حجم الخط:

محتوى الدرس (32)

المبحث الرابع: غزوة بني النَّضِيْر

أولًا: تاريخ غزوة بني النضير:

روى عبد الرزاق من حديث الزهري، والحاكم، من حديث عروة، إنها كانت بعد غزوة بدر الكبرى. وذكر البخاري في رواية معلقة من الترجمة عن عروة بأنها كانت على رأس ستة أشهر من بدر، قبل وقعة أحد. وذكر ابن حجر [في الفتح]، أن عبد الرزاق قد وصلها في مصنفه عن معمر عن الزهري بأتم مما عند البخاري، وقد رواه البيهقي من هذا الطريق. وروى البيهقي [في الدلائل]، رواية عن الزهري عن عقيل بمثل رواية البخاري وعبد الرزاق.

ثانيًا: سبب الغزوة:

تشير المصادر إلى ثلاثة أسباب لهذه الغزوة:

الأول: أرادت بنو النضير قتل الرسول بعد بدر الكبرى عندما حرضتهم قريش على ذلك.

الثاني: محاولتهم قتل الرسول عندما جاءهم ليستعين بهم في دية الكلابيين اللذين قتلهما الضمري.

الثالث: حضهم قريش على قتال الرسول ، ودلوهم على العورة.

تقول المصادر عن السبب الأول، إن قريشًا أرسلت إلى اليهود وهددتهم بالحرب إن لم يقاتلوا الرسول ، فاستجاب بنو النضير لذلك، ووضعوا خطة يقتلون بها الرسول غدرًا. فقد طلبوا منه أن يخرج إليهم في ثلاثين رجلًا من أصحابه ليلتقي بثلاثين من أحبارهم في موضع وسط ليحدثهم، فإن صدقوه آمنت يهود. فلما جاءوا قريبًا من المكان، اقترحوا على النبي أن يجتمع ومعه ثلاثة من أصحابه وثلاثة من أحبارهم، وقد حمل هؤلاء اليهود الثلاثة خناجرهم، ولكن امرأة منهم أفشت سرهم لأخ لها مسلم، فأخبر النبي ، فرجع عنهم، ثم استعد وحاصرهم بجنوده حتى نزلوا على الجلاء، وعلى أن لهم ما حملت الإبل إلا السلاح. [عبد الرزاق، بإسناد صحيح].

أما السبب الثاني فتقول عنه المصادر إن النبي عندما ذهب إليهم في دية الكلابيين، لما كان بينه وبينهم من الحلف، جلس إلى جدار لهم في انتظارهم ليأتوا بما وعدوا به من المساهمة في الدية، ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه، فاتفقوا على أن يعلو عمرو بن جِحَاش ذلك الجدار، فيلقي صخرة على الرسول فيقتله. فأخبر الله رسوله بما أرادوا، فخرج راجعًا إلى المدينة. وعندما تأخر عن أصحابه الذين كانوا معه، سألوا عنه، فعلموا رجوعه إلى المدينة، فأتوه فأخبرهم الخبر، ثم أمر بالتهيؤ لحربهم، والسير إليهم، ومحاصرتهم، فنزلوا على الصلح بعد حصار دام ست ليال، على أن لهم ما حملت الإبل. [ابن إسحاق، مرسلًا، يتقوى بغيره].

أما السبب الثالث فقد انفرد به موسى بن عقبة [ابن حجر: الفتح]، حيث قال: (كانت [بنو] النضير قد دسوا إلى قريش وحضُّوهم على قتال رسول الله ودلُّوهم على العورة). وقال إن ذلك كان عندما نزلوا بأُحد لقتال رسول الله . [البيهقي: الدلائل، من حديث ابن عقبة مرسلًا].

ولعل الدكتور العمري [في المجتمع المدني] لم يطلع على الرواية التي عند البيهقي وما فيها من الزيادة عن رواية موسى بن عقبة عند ابن حجر، وهذه الزيادة هي: «حين نزلوا بأحد...»، ولذا قال العمري: (إن رواية موسى بن عقبة لم تحدد وقتًا للأعمال التي ارتكبها اليهود ضد المسلمين) ولعله يقصد أعمالًا معينة.

