ذلك أن جعل عبد الله بن أم مكتوم على الصلاة. [الحاكم]، وأصبح مكانه في زمالة الرسول ﷺ على البعير مَرْثَد [ابن إسحاق، حسن] بن أبي مرثد. ولذلك فلا خلاف بين رواية ابن إسحاق ورواية أحمد.
وعندما علم أبو سفيان بالخطر المُحْدِق بقافلته، أرسل ضَمْضَمَ بن عمرو الغِفَارِيِّ إلى مكة يستنجد بقريش.
وجاء ضمضم مسرعًا إلى مكة، وعندما دخلها وقف على بعيره، وقد جدع أنفه، وحول رحله وشق قميصه، وهو يصيح: «يا معشر قريش، اللَّطِيمَة، اللطيمة، أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد وأصحابه، لا أرى أن تدركوها، الغَوْثَ، الغَوْثَ». [نفسه].
وخرجت قريش مسرعة لإنقاذ عيرها ورجالها، ولتلتقي بالمسلمين في حرب تراها قاضية على قوة المسلمين التي ظلت تهدد تجارتهم. ولم يتخلف من أشرافهم سوى أبي لهب، فإنه أرسل مكانه العاص بن هشام، مقابل دين كان عليه، مقداره أربعة آلاف درهم. [نفسه]. ولم يتخلف من بطون قريش سوى بني عدي. [نفسه].
وبلغ عددهم في بداية مسيرهم نحو ألف وثلا ثمائة محارب، معهم مائة فرس وستما ئة درع وجمال كثيرة، بقيادة أبي جهل [البداية، من حديث الأموي بإسناد مرسل، وفيه أنه كان مع المشركين ستون فرسًا].
وعندما خشوا أن تعذر بهم بنو بكر لعداوتها معهم، كادوا أن يرجعوا عما أرادوا. [ابن إسحاق، حسن مرسل]، فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك المدلجي، سيد بني كنانة، وقال لهم: «أنا لكم جار من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشـيء تكرهونه». [نفسه]. فخرجوا من ديارهم كما حكى عنهم القرآن: ﴿ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۚ ﴾ [الأنفال:47][تفسير الطبري، مرسل صحيح].
رأت عاتكة بنت عبد المطلب فيما يرى النائم قبل مقدم ضمضم بن عمرو بخبر أبي سفيان بثلاث ليال، فقالت: رأيت رجلًا أقبل على بعير له فوقف بالأبطح، فقال: انفروا يا آل بدر لمصارعكم في ثلاث، فذكرت المنام، وفيه: ثم أخذ صخرة فأرسلها من رأس الجبل، فأقبلت تهوي حتى ترضضت، فما بقيت دار ولا بنية إلا ودخل فيها بعضها. وفي القصة إنكار العباس على أبي جهل قوله: «حتى حدثت فيكم هذه النبية»، وإرادة العباس أن يشاتمه، واشتغال أبي جهل عنه بمجيء ضمضم يستنفر قريشًا لصد المسلمين عن عيرهم، فتجهزوا وخرجوا إلى بدر، فصدق الله عز وجل رؤيا عاتكة. [ابن إسحاق، حسن لغيره].
لقد كان أبو سفيان متيقظًا للخطر المتكرر من جانب المسلمين. ولذا عندما اقترب من بدر لقي مجدي بن عمرو وسأله عن جيش الرسول ﷺ، فأفاده مجدي بأنه رأى راكبين أناخا إلى تل، ثم استقيا في شن لهما، ثم انطلقا، فبادر أبو سفيان إلى مناخهما، فأخذ من أبعار بعيريهما، ففته، فعرف منه أنه من علائف المدينة، فأسرع تاركًا الطريق الرئيس الذي يمر على يسار بدر، واتجه إلى طريق الساحل غربًا، ونجا من الخطر. ثم أرسل رسالة أخرى إلى جيش قريش، وهم بالجحفة، يخبرهم فيها بنجاته، ويطلب منهم الرجوع إلى مكة. [ابن إسحاق، حسن].