ومن المعروف أنهم حرَّضوا المشركين على قتال المسلمين فكانت أُحد، وأعانوا أبا سفيان في إغارته على أطراف المدينة مما أدى إلى مطاردة المسلمين له فيما عرف بـ(غزوة السويق)، وأنّ كعبًا بن الأشرف كان يقرض الشعر في هجاء المسلمين وتحريض قريش عليهم. كل هذا يدل على حالهم مع المسلمين إلى أن كانت محاولتهم قتله، وتسبب ذلك في قرار لوضع حد لممارساتهم الإجرامية، فكان القرار طردهم من المدينة. [نفسه].

ثالثًا: الإنذار:

عندما صدر منهم ما صدر طلب منهم الرسول الخروج من المدينة خلال عشرة أيام، فمن رأوه بعد ذلك ضربت عنقه.

وعندما استعدوا للخروج حرضهم عبد الله بن أُبيّ بن سلول على عدم الخضوع، ومناهم بالوقوف إلى جانبهم، فأعلنوا العصيان، فحاصرهم المسلمون [ابن إسحاق، ابن سعد؛ الواقدي]، وقد أشارت آيات في سورة الحشر إلى هذا، مثل قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴿ ١١ [الحشر:11] [الطبري: التفسير؛ ابن إسحاق؛ بأسانيد تتقوى بالمتابعة].

رابعًا: الجلاء وشروطه:

ثبت في الصحيح [البخاري] أن الرسول أجلى بني النضير عندما حاربوا، وفصلت الكتب الأخرى، وخاصة كتب المغازي والسير، كيفية هذا الجلاء ونوعية الحرب التي حاربوها.

وصح أن الرسول حاصرهم بالكتائب، وقال لهم: «إنكم لا تأمنون عندي إلا بعهد تعاهدوني عليه، فأبوا أن يعطوه عهدًا، فقاتلهم يومهم ذلك، هو والمسلمون، ثم غدا الغد على بني قريظة بالخيل والكتائب، وترك بني النضير ودعاهم إلى أن يعاهدوه، فعاهدوه، فانصرف عنهم وغدا إلى بني النضير بالكتائب فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء، وعلى أن لهم ما أقلت الإبل إلا الحلْقة - السلاح - فجاءت بنو النضير، واحتملوا ما أقلت الإبل من أمتعتهم، وأبواب بيوتهم، فكانوا يخربون بيوتهم، فيهدمونها فيحملون ما وافقهم من خشبها». [عبد الرزاق؛ أبو داود؛ البيهقي في الدلائل].

وقد ثبت بنص القرآن ﴿ مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ روى البخاري أنها نزلت عندما حرق وقطع الرسول نخل بني النضير، [وهي البويرة]. أن النبي حرق وقطع بعض نخل بني النضير خلال مدة الحصار، وثبت في الحديث الشريف [أحاديث البخاري في باب بني النضير، المصدر نفسه، وسنن الترمذي (5/157- 158/ تحفة الأحوذي)، وسنن ابن ماجه] أن النبي حرق وقطع بعض نخل بني النضير خلال مدة الحصار.

وتذكر بعض الروايات أنهم أُجْلُوا إلى الشام [عبد الرزاق، بسند صحيح] والبعض الآخر يذكر أنهم توجهوا إلى خيبر [ابن هشام]. وفي رواية ابن إسحاق ما يجمع بين هذه الروايات، حيث قال: «فخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام، فكان أشرافهم من سار منهم إلى خيبر: سَلَّام بن أبي الحُقَيْق وكِنَانَة بن الربيع بن أبي الحُقَيْق وحُيَيّ ابن أَخْطَب. فلما نزلوها دان لهم أهلها». ويؤيده في ذلك الأحداث اللاحقة الثابتة بالمرويات القوية، مثل أخبار قتالهم في غزوة خيبر، وقتل كنانة وأسر صفية، وخبر سلام ابن أبي الحقيق. [انظر د. العمري: المجتمع المدني].

وقد أسلم منهم اثنان، هما: يَامِين بن كعب وأبو سعد بن وهب، ولذا أحرزا أموالهما. [ابن إسحاق].

أما الأموال والنخيل فكانت لرسول الله وذلك بنص الآية: ﴿ وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ [الحشر:6] ونزول سورة الحشر في بني النضير [كما روى البخاري]، فكان ينفق على أهله منها نفقة سنة، ثم يجعل ما بقي في السلاح والكُرَاع عُدَّة في سبيل الله. [البخاري].

وقسم الرسول أرضهم بين المهاجرين، ولم يعط الأنصار أحدًا سوى سهل ابن حَنِيف وأبي دُجَانَة، وذلك لفقرهما. [عبد الرزاق؛ أبو داود؛ ابن إسحاق].

ولم يتوقف زعماء بني النضير عن مكائدهم بعد كل هذا، فقد حرضوا الأحزاب، فكانت غزوة الخندق. [يأتي ذكره].

خامسًا: حكم وعبر من غزوة بني النضير:

1- إن في إخبار الله نبيه بما يبيته اليهود للغدر به دليلًا على تكرار الغدر من اليهود، والوفاء من الله تعالى بوعده القاطع لرسوله : ﴿ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ [المائدة:67]، وفي هذه المعجزة وغيرها ما يجب أن يحمل الناس على الإيمان بنبوة محمد .

2- إن قطع وإحراق الرسول لبعض نخيل بني النضير، دليل على أن الحكم الشرعي في أشجار العدو وإتلافها منوط بما يراه الإمام أو القائد من مصلحة في النكاية بالأعداء. وأن ذلك من قبيل ما يدخل تحت اسم السياسة الشرعية، وهو مذهب نافع ومالك والثوري وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وجمهور الفقهاء.

ورُويَ عن الليث وأبي ثور والأوزاعي القول بعدم جواز قطع شجر الكفار وإحراقه. [شرح النووي على مسلم].

2- اتفق الأئمة على أن ما غنمه المسلمون من أعدائهم من دون قتال، وهو (الفيء) يعود النظر والتصرف فيه إلى ما يراه الإمام من المصلحة، وأنه لا يجب عليه تقسيمه بين الجيش كما تقسم عليهم الغنائم التي غنموها بعد قتال وحرب، مستدلين على ذلك بسياسته في تقسيم فيء بني النضير، ونزول القرآن الكريم مصوبًا ذلك. [البوطي: فقه السيرة].

4- في موقف الرسول من بني النضير تقرير لمبدأ أن نقض المعاهدة إعلان للحرب.

المبحث الخامس: غزوة بدر الموعد

خرج رسول الله في شعبان [عند ابن إسحاق] سنة أربع من الهجرة لموعده الذي التزم به لأبي سفيان يوم أحد. وكان معه ألف وخمسمائة من الصحابة وعشـرة أفراس، ووصل إلى بدر، وانتظر بها المشركين ثمانية أيام.

أما المشركون فقد خرج بهم أبو سفيان حتى وصل إلى مر الظهران، ونزل بمياه مجنة على بعد أربعين كيلا من مكة، ثم عاد بهم بحجة أن العام عام جدب، وكان لهذا الموقف منه أثر كبير في استعادة هيبة المسلمين بعد انتكاسة أحد. [ابن إسحاق؛ ابن سعد؛ الواقدي].

المبحث السادس: غزوة ذات الرِّقَاع

[اختلف في تسميتها، والراجح ما ذكره أبو موسى الأشعري في الصحيح من أنها سميت بذلك لأنهم لفوا في أرجلهم الخرق بعد أن تنقبت خفافهم، إذ كان لكل ستة بعير يتعاقبون على ركوبه، [انظر: البخاري].

اختلف أهل المغازي والسير في تاريخ هذه الغزوة، وقد جنح البخاري إلى أنها كانت بعد خيبر، وذهب ابن إسحاق إلى أنها بعد غزوة بني النضير، وقيل بعد الخندق سنة أربع، وعند الواقدي وابن سعد أنها كانت في المحرم سنة خمس، وجزم أبو معشـر [كما ذكر ابن حجر في الفتح] أنها كانت بعد بني قريظة والخندق. والراجح عند ابن حجر ما ذهب إليه البخاري وأبو معشر، لأن أبا موسى الأشعري شهدها وقد قدم من الحبشة بعد فتح خيبر مباشرة، وشهدها أبو هريرة وقد أسلم حين فتح خيبر، وصلى فيها رسول الله صلاة الخوف، ولم تكن شرعت في الخندق، بل شرعت في عسفان أيام الحديبية، والحديبية سنة ست.