وهَمَّ جيش مكة بالرجوع، ولكن أبا جهل رفض ذلك، قائلًا: «والله لا نرجع حتى نرد بدرًا، فنقيم بها ثلاثًا، فننحر الجزور ونطعم الطعام، ونسقي الخمر، وتعزف لنا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا، فلا يزالون يهابوننا أبدًا، فامضوا». [الطبري: التفسير، حسن]. [وبدر: اسم لبئر حفرها بدر بن قريش بن الحارث بن مخلد ابن النضير بن كنانة، فنسبت له].
فأطاعه القوم ما عدا الأخنس بن شَرِيق، حيث رجع بقومه بني زهرة، وطالب ابن أبي طالب، لأن قريشًا في حوارها معه، اتهمت بني هاشم بأن هواهم مع محمد ﷺ. وساروا حتى نزلوا قريبًا من بدر، وراء كثيب يقع بالعدوة القصوى، على حدود وادي بدر [ابن إسحاق، حسن].
وبلغ خبر ذلك الرسول ﷺ، فاستشار أصحابه. [متفق عليه]. وخشـي فريق منهم المواجهة في وقت لم يتوقعوا فيه حربًا كبيرة، ولم يستعدوا لها بكامل عدتهم وعتادهم، فجادلوا الرسول ﷺ ليقنعوه بوجهة نظرهم. وفيهم نزل قول الله تعالى: ﴿ كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ ﴿ ٥ ﴾ يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ﴿ ٦ ﴾ وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ ﴿ ٧ ﴾ ﴾ [الأنفال:5-7] [المجمع، حسن، والطائفتان: عير أبي سفيان وجيش قريش].
وتكلم قادة المهاجرين، وأيدوا الرأي القائل بالسير لملاقاة العدو، منهم أبو بكر وعمر والمقداد بن عمرو. ومما قاله المقداد: «يا رسول الله، امض لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا ههنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه» [ابن إسحاق، حسن]. وفي رواية قال: «لا نقول كما قال قوم موسى: اذهب أنت وربك فقاتلا، ولكننا نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك»، وسر النبي ﷺ من قوله [البخاري وأحمد].
وبعد سماعه كلام قادة المهاجرين، قال: «أشيروا علي أيها الناس»، وكان بذلك يريد أن يسمع رأي قادة الأنصار، لأنهم غالبية جنده، ولأن نصوص بيعة العقبة الكبرى لم تكن في ظاهرها ملزمة لهم بحماية الرسول ﷺ خارج المدينة [مسلم]، وأدرك سعد ابن معاذ - حامل لواء الأنصار - مراد الرسول ﷺ، فنهض قائلًا: «والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: أجل، قال: فقد آمنا بك فصدَّقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، إنا لصُبُرٌ في الحرب صُدُقٌ في اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله». [ابن إسحاق، حسن].
فسُر رسول الله ﷺ بقول سعد، ونشَّطه ذلك، ثم قال: سيروا وأبشـروا، فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم. [ابن إسحاق، حسن بشواهده].
ورد الرسول ﷺ عمير بن أبي وقاص لصغر سنه (16 سنة)، فبكى، فأجازه، فاستشهد يوم بدر. [الطبراني، برجال الصحيح كما قال الهيثمي].
وفي الطريق وعند حَرَّة الوَبَرَة [موضع على 4 ميل من المدينة] أدركه رجل من المشركين، قد كان يذكر منه جرأة ونجدة، أراد أن يحارب معه، فقال له الرسول ﷺ: «ارجع فلن أستعين بمشرك»، ثم عرض له مرة ثانية بالشجرة، ومرة ثالثة بالبَيْدَاء، والرسول ﷺ يقول له ما قاله أول مرة، وأخيرًا أقر بالإسلام، فقبله الرسول ﷺ. [مسلم].
وعندما وصل قريبًا من الصَّفْرَاء، بعث بسبس بن الجهني وعدي بن أبي الزغباء الجهني إلى بدر يتحسسان له الأخبار عن أبي سفيان وعيره. [ابن إسحاق، حسن].
ويروى أنه خرج هو وأبو بكر لهذا الغرض، ولقيا شيخًا فسألاه عن جيش قريش، فاشترط عليهما أن يخبراه ممن هما، فوافقا، وطلبا منه أن يخبرهما هو أولًا، فأخبرهما بأنه قد بلغه أن محمدًا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا، فإن صدق الذي أخبره فهم اليوم بمكان كذا وكذا - للمكان الذي به جيش المسلمين - وإن صدق الذي أخبره بجيش قريش فهم اليوم بمكان كذا- للمكان الذي به جيش قريش.
ولما فرغ من كلامه قال: ممن أنتما؟ فقال له رسول الله ﷺ: «نحن من ماء»، ثم انصرفا عنه، وتركاه يقول: من ماء؟ أمن ماء العراق؟ [ابن إسحاق].
وفي مساء ذلك اليوم أرسل عليًا والزبير وسعدًا بن أبي وقاص في نفر من أصحابه لجمع المعلومات عن العدو، فوجدوا على ماء بدر غلامين يستقيان لجيش مكة، فأتوا بهما إلى الرسول ﷺ وهو يصلي، وأخذوا في استجوابهما. فأفادا أنهما سقاة جيش قريش، فلم يصدقوهما، وكرهوا هذا الجواب، ظنًا منهم أنهما لأبي سفيان، إذ لا يزال الأمل يحدوهم في الحصول على العير. وضربوهما حتى قالا إنهما لأبي سفيان.
وعندما فرغ الرسول ﷺ من صلاته عاتب أصحابه لأنهم يضـربونهما إذا صدقا، ويتركونهما إذا كذبا. ثم سألهما الرسول ﷺ عن مكان الجيش المكي، فقالا: هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى.
وعندما سألهما عن عدد جيش مكة وعدته لم يستطيعا تحديد ذلك، ولكنهما حددا عدد الجزور التي تنحر يوميًا بأنها ما بين التسعة والعشرة، فاستنتج الرسول ﷺ بأنهم بين التسعمائة والألف، وذكرا له من بالجيش من أشراف مكة. [مسلم وأحمد بسند صحيح]، فقال الرسول ﷺ لأصحابه: «هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها». [ابن إسحاق]. وأشار إلى مكان مصارع جماعة من زعماء قريش، فما ماط أحدهم عن موضع يد رسول الله ﷺ. [مسلم].
وأنزل الله تعالى في هذه الليلة مطرًا طهر به المؤمنين وثبت به الأرض تحت أقدامهم، وجعله وبالًا شديدًا على المشركين. [أحمد: المسند، بسند صحيح؛ ابن إسحاق]. وفي هذا قال تعالى: ﴿ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ ﴿ ١١ ﴾ ﴾ [الأنفال:11].
ومن نعمه على المسلمين يوم بدر أيضًا أن غشيهم النُّعَاسُ أمنة منه، كما في صدر آية نعمة إنزال المطر: ﴿ إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ﴾ [الأنفال:11]. [أحمد: المسند، بسند صحيح] الآية.
وروى في ذلك أحمد بسنده إلى أنس بن مالك: أن أبا طلحة قال: «غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم بدر، فكنت فيمن غشيه النعاس يومئذ فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه ويسقط وآخذه».
وزاد الله عز وجل المؤمنين فضلًا بأن أوقع الخلاف في صفوف عدوهم. فقد روى أحمد أن عُتْبَة بن ربيعة أخذ يثني قومه عن القتال محذرًا من مغبته، لأنه علم أن المسلمين سوف يستميتون، فاتهمه أبو جهل بالخوف. [ابن إسحاق، حسن]. وروى البزار أن عتبة قال لقومه يومذاك: «إن الأقارب سوف تقتل بعضهم بعضًا، مما يورث في القلوب مرارة لن تزول. فاتهمه أبو جهل بالخوف، وليريه شجاعته، دعا أخاه وابنه وخرج بينهما داعيًا إلى المبارزة». [المجمع، ورجاله ثقات؛ الطبري: التاريخ، مرسل حسن؛ البداية، بسند صحيح].
وكان الرسول ﷺ قد رأى عتبة على جمل أحمر، فقال: «إن يكن في أحد من القوم خير فعند صاحب الجمل الأحمر، إن يطيعوه يَرْشُدُوا». [أحمد: المسند، بسند صحيح]. وشاء الله أن يعصوه، وضاع رأيه وسط إثارة أبي جهل الثارات القديمة.
سبق الرسول ﷺ المشركين إلى ماء بدر، ليحول بينهم وبين الماء. وهنا أبدى الحُبَابُ ابن المُنْذرِ رأيه قائلًا: «يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزلًا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟»، قال: «بل هو الرأي والحرب والمكيدة».
قال الحباب: «يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم [قريش] فننزله ونغوِّر [نخرب] ما وراءه من القُلَب [الآبار] ثم نبني عليه حوضًا فنملأه ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون»، فقال رسول الله ﷺ: «لقد أشرت بالرأي». وفعل ما أشار به الحباب بن المنذر رضي الله عنه. [ابن إسحاق، حسن لغيره].
وعندما استقروا في المكان، قال سعد بن معاذ مقترحًا: «يا نبي الله، ألا نبني لك عريشًا تكون فيه، ونعد عندك ركائبك، ثم نلقى عدونا، فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الأخرى جلست ركائبك فلحقت بمن وراءنا من قومنا، فقد تخلف عنك أقوام يا نبي الله ما نحن بأشد لك حبًا منهم، ولو ظنوا أنك تلقى حربًا ما تخلفوا عنك، يمنعك الله بهم يناصحونك ويجاهدون معك»، فوافق الرسول ﷺ على هذا الاقتراح. [ابن إسحاق، حسن لغيره].
ويفهم من النصوص الواردة في شأن القتال ببدر أن الرسول ﷺ شارك في القتال، ولم يمض كل وقته داخل هذا العريش أو في الدعاء، كما فهم بعض كتاب السيرة.
فقد روى أحمد [في المسند، بسند صحيح] عن علي، قال: «لقد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله ﷺ وهو أقربنا من العدو، وكان من أشد الناس يومئذ بأسًا»، وفي موضع آخر بالسند نفسه: «لما حضر البأس يوم بدر، اتقينا برسول الله ﷺ، وكان من أشد الناس، ما كان أو لم يكن أحد أقرب إلى المشـركين منه». [أحمد: المسند، بسند صحيح].
وروى مسلم أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه يوم بدر: «لا يتقدمن أحد منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه».
وقال ابن كثير [في البداية]: (وقد قاتل بنفسه الكريمة قتالًا شديدًا ببدنه، وكذلك أبو بكر الصديق، كما كانا في العريش يجاهدون بالدعاء والتضرع، ثم نزلا فحرضا وحثا على القتال، وقاتلا بالأبدان جمعًا بين المقامين الشريفين).
وبعد أن اتخذ الرسول ﷺ كل الوسائل المادية الممكنة للنصر في حدود الطاقة البشرية، بات ليلته تلك يتضرع إلى الله سبحانه وتعالى أن ينصره، ومن دعائه كما جاء في رواية عند مسلم: «اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض» وتقول الرواية: «فما زال يهتف بربه حتى سقط رداؤه عن منكبيه. فأتاه أبو بكر، فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله عز وجل: ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ ﴿ ٩ ﴾ ﴾ [الأنفال:9] فأمَّده الله بالملائكة».
ومما رواه البخاري من دعائه في ذلك اليوم: «اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن تشأ لا تُعبد بعد اليوم»، وتقول الرواية: «فأخذ أبو بكر بيده فقال: حسبك يا رسول الله، ألححت على ربك، وهو يثب في الدرع فخرج وهو يقول: ﴿ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ﴿ ٤٥ ﴾ ﴾ [القمر:45]».
وروى ابن أبي حاتم بإسناده إلى عكرمة أنه قال: لما نزلت: ﴿ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ﴾ قال عمر: «أي جمع يهزم؟ أي جمع يغلب؟ قال عمر: فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله ﷺ يثب في الدرع، وهو يقول: ﴿ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ﴿ ٤٥ ﴾ ﴾ ، فعرفت تأويلها يومئذ». [البخاري، النسائي، ابن كثير: التفسير، أحمد، صحيح].
وفي صباح يوم الجمعة، السابع عشـر من رمضان - السنة الثانية من الهجرة. [ابن حجر: التلخيص الحبير، ومتفق عليه عند أئمة المغازي]. وعندما تراءى الجمعان، دعا رسول الله ﷺ ربه قائلًا: «اللهم هذه قريش قد أقبلت بخُيَلائِها وفَخْرِها تُحَادِّك وتكذب رسولك، اللهم فَنَصْرَكَ الذي وعدتني، اللهم أَحِنْهُم الغداةَ». [رواه ابن إسحاق معلقًا كما في (ابن هشام 2/314)]، وقد ثبت أن أبا جهل قال حين التقى القوم: «اللهم أقطعنا للرحم وأتانا بما لا نعرفه فأحنه [أي أهلكه] الغداة». فكان هو المستفتح، أي الحاكم على نفسه بهذا الدعاء، والفتاح الحاكم. وفي ذلك نزل قول الله تعالى: ﴿ إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ ۖ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۖ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿ ١٩ ﴾ ﴾ [الأنفال:19] [وقد روى الخبر بإسناد صحيح أحمد: الرباني (21/44)، والطبري في التفسير (13/ 454، شاكر) بإسناد صحيح، والحاكم (2/ 328) وصححه. والدعاء إلى قول الراوي: (فكان هو المستفتح)، رواه ابن إسحاق بإسناد مرسل، ابن هشام (2/323). والخُيلاء: التكبر والإعجاب، وتحادك: تعاديك، أحنهم: أهلكهم الآن].
وعندما وقف المسلمون في صفوف القتال، أخذ الرسول ﷺ في تعديل صفوفهم وفي يده قِدْح [سهم بلا ريش] فطعن به سَوَاد بن غَزِيَّة في بطنه، لأنه كان مستنتلًا [متقدمًا] من الصف عمدًا، وقال له: استو يا سواد، فقال سواد: يا رسول الله أوجعتني، وقد بعثك الله بالحق، فأقدني [أي أعطني القود من نفسك، أو القصاص]، فكشف عن بطنه وقال: استقد، فاعتنقه سواد وقبل بطنه، فقال النبي ﷺ: ما حملك على هذا يا سواد؟ قال: يا رسول الله، قد حضر ما ترى، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدك جلدي»، فدعا له رسول الله ﷺ بخير. [ابن إسحاق؛ عبد الرزاق، مرسلًا يتقوى بغير؛ الهيثمي برجال ثقات].
وشهد سواد المشاهد كلها بعد هذا، كما ذكر ابن عبد البر في الاستيعاب [من حديث ابن عقبة].
ثم أخذ في توجيههم في أمر الحرب، قائلًا: إذا أَكْثَبُوكُم [قربوا منكم] فارموهم واستبقوا نبلكم [البخاري]. ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم [أبو داود]. وحرضهم على القتال، قائلًا: «والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرًا محتسبًا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة». [ابن إسحاق]، وفي رواية عند مسلم أنه عندما دنا المشركون قال النبي ﷺ: «قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض». وعندما سمع ذلك عمير بن الحُمَام الأنصاري، قال: «يا رسول الله! أجنة عرضها السماوات والأرض؟! قال: نعم. قال: بَخٍ بَخٍ. فقال رسول الله ﷺ: «ما يحملك على قولك بَخٍ بَخٍ؟». قال: لا، والله! يا رسول الله! إلا رجاءه أن أكون من أهلها. قال: «فإنك من أهلها، فأخرج تمرات من قَرَنِهِ [جعبة النشاب]، فجعل يأكل منهن. ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه، إنها لحياة طويلة. قال: فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قتل». [ابن إسحاق].
وقال عوف بن الحارث - بن عفراء -: «يا رسول الله، ما يضحك الرب من عبده، قال: «غمسه يده في العدو حاسرًا»، فنزع درعًا كانت عليه، فقذفها، ثم أخذ سيفه فقاتل حتى قتل. [نفسه].
وطلب الرسول ﷺ من أصحابه، قبل بدء المعركة، ألا يقتلوا نفرًا من بني هاشم وغيرهم لأنهم خرجوا مكرهين، وسمى منهم أبا البختري بن هشام - الذي كان ممن سعى لنقض صحيفة المقاطعة ولم يؤذ النبي ﷺ - والعباس بن عبد المطلب. وعندما سمع أبو حذيفة ذلك قال: «أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وعشيرتنا ونترك العباس، والله لئن لقيته لألحمنه - أو لألجمنه - بالسيف»، فبلغت مقالته رسول الله ﷺ، فقال لعمر: «يا أبا حفص؟ أيضرب وجه عم رسول الله ﷺ بالسيف؟» فقال عمر: «يا رسول الله، دعني فلأضرب عنقه بالسيف، فوالله لقد نافق». فكان أبو حذيفة يقول: «ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلت يومئذٍ، ولا أزال منها خائفًا إلا أن تكفرها عني الشهادة»، فقتل يوم اليمامة شهيدًا. [ابن إسحاق، حسن].
وقبل ابتداء القتال خرج الأسود بن عبد الأسد المخزومي، فقال: «أعاهد الله لأشربن من حوضهم، أو لأهدمنه، أو لأموتن دونه»، وتصدى له حمزة، وضربه ضربة أطارت قدمه بنصف ساقه، ثم حبا إلى الحوض مضرجًا بدمائه ليبر قسمه، واتبعه حمزة فضربه حتى قتله في الحوض. [نفسه، حسن].
بعد هذا خرج ثلاثة من فرسان قريش يطلبون المبارزة، وهم: عتبة بن ربيعة، وأخوه شيبة، والوليد بن عتبة. فخرج لهم ثلاثة من شباب الأنصار وهم: عوف ومعوذ ابنا الحارث - وأمهما عفراء - وعبد الله بن رواحة. فلم يقبل فرسان قريش بغير بني أعمامهم من المهاجرين، فأمر الرسول ﷺ عبيدة بن الحارث وحمزة وعلي أن يبارزوهم. وكان حمزة لعتبة، وعبيدة للوليد، وعلي لشيبة، وقتل علي وحمزة صاحبيهما وأعانا عبيدة على قتل الوليد، واحتملا عبيدة الذي أثخنه الوليد بالجراح. [أبو داود، وقال ابن حجر في الفتح إنها أصح الروايات].
وفي هؤلاء الستة نزل قول الله تعالى: ﴿ ۞ هَٰذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ۖ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ ﴿ ١٩ ﴾ ﴾ [الحج:19].
ثم طلب الرسول ﷺ من علي أن يناوله كفًا من حصى، فناوله ذلك، فرمى به وجه القوم، فما بقي أحد من القوم إلا امتلأت عيناه من الحصباء، فنزلت الآية الكريمة: ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ ۚ ﴾ [الأنفال:17]. [المجمع، موصولًا، وقال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح].
ونزل المسلمون ساحة المعركة بقوة إيمانية كبيرة، وشدوا على المشركين، وأخذوا في اقتطاف رؤوسهم، وأمدهم الله بالملائكة لينصرهم على عدوهم، كما في قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ۖ ﴾ [آل عمران:123] الآيات، و ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ ﴿ ٩ ﴾ ﴾ [الأنفال:9] و ﴿ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ۚ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ ﴾ [الأنفال:12].
وكما روي من الأحاديث في هذا الشأن. فقد روى مسلم في هذا: «بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في إثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس يقول: أَقْدِمْ حَيْزُومُ، فنظر إلى المشرك أمامه، فَخَرَّ مُسْتَلْقِيًا، فنظر إليه فإذا هو قد خُطِمَ أَنْفُهُ، وَشُقَّ وَجْهُهُ كَضَـرْبَةِ السَّوْطِ، فاخْضَـرَّ ذلك أَجْمَعُ. فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله ﷺ، فقال: «صدقت. ذلك من مَدَدِ السماءِ الثالثة». [وخطم: أصيب بضربه، وتركت الضربة أثرًا].
وروى أحمد أن رجلًا من الأنصار قصير القامة جاء بالعباس أسيرًا، فقال العباس: «يا رسول الله، إن هذا والله ما أسرني، لقد أسرني رجل أَجْلَحٌ من أحسن الناس وجهًا، على فرس أَبْلَق، ما أراه في القوم»، فقال الأنصاري: «أنا أسرته يا رسول الله. فقال: اسكت، فقد أيدك الله تعالى بملك كريم». [المسند، بسند صحيح].
وروى الأموي أن الرسول ﷺ خفق خفقة في العريش ثم انتبه، فقال: «أبشـر أبا بكر، أتاك نصر الله، هذا جبريل معتجر بعمامة، آخذًا بِعَنانِ فرسه يقوده على ثَنَايَاه النَّقْعُ، أتاك نصر الله وعدته». [ابن إسحاق، حسنه الألباني في حاشية سيرة الغزالي].
ورويت أحاديث في مشاركة الملائكة المسلمين يوم بدر ولم تصرح بالقتال. فقد روى البخاري أن النبي ﷺ قال يوم بدر: «هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب»، وقال في رواية أخرى: «جاء جبريل النبي ﷺ فقال: ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال: أفضل من المسلمين - أو كلمة نحوها - قال: وكذلك من شهد بدرًا من الملائكة». [البخاري].
وروى الحاكم [بسند حسن] أنه كانت على الزبير يوم بدر عمامة صفراء معتجر بها، فنزلت الملائكة عليهم عمائم صفر، على سيماء الزبير. وروى ذلك كذلك ابن سعد. [وصححه ابن حجر في الإصابة].
لقد أكرم الله عباده المؤمنين يوم بدر ببعض الكرامات. فقد روي أن عُكَّاشَة ابن مِحْصَن قاتل بسيفه يوم بدر حتى انقطع يده، فأعطاه الرسول ﷺ جذلًا من حطب ليقاتل به، فإذا هو في يده سيفًا طويلًا شديد المتن أبيض الحديدة، فقاتل به يوم ذاك وفي المعارك الأخرى التي شهدها بعد ذلك، وآخرها يوم اليمامة - أحد أيام حروب الردة - حين قتل شهيدًا. [ابن إسحاق، الواقدي؛ ابن سعد].
وعندما رأى إبليس - وكان في صورة سراقة بن مالك - ما تفعل الملائكة والمؤمنون بالمشركين، فر ناكصًا على عَقِبَيْهِ، حتى ألقى بنفسه في البحر. [الطبري: التفسير، بطرق تعتضد].
أبي جهل وأمية بن خلف والعاص بن المغيرة:
روى البخاري ومسلم من حديث عبد الرحمن بن عوف أنه قال: «إني لفي الصف يوم بدر إذ التفت، فإذا عن يميني وعن يساري فتيان حديثا السن، فكأني لم آمن بمكانهما، إذ قال لي أحدهما سرًا من صاحبه: يا عم، أرني أبا جهل، فقلت: يا ابن أخي، فما تصنع به؟ قال: أخبرت أنه يسب رسول الله ﷺ، قال: والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا، فتعجبت لذلك. وغمزني الآخر فقال لي مثلها، فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يجول في الناس، فقلت: ألا تريان؟ هذا صاحبكما الذي تسألاني عنه، قال: فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله ﷺ فقال: أيكما قتله؟ فقال كل واحد منهما: أنا قتلته، قال: هل مسحتما سيفيكما؟ فقالا: لا. فنظر رسول الله ﷺ إلى السيفين، فقال: كلاكما قتله، وقضى رسول الله ﷺ بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجَمُوح [لأن الثاني استشهد]، والرجلان معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عَفْرَاء» واستشهد معاذ في المعركة.
وروى ابن إسحاق [بسند حسن] من حديث معاذ بن الجموح أنه قال: «سمعت القوم وأبو جهل في مثل الحَرَجَة، وهم يقولون: أبو الحكم لا يخلص إليه، قال: فلما سمعتها جعلته من شأني، فصمدت نحوه، فلما أمكنني حملت عليه، فضـربته ضربة أطنت قدمه بنصف ساقه... وضربني ابنه عكرمة على عاتقي، فطرح يدي، فتعلقت بجلدة من جنبي، وأجهضني القتال عنه، فلقد قاتلت عامة يومي وأني لأسحبها خلفي، فلما آذتني وضعت عليها قدمي، ثم تمطيت بها عليها حتى طرحتها، ثم مر بأبي جهل - وهو عقير - معوذ ابن عفراء - فضربه حتى ثبته فتركه وبه رمق، وقاتل معوذ حتى قتل».
وروى البخاري أن النبي ﷺ قال: عندما انجلت المعركة: «من ينظر ما صنع أبو جهل؟ فانطلق ابن مسعود، فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى بَرَدَ، قال: أنت أبو جهل؟ قال: فأخذ بلحيته، قال: وهل فوق رجل قتلتموه، أو رجل قتله قومه؟».
وفي رواية أحمد أن الرسول ﷺ ذهب مع ابن مسعود ليرى جسد أبي جهل، وقال: «كان هذا فرعون هذه الأمة». [المسند].
وفي رواية ابن إسحاق أن أبا جهل قال لابن مسعود عندما جثا عليه: «لقد ارتقيت مرتقى صعبًا يا رويعي الغنم».
تمكن عبد الرحمن بن عوف من أسر أمية، وعندما رآه بلال معه، قال: «رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا»، وحاول عبد الرحمن أن يثنيه عن عزمه فلم يستطع، بل استنفر بلال الأنصار، فلحقوا به معه وقتلوه، مع أن ابن عوف ألقى عليه نفسه وأمية بارك. فكان عبد الرحمن يقول: «يرحم الله بلالًا، ذهبت أدرعي، وفجعني بأسيري». [البخاري؛ ابن إسحاق، بسند حسن].
وعندما طرح قتلى المشركين في القَلِيب، لم يطرح معهم، لأنه انتفخ في درعه فملأها، وعندما ذهبوا ليحركوه تفرقت أعضاؤه، فتركوه في مكانه، وألقوا عليه ما غيبه من الحجارة والتراب [ابن إسحاق، حسن].
كان العاص بن هشام بن المغيرة خال عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولذا حرص عمر على قتله، فقتله حتى يعلم أن ليس في قلبه ولاء إلا لله وحده. [ابن هشام].
لقد انجلت معركة بدر عن نصر كبير للمسلمين، إذ قتلوا سبعين من المشـركين، وأسروا سبعين [مسلم؛ أحمد في المسند بسند صحيح]، ولم يقتل من المسلمين سوى أربعة عشر رجلًا، ستة من قريش وثمانية من الأنصار. [البداية من حديث ابن عقبة].
لقد كان جزاء الله عادلًا في هؤلاء ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ﴿ ٢٨ ﴾ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا ۖ وَبِئْسَ الْقَرَارُ ﴿ ٢٩ ﴾ ﴾ [إبراهيم:28-29] [البخاري].
القليب [البئر التي لم تطوى]
روى البخاري ومسلم وأحمد وابن إسحاق والطبراني وغيرهم أن الرسول ﷺ أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلًا من صناديد قريش [كان مجموع قتلى المشركين سبعين كما سبق ذكره، وكما سيأتي ذكره، فلعل الآخرين دفنوا في أماكن أخرى كما في الفتح] فقذفوا في طَوِيٍّ من أَطْوَاءِ بدر خَبِيثٍ مُخْبِثٍ، وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعَرْصَة ثلاث ليال، فلما كان ببدر اليومَ الثالثَ أمر براحلته فشد عليها رحلها ثم مشى واتبعه أصحابه، وقالوا: ما نرى ينطلق إلا لبعض حاجته، حتى قام على شَفَةِ الرَّكِيَّة فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: «يا فلان ابن فلان، ويا فلان بن فلان، أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقًا؟» فقال عمر: «يا رسول الله، ما تُكَلِّمُ من أجسادٍ لا أرواح لها»، فقال رسول الله ﷺ: «والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم». [وإسناد أحمد وابن إسحاق والطبراني صحيح].
وعندما ألقوا في القليب، وفيهم عتبة بن ربيعة، نظر رسول الله ﷺ إلى وجه ابنه أبي حذيفة، فإذا هو كئيب قد تغير لونه، فقال له النبي ﷺ: «لعلك قد دخلك من شأن أبيك شيء؟» فقال: «لا والله يا رسول الله، ما شككت في أبي ولا في مصـرعه، ولكنني كنت أعرف من أبي رأيًا وحلمًا وفضلًا، فكنت أرجو أن يهديه ذلك إلى الإسلام، فلما رأيت ما أصابه، وذكرت ما مات عليه من الكفر، بعد الذي كنت أرجو له، أحزنني ذلك. فدعا له رسول الله ﷺ بخير وقال له خيرًا». [ابن إسحاق، حسن].
وبعد نهاية المعركة وانتصار المسلمين وأخذ الأسرى، قيل للرسول ﷺ: «عليك بالعير، ليس دونها شيء». فناداه العباس أن ذلك لا يصلح له، قال: ولم؟ قال: «لأن الله عز وجل إنما وعدك إحدى الطائفتين، وقد أعطاك ما وعدك». [مسند أحمد، وصححه شاكر، وجوده ابن كثير في التفسير، وحسنه الترمذي].
وكانت وقعة بدر الكبرى يوم الجمعة صبيحة سبع عشر من رمضان، العام التالي للهجرة. [ابن إسحاق، ابن سعد].