ومال الدكتور الحكمي [مرويات الحديبية]، والدكتور العمري [المجتمع المدني]، إلى ما ذهب إليه البخاري وابن حجر، والذي نميل إليه هو ما ذهب إليه الدكتور البوطي أنها قبل الخندق لأن حجته الخاصة بزواج جابر قبل الخندق لا تدفع وهي في الصحيحين، إضافة إلى أن البخاري قد ذكر رأيه معلقًا، وحجته فقط مجيء أبي موسى من الحبشة بعد خيبر، وهي حجة دفعها البوطي بترجيح تعدد الغزوة.

لم يقع في هذه الغزوة قتال بين المسلمين وغطفان، ولكنهم أخافوا بعضهم بعضًا، فصلى المسلمون صلاة الخوف.

وكانت هذه الصلاة بمنطقة نخل التي تبعد عن المدينة بيومين. [البخاري].

لقد وقعت في هذه الغزوة أحداث ذات دلالات ومغزًى كبير، منها:

1- قصة الأعرابي:

روى البخاري ومسلم عن جابر - وغيرهما - عندما قفل رسول الله قفل معه، فأدركتهم القائلة في واد كثير العِضَاه، فنزل رسول الله وتفرق الناس يستظلون الشجر، ونزل رسول الله تحت شجرة علق بها سيفه، قال جابر: فنمنا نومة، فإذا رسول الله يدعونا، فجئناه فإذا عنده أعرابي جالس، فقال رسول الله : «إن هذا اخترط سيفي وأنا نائم فاستيقظت وهو في يده صَلْتًا، فقال لي: من يمنعك مني؟ فقلت له: الله، فها هو ذا جالس...» لم يعاقبه رسول الله . واسم الأعرابي: غَوْرَث بن الحارث».

ويذكر قتادة [في تفسير الطبري بسند صحيح]، وابن إسحاق، أن قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ ۖ [المائدة:11] قد نزلت في هذا الأعرابي.

وفي رواية مسدد [عن ابن حجر في الفتح] عن جابر أن الأعرابي غورث عاهد الرسول أن لا يقاتله ولا يكون مع قوم يقاتلونه، فخلى سبيله، فجاء إلى أصحابه فقال: «جئتكم من عند خير الناس».

دروس وعبر من هذه القصة:

وفي هذه القصة دليل على نبوة محمد ، وفرط شجاعته، وقوة يقينه، وصبره على الأذى، وحلمه على الجهال. وفيها جواز تفرق العسكر في النزول، ونومهم إذا لم يكن هناك ما يخافون منه. [ابن حجر في الفتح].

2- قصة الحراسة:

وفي مرجعهم من غزوة ذات الرقاع، سبوا امرأة من المشـركين، فنذر زوجها ألا يرجع حتى يَهْرِيقَ دمًا في أصحاب محمد ، فجاء ليلًا وقد جعل الرسول رجلين على الحراسة أثناء نومهم، وهما عَبَّاد بن بِشْر وعمار بن ياسر، فضرب عبادًا بسهم وهو قائم يصلي، فنزعه، ولم يقطع صلاته، حتى رشقه بثلاثة سهام، فلم ينصرف منها حتى سلم، فأيقظ صاحبه، فقال: «سبحان الله، هلا نبهتني، فقال كنت في سورة اقرؤها فلم أحب أن أقطعها، فلما تابع عليَّ الرمي ركعت فآذَنْتُكَ، وايْمُ الله، لولا أن أُضَيِّع ثَغْرًا أَمَرَنِي رَسُولُ الله بحفظه، لَقُطِعَ نفسي قبل أن أقطعها أو أُنْفِذَها». [البخاري معلقًا؛ ابن إسحاق، حسن].

دروس وعبر في هذا المقطع من السيرة:

في قصة هذين الصحابيين الجليلين كشف لطبيعة الجهاد الإسلامي، وكيف كان يمارسه ويفهمه أصحاب رسول الله . فعباد رضي الله عنه أراد أن يشغل شطرًا من زمن حراسته الليلية بركعات خاشعة، يقف فيها أمام الله تعالى ولم يقطع صلاته لألم يشعر به، وإنما قطعها استشعارًا بمسؤولية الحراسة التي كلف بها. وهذا درس بليغ في مفهوم العبادة والجهاد عند سلفنا الصالح، ولا وجه للمقارنة بينه وبين ما عليه نحن الآن!!. [البوطي: السيرة].

3- قصة جمل جابر:

روى البخاري ومسلم وغيرهما من أهل الحديث، وابن إسحاق [بسند حسن] وغيره من أهل السير عن جابر أنه عندما أبطأ في السير، وهم في طريق العودة من غزوة ذات الرقاع، سأله الرسول عن السبب فقال إن جمله قد أعياه، فنزل رسول الله يحجنه بمحجنه، ثم دعاه فركب، فأصبح الجمل يسابق جمل رسول الله وجابر يكفه عن ذلك. ثم سأله عن حالته الاجتماعية، فذكر أنه تزوج ثيبًا، فقال له الرسول : «أفلا جارية تلاعبها وتلاعبك؟»، فعلل سبب زواجه من الثيب بأن له أخوات فأحب أن يتزوج امرأة تجمعهن وتمشطهن وتقوم عليهن. وطلب منه الرسول إذا قدم المدينة أن يعمل عملًا كَيِّسًا، ثم قال له: «أتبيع جملك؟» فوافق جابر، فاشتراه منه بأوقية، وعندما أتى بالجمل من الغد إلى الرسول أمر الرسول بلالًا أن يعطيه الأوقية. فوزن له بلال فأرجح له في الميزان، وعندما ولَّى دعاه الرسول ورد عليه جمله.

وفي رواية ابن إسحاق أن الرسول قال لجابر عندما علل سبب زواجه من ثيب: «أصبت إن شاء الله»، وفيها أنه قال له: «... أما أنا لو قد جئنا صِرَارًا أمرنا بجزور فنحرت، وأقمنا عليها يومنا ذاك، وسمعت بنا فنفضت نمارقها».

فقال جابر: «والله يا رسول الله ما لنا من نمارق، فقال النبي : إنها ستكون... وفيها قول جابر عن الأوقية التي أعطيت له: فوالله ما زال ينمي عندي، ويرى مكانه من بيتنا...».

درس وعبرة في هذه القصة:

في هذه القصة صورة كاملة ودقيقة لخُلق رسول الله مع أصحابه من حيث اللطف في المعاشرة ورقة الحديث، وفكاهة في المحاورة ومحبة شديدة لأصحابه والوقوف على أحوالهم والمواساة في مشكلاتهم الاجتماعية ماديًا ومعنويًا. فقد شعر الرسول أن سبب تأخر جابر عن الركب هو ضعف جمله الذي لا يملك غيره لبؤس حاله، حيث إن والده مات شهيدًا في أحد وترك له مجموعة من البنات والأولاد ليرعاهم، وهو مقل في الرزق، فأراد الرسول أن ينتهز هذه الفرصة ليواسيه ويقدم له ما يستطيع من مال مبارك. [البوطي: السيرة].

المبحث السابع: غزوة دُوْمَة الجَنْدَل

يتفق جمهور أهل المغازي والسير أنها كانت في ربيع الأول سنة خمس من الهجرة، وبالتحديد لخمس ليال بقين من ربيع الأول على رأس تسعة وأربعين شهرًا من الهجرة. [ابن إسحاق؛ ابن سعد؛ الواقدي].

لم يذكر ابن إسحاق سببها، بل الذي ذكره الواقدي وابن سعد، وخلاصته: بلغ رسول الله أن بدومة الجندل جمعًا كثيرًا، وأنهم يظلمون من مر بهم من الضافطة [جمع ضافط، وهو الذي يجلب الميرة والمتاع إلى المدن. وكانوا يومئذ قومًا من الأنباط يحملون إلى المدينة الدقيق والزيت]، وكان بها سوق عظيم وتجار، وضَوَى إليهم قوم من العرب كثير، وهم يريدون أن يدنوا من المدينة. فندب رسول الله الناس فخرج في ألف من المسلمين، ومعهم دليل من بني عُذْرَة يسمى مَذْكُور، وقبل وصول دومة الجندل بيوم أو ليلة هجم على ماشيتهم ورعاتهم، فأصاب من أصاب وهرب من هرب. وعندما وصل الخبر دومة الجندل، تفرقوا. وعندما وصلهم لم يجد أحدًا في المكان، فأقام بها أيامًا، وبث السرايا التي كانت ترجع بالإبل فقط، إلا سرية محمد بن مسلمة، فقد أخذ رجلًا منهم، وعرض عليه الإسلام، فأسلم. ثم عاد الرسول إلى المدينة.

وزاد الواقدي سببًا آخر لهذه الغزوة، وهو أن الرسول أراد أن يدنو من الشام ليفزع قيصر.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة