الفصل الثالث عشر: عمرة وصلح وهدنة الحديبية
المبحث الأول: أحداث الحُدَيْبِيَة
[الحديبية اسم بئر تقع على بعد اثنين وعشرين ميلًا شمالي غربي مكة، وتعرف اليوم بالشميسـي، وبها حدائق الحديبية ومسجد الرضوان، انظر: نسب حرب، ص 350]
خرج الرسول ﷺ وأصحابه لأداء العمرة [البخاري] في يوم الاثنين هلال ذي القعدة من السنة السادسة الهجرية. [البخاري؛ الواقدي؛ ابن سعد؛ البيهقي: الدلائل، من مرسل ابن عقبة].
وكان الرسول ﷺ يخشى أن تعرض له قريش بحرب أو يصدوه عن البيت الحرام، لذلك استنفر العرب المسلمين ومن حوله من أهل البوادي من الأعراب ليخرجوا معه، فأبطؤوا عليه، فخرج بمن معه من المهاجرين والأنصار وبمن لحق به من العرب [ابن إسحاق]. وقد كشف القرآن عن حقيقة نوايا الأعراب، فقال: ﴿ سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا ۚ يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ۚ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا ۚ بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴿ ١١ ﴾ بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَٰلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا ﴿ ١٢ ﴾ ﴾ [الفتح:11- 12].
وقد ذكر مجاهد [تفسير الطبري، مرسل حسن] أن الأعراب الذين عنتهم الآية هم أعراب جهينة ومزينة؛ وذكر الواقدي أن الأعراب الذين تشاغلوا بأموالهم وأولادهم وذراريهم هم بنو بكر ومزينة وجهينة.
ويفهم من رواية البخاري أن المسلمين كانوا يحملون أسلحتهم استعدادًا للدفاع عن أنفسهم في حالة الاعتداء عليهم.
لقد اتفق خمسة من الذين كانوا في هذه الغزوة على أن عدد من خرج فيها كانوا ألفًا وأربعمائة رجل. [متفق عليه].
صلى المسلمون وأحرموا بالعمرة عندما وصلوا إلى ذي الحليفة [البخاري]، وقلد رسول الله ﷺ الهدي وأشعره، وعددها سبعون بدنة [أحمد: المسند، حسن، ابن إسحاق، حسن]، وبعثها مع نَاجِية بن جُنْدُب بن عمير الخزاعي الأسلمي [أحمد: المسند، حسن؛ ابن إسحاق]. وبعث بين يديه بشر بن سفيان الخزاعي الكعبي عينًا له إلى قريش ليأتيه بخبرهم. [البخاري؛ ابن إسحاق، حسن].
وعندما وصل المسلمون الرَّوحاء [على بعد 73 كيلًا من المدينة] جاءه نبأ عدو بغَيْقَة، [موقع بين مكة والمدينة] فأرسل إليهم طائفة من أصحابه، فيهم أبو قتادة الأنصاري، ولم يكن محرمًا، فرأى حمارًا وحشيًا، فحمل عليه فطعنه، ورفض أصحابه أن يعينوه عليه، ولكنهم أكلوا منه وهم حرم، ثم شكوا في حل ذلك، فعندما التقوا بالرسول ﷺ في السقيا [على بعد 80 كيلًا من المدينة]، استفتوه في الأمر، فأذن لأصحابه بأكل ما جاؤوه به من بقية اللحم ما داموا لم يعينوا على صيده. [البخاري].
وعندما وصلوا عسفان [على بعد 80 كيلًا من المدينة] جاءهم بسر بن سفيان الكعبي بخبر قريش فقال: «يا رسول الله، هذه قريش قد سمعت بمسيرك فخرجوا معهم العُوذُ المطافيل[العوذ: جمع عائذ وهو من الإبل الحديثة النتاج. والمطافيل: جمع مطفل: التي معها أولادها والمراد أنهم خرجوا ومعهم النساء والأولاد لئلا يفروا عنهم، وهو على الستعارة] قد لبسوا جلود النمور، وقد نزلوا بذي طُوى يعاهدون الله لا تدخلها عليهم أبدًا، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قدموا كُرَاع الغَمِيم». فاستشار النبي ﷺ أصحابه في أن يغيروا على ديار الذين ناصروا قريشًا واجتمعوا معها ليدعوا قريشًا ويعودوا للدفاع عن ديارهم، فقال أبو بكر رضي الله عنه: «يا رسول الله، خرجت عامدًا لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حرب أحد، فتوجه له، فمن صدنا عنه قاتلناه». فقال رسول الله ﷺ: «امضوا على اسم الله». [البخاري].
وعندما علم الرسول ﷺ بقرب خيل المشركين منهم صلى بأصحابه صلاة الخوف بِعسْفان. [أبو داود، حسن؛ الحاكم، صحيح].
ولتفادي الاشتباك مع المشركين، سلك الرسول ﷺ طريقًا وعرة عبر ثَنِيَّة المِرَار، وهي مهبط الحديبية، وقال عندما وصلها: «من يصعد الثنية ثنية المرار فإنه يحط عنه ما حط عن بني إسرائيل»، فكان أول من صعدها خيل بني الخزرج، ثم تتام الناس. [مسلم].
وخرجت قريش للقاء المسلمين، فعسكرت ببَلْدَح، [واد بمكة من جهة المغرب، أعلاه في وادي العشر، وأوسطه منطقة الزاهر اليوم، ومصبه في مر الظهران شمالي الحديبية، (البلادي: ص 49، معجم البلدان (1/480)] وسبقوا المسلمين إلى الماء هنا. [دلائل البيهقي، من مرسل عروة؛ ابن سعد؛ الواقدي].
وعندما اقترب الرسول ﷺ من الحديبية بركت ناقته القصواء، فقال الصحابة رضي الله عنهم: «خَلَأَتِ [بركت وحرنت بغير علة ظاهرة] القصواء»، فقال النبي ﷺ: «ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخُلُق، ولكن حبسها حابس الفيل». ثم قال: والذي نفسي بيده، لا يسألونني خُطَّةٍ يُعَظِّمُون فيها حُرُماتِ الله إلا أعطيتهم إياها»، ثم زَجَرَهَا فوثبت، ثم عدل عن دخول مكة وسار حتى نزل بأقصى الحديبية على ثَمَدٍ- بئر- قلِيلِ الماء، ما لبثوا أن نزحوه ثم اشتكوا إلى رسول الله ﷺ العطش، فانتزع سهمًا من كَنَانِتِهِ ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فَجَاس لهم بِالرِّيِّ فارتووا جميعًا [البخاري]، وفي رواية أنه جلس على شفة البئر فدعا بماء فمضمض ومج في البئر [نفسه]. ويمكن الجمع بأن يكون الأمران معًا وقعا، كما ذكر ابن حجر [نفسه]. ويؤيده ما ذكره الواقدي وعروة [في الفتح من رواية أبي الأسود] من أن الرسول ﷺ تمضمض في دلو وصبه في البئر ونزع سهمًا من كِنَانَتِهِ فألقاه فيها ودعا ففارت.
ولخصائص قريش ومكانتها بين العرب، حرص الرسول ﷺ على إسلامهم، وتحسر على عنادهم وخسارة أرواحها في الحروب مع المسلمين، فها هو يعبر عن هذه الحسرة بقوله: «يا ويح قريش، أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر الناس، فإن أصابوني كان الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وهم وافِرُون، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فماذا تظن قريش، والله إني لا أزال أجاهدهم على الذي بعثني الله له حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السَّالِفَة [صفحة العنق]...» [أحمد: المسند، حسن؛ ابن إسحاق، حسن].
بذل الرسول ﷺ ما في وسعه لإفهام قريش أنه لا يريد حربًا معهم، وإنما يريد زيارة البيت الحرام وتعظيمه، وهو حق للمسلمين، كما هو حق لغيرهم، وعندما تأكدت قريش من ذلك أرسلت إليه من يفاوضه ويتعرف على قوة المسلمين ومدى عزمهم على القتال إذا ألجئوا إليه، وطمعًا في صد المسلمين عن البيت بالطرق السلمية من جهة ثالثة.
فأتاه بُدَيْل بن وَرْقَاء في رجال من خزاعة، وكانت خزاعة عَيْبَة نصح رسول الله ﷺ من أهل تِهامة، وبينوا أن قريشًا تعتزم صد المسلمين عند دخول مكة، فأوضح لهم الرسول ﷺ سبب مجيئه، وذكر لهم الضرر الذي وقع على قريش من استمرار الحرب، واقترح عليهم أن تكون بينهم هدنة إلى وقت معلوم حتى يتضح لهم الأمر، وإن أَبَوْا فلا مناص من الحرب ولو كان في ذلك هلاكه، فنقلوا ذلك إلى قريش [البخاري]، وقالوا لهم: يا معشر قريش، إنكم تعجلون على محمد، إن محمدًا لم يأت لقتال، وإنما جاء زائرًا هذا البيت، فاتهموهم وخاطبوهم بما يكرهون، وقالوا: وإن كان إنما جاء لذلك فلا والله لا يدخلها علينا عنوة أبدًا ولا تتحدث بذلك العرب». [أحمد: حسن؛ ابن إسحاق، حسن].
وأراد الرسول ﷺ أن يؤكد هدفه من هذه الزيارة، ويشهد على ذلك كل العرب، ولذا أرسل إلى قريش خِرَاش بن أُمَيَّة الخُزَاعي على جمله «الثَعْلَب»، ولكنهم عقروا به جمل رسول الله ﷺ، وأرادوا قتله، فمنعته الأحَابِيش [ابن إسحاق، حسن]، لأنهم من قومه. [ابن سعد].
ثم دعا الرسول ﷺ عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة، فيبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له، فقال عمر: «يا رسول الله، إني أخاف قريشًا على نفسي، وليس بمكة من بني عدي بن كعب أحد يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إياها، وغلظتي عليها، ولكن أدلك على رجل أعز بها مني، عثمان بن عفان». فدعا رسول الله ﷺ عثمان فبعثه إليهم. فنزل عثمان في حماية وجوار أَبَان بن سعيد بن العاص الأموي، حتى أدى رسالته، وأذنوا له بالطواف بالبيت، فقال: «ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله ﷺ ». واحتبسته قريش عندها، فبلغ رسول الله ﷺ أن عثمان قد قتل، فدعا أصحابه للبيعة تحت شجر سَمُرة، فبايعوه جميعًا على الموت [البخاري]، سوى الجَدُّ بن قَيْس، وذلك لنفاقه. وفي رواية أن البيعة كانت على الصبر [البخاري]، وفي رواية على عدم الفرار [مسلم]، ولا تعارض في ذلك لأن المبايعة على الموت تعني الصبر عند اللقاء وعدم الفرار. [ابن حجر: الفتح].
وكان أول من بايعه على ذلك أبو سِنَان عبد الله بن وهب الأسدي [ابن هشام، من مرسل الشعبي؛ ابن حجر: الإصابة، من مرسلين حسنين]، فخرج الناس بعده يبايعون على بيعته، فأثنى عليهم الرسول ﷺ فقال: «أنتم خير أهل الأرض» [البخاري]، وقال: «لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد من الذين بايعوا تحتها». [مسلم].
وأشار رسول الله ﷺ إلى يده اليمنى، وقال: «هذه يد عثمان»، فضرب بها على يده اليسرى، وقال: «هذه لعثمان» [البخاري]. فنال عثمان بذلك فضل البيعة.
وقبل أن تتطور الأمور عاد عثمان رضي الله عنه بعد البيعة مباشرة.
وعرفت هذه البيعة بـ (بيعة الرضوان)، لأن الله تعالى أخبر بأنه رضي عن أصحابها، كما في قوله: ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ﴾ [الفتح: 18]. [الطبري: التفسير، يعتضد؛ الترمذي، حسن لغيره، وأصله عند مسلم].
أرسلت قريش عددًا من السفراء للتفاوض مع المسلمين، بعد سفارة بُدَيْل بن وَرْقَاء. فقد أرسلوا عُرْوَة بن مسعود الثقفي، وقبل أن يتحرك خشـي أن يناله من التعنيف وسوء المقالة ما نالَ من سبقه، فبين لهم موقفه منهم، وأقروا له بأنه غير متهم عندهم، وذكر لهم أن الذي عرضه عليهم محمد هو خطة رشد. ودعاهم إلى قبولها، فوافقوا على رأيه.
وعندما جاء إلى الرسول ﷺ قال له ما قال لبديل، فقال عروة عند ذلك: «أَيْ محمد، أَرَأَيْتَ إنْ استأصلت أَمْرَ قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى، فإني والله لا أرى وجُوهًا، وإني لأَرَى أَشْوَابًا من الناس خَلِيْقًا أنْ يَفِرُّوا وَيَدعُوك». فقال له أبو بكر: «امْصصْ بَظْرَ اللَّاتِ، أَنَحْنُ نَفرُّ عنه وَنَدَعُه؟...»، وكان كلما تكلم كلمة أخذ بلحية الرسول ﷺ، والمُغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي ﷺ ومعه السيف، فيضربه بِنَعْلِ السيف، ويقول: «أخِّرْ عن لحية رسول الله ﷺ...»، ولحظ عروة تعظيم الصحابة للرسول ﷺ وحبهم له وتفانيهم في طاعته، فلما رجع إلى قريش، قال لهم: «أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصـر وكسرى والنجاشي، والله ما رأيت ملكًا قط يعظمه أصحابه مثل ما يعظم أصحاب محمدٍ محمدًا». [البخاري].
ثم بعثوا الحُلَيْس بن عَلْقَمَة الكِنَاني سيد الأَحَابِيش، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: «إن هذا من قوم يتألهون، فابعثوا الهدي في وجهه حتى يراه»؛ فلما رأى الحليس الهدي يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده، رجع إلى قريش قبل أن يصل إلى رسول الله ﷺ، وذلك إعظامًا لما رأى، وقال لقريش: «رأيت البُدْنَ قد قُلِّدَتْ وأُشْعِرَت، فما أرى أن يصدوا عن البيت» [البخاري]، فقالوا: «اجلس، إنما أنت أعرابي لا علم لك». فغضب وقال: «يا معشر قريش، والله ما على هذا حالفناكم، أَيُصَدُّ عن بيت الله من جاءه معظمًا له!! والذي نفس الحليس بيده لَتُخَلُّنَّ بين محمد وبين ما جاء له أو لَأَنْفِرَّنَ بالأحابيش نَفْرَةَ رجل واحد»، قالوا: «مَهْ، كُفَّ عنا حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به».
ثم بعثوا إليه مِكْرَز بن حفص، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: «هذا مِكْرَزُ وهو رجل فاجر»... فجعل يكلم الرسول ﷺ، فبينما هو يكلمه إذ جاء سُهَيْل بن عمرو رسولًا من قبل قريش، فقال النبي ﷺ متفائلًا: «لقد سهل لكم أمركم» [أحمد، حسن]. وقال: «قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل» [ابن إسحاق، حسن]، وكانت قريش قد قالت لسهيل بن عمرو: «ائت محمدًا فصالحه، ولا يكن في صلحه إلا أن يرجع عنا عامة هذا، فو الله لا تحدث العرب عنا أنه دخلها علينا عَنْوَة أبدًا». فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ تكلم فأطال الكلام، وتراجعا، ثم جرى بينهما الصلح [نفسه].
وعندما بدأ الرسول ﷺ في إملاء شروط الصلح على علي بن أبي طالب، كاتب الصحيفة [متفق عليه]، اعترض سهيل على كتابة كلمة «الرحمن» في البسملة، وأراد بدلًا عنها أن يكتب «باسمك اللهم»، لأنها عبارة الجاهليين، ورفض المسلمون ذلك، ولكن الرسول ﷺ وافق على اعتراض سهيل. ثم اعترض سهيل على عبارة «محمد رسول الله»، وأراد بدلًا عنها عبارة: «محمد بن عبد الله»، فوافقه أيضًا على هذا الاعتراض.
وحجة سهيل هنا في قوله: (والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا نَاتَلْنَاكَ [أي تقدمنا لخصومتك]..).
وعندما قال الرسول ﷺ: «على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به» اعترض سُهَيْل قائلًا: «لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضَغْطَةً- قهرًا- ولكن ذلك في العام المقبل، فنخرج عنك فتدخلها بأصحابك، فأقمت فيها ثلاثًا معك سلاح الراكب لا تدخلها بغير السيوف في القُرُبِ»؛ فوافق الرسول ﷺ على هذا الشرط. ثم قال سُهيل: وعلى أن لا يأتيك منا رجل - وإن كان على دينك - إلا رددته إلينا، قال المسلمون: «سبحان الله! كيف يُرَدُّ إلى المشركين وقد جاء مسلمًا؟!» فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جَنْدَل بن سُهَيل ابن عمرو يرسف في قيوده، وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين. فقال سهيل: هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده إليَّ، فقال النبي ﷺ: «إنا لم نقض الكتاب بعد»، فقال سهيل: والله إذًا لم أصالحك على شيء أبدًا.
وألح الرسول ﷺ على سهيل أن يستثني أبا جندل، فرفض على الرغم من موافقة مكرز على طلب الرسول ﷺ، ولم يجد الرسول ﷺ بُدَّا من إمضاء ذلك لسهيل. [البخاري].
ثم بعد هذا تم الاتفاق على بقية الشروط وهي:
«على وضع الحرب عشر سنين، يأمن فيها الناس، ويكف بعضهم عن بعض، وأن بينهم عَيْبَة[أي صدر صاف من الغل والخداع، مطوي على نية الوفاء بالصلح]، مَكْفُوفة، فلا إسْلَال - سرقة - ولا إغْلَال - خِيَانَة - وأن من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه.
فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن مع عقد رسول الله ﷺ وعهده. وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم. [ابن إسحاق، حسن].
لقد تبرم كثير من الصحابة من معظم هذه الشروط. ومن الأدلة على ذلك أن عليًا اعتذر عن محو كلمة «رسول الله» التي اعترض عليها سهيل بن عمرو، فقال له رسول الله ﷺ: «أرني مكانها»، فأراه مكانها، فمحاها رسول الله ﷺ. وكتب (علي مكانها) «ابن عبد الله» [متفق عليه]. وغضبوا لشـرط رد المسلمين الفارِّين من قريش إلى المشـركين، فقالوا: «يا رسول الله، نكتب هذا؟»، قال: «نعم. إنه من ذهب إليهم فأبعده الله، ومن جاءنا منهم سيجعل الله له فرجًا ومخرجًا». [مسلم].
ويحكي عمر بن الخطاب مجيئه إلى رسول الله ﷺ غاضبًا عند كتابة ذلك الصلح، قال: «فأتيت نبي الله، فقلت: ألستَ نبي الله حقًا؟ قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذًا؟ قال: إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري. قلت: أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى. أفأخبرتك أنك تأتيه العام؟ قال: قلت: لا. قال: فإنك آتيه ومطوف به». وأتى عمر أبا بكر وقال له مثل ما قال للرسول ﷺ، فقال له أبو بكر: «إنه لرسول الله ﷺ وليس يعصي ربه وهو ناصره، فاستمسك بِغَرْزِهِ[طريقه]، فَوَاللهِ إنه على الحق» [مسلم]. وقال عمر: «ما زلت أصوم وأتصدق وأعتق من الذي صنعت مخافة كلامي الذي تكلمت به يومئذ حتى رجوت أن يكون خيرًا». [ابن إسحاق، حسن]. ولم تطب نفس عمر إلا عندما نزل القرآن مبشرًا بالفتح. [مسلم].
وعندما كان أبو جَنْدَل يستنجد بالمسلمين قائلًا: «يا معشر المسلمين، أتردونني إلى أهل الشرك فيفتنوني في ديني؟» والرسول ﷺ يقول: «يا أبا جندل، اصبر واحتسب فإن الله عز وجل جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا». [أحمد وابن إسحاق، حسن] كان عمر يمشي بجنب أبي جندل يغريه بأبيه ويقرب إليه سيفه، لكن أبا جندل لم يفعل، فأعيد إلى المشركين [نفسه]. وذلك لحكمة تجلت للناس فيما بعد، يوم كان أبو جندل وأصحابه سببًا في إلغاء شرط رد المسلمين إلى الكفار، وفي إسلام سهيل وموقفه يوم كاد أهل مكة أن يرتدوا عندما مات الرسول ﷺ فثبتهم على الإسلام بكلام بليغ. [ابن حجر: الإصابة- ترجمته].
وقال سَهْل بن حَنِيف يوم صفين: «اتهموا رأيكم، رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله ﷺ لرددته». [البخاري].
وعندما أمرهم الرسول ﷺ بأن ينحروا الهدي ويحلقوا رؤوسهم، لم يقم منهم أحد إلى ذلك، فكرر الأمر ثلاث مرات، فدخل على أم سلمة رضي الله عنها، وحكى لها ما حدث من المسلمين، فأشارت إليه بأن يبدأ هو بما يريد، ففعل، فقاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضًا حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًا. [البخاري].
فدعا الرسول ﷺ لمن حلق منهم ثلاثًا ولمن قصر مرة واحدة [أحمد، حسن].
وكان عدد ما نحروه سبعين بدنة [أحمد، حسن]، كل بدنة عن سبعة أشخاص. [مسلم].
وكان هدي رسول الله ﷺ يومئذ جملًا لأبي جهل من غنائم بدر، نحره ليغيظ بذلك المشركين [أحمد، حسن]. ونحروا بعض الهدي في الحديبية في الحل [البخاري]، والبعض الآخر نحره نَاجِية بن جُنْدُب داخل منطقة الحرم [الطحاوي: شرح معاني الآثار، صحيح].
ولا شك أن هذا التصرف من عمر وغيره من المسلمين ما هو إلا اجتهاد منهم ورغبة في إذلال المشركين [أحمد، حسن].
ولم تتوقف قريش عن التحرش بالمسلمين واستفزازهم خلال مفاوضات كتابة الصلح وبعد كتابته، وقد تصرف الرسول ﷺ والصحابة بانضباط شديد إزاء هذه الأفعال. فعندما حاول ثمانون من رجال مكة مهاجمة معسكر المسلمين على غِرَّة، أسرهم المسلمون، وعفا عنهم الرسول ﷺ [مسلم، أحمد]. وكرر المحاولة ثلاثون آخرون من قريش أثناء إبرام الصلح، فأسروا، وأطلق الرسول ﷺ أيضًا سراحهم. [أحمد، صحيح؛ الحاكم صحيح].
وبعد إبرام الصلح حاول سبعون من المشركين استفزاز المسلمين، فأسروهم.
وقبض سَلَمَة بن الأَكْوَع على أربعة من المشركين أساءوا إلى الرسول ﷺ، بعد إبرام الصلح، فعفا عنهم الرسول ﷺ. وقد نزلت في ذلك الآية: ﴿ وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ ۚ ﴾ [الفتح: 24]. [مسلم].
ثم رجع المسلمون إلى المدينة بعد أن غابوا عنها شهرًا ونصف الشهر [عيون الأثر، من حديث ابن عائذ]، منها بضعة عشـر يومًا، ويقال عشـرين يومًا، مكثوها بالحديبية. [ابن سعد، الواقدي].
وفي طريق العودة تكررت معجزة النبي ﷺ في تكثير الطعام والماء، مثلما حدث في طعام جابر يوم الخندق، وتكثير ماء بئر الحديبية، فقد ذكر سلمة بن الأكوع أنهم عندما أصابهم الجوع وكادوا أن يذبحوا رواحلهم دعا الرسول ﷺ بأزواد الجيش، فلم يتجاوز رَبْضَةَ العَنْزِ، وهم أربعة عشرة مائة، فأكلوا حتى شبعوا جميعًا وحشوا جربهم، ثم جيء له بإِدَاوَةِ وضوء فيها نطفة ماء فأفرغها في قَدَحٍ، فتوضأ منها كل الجيش». [متفق عليه- وربضة العنز: قدرها وهي رابضة].
ونزلت سورة الفتح، وهم في طريق العودة: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴿ ١ ﴾ ﴾ [الفتح:1]. وقال عنها الرسول ﷺ: «لقد أنزلت علي الليلة سورة لهي أحب إليَّ مما طلعت عليه الشمس» [البخاري]. وقال عمر متعجبًا: «أو فتح هو؟» فقال له الرسول ﷺ: «نعم»، فطابت نفسه ورجع [مسلم]، وفي رواية: «نعم، والذي نفسي بيده إنه لفتح» [البخاري؛ الحاكم، صحيح]. وفرح المسلمون بذلك فرحًا غامرًا، وانجلت تلك السحابة من الغم، وأدركوا قصورهم عن إدراك كل الأسباب والنتائج، وأن الخير في التسليم لأمر الله ورسوله.
وعندما جاءته أم كُلْثُوم بنت عقبة بن أبي معيط مهاجرة لم يردها إلى أهلها عندما طلبوها لما أنزل الله في النساء: ﴿ إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ۖ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ ۖ ﴾ ... ﴿ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ۖ ﴾ [الممتحنة:10] [البخاري]. فكان الرسول ﷺ لهذا يختبرهن، فإن كن خرجن بسبب الإسلام استبقاهن مع دفع مهورهن لأزواجهن، وكان قبل الصلح لا يعيد إليهم مهور الزوجات. [البيهقي: السنن الكبرى؛ ابن إسحاق].
وهذه الآية الواردة في عدم رد المهاجرات المسلمات إلى الكفار هي التي استثنت من شرط الرد، وحَرَّمَتِ المسلمات على المشركين ﴿ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ ﴾ [الممتحنة:10]. [البخاري].
المبحث الثاني: فقه وحكم ودروس في صلح وهدنة الحديبية
1- عندما وجد سبب مانع من أداء المسلمين لعمرتهم التي أحرموا لها تحللوا، وبذلك شرع التحلل للمعتمر وأنه لا يلزمه القضاء [كتب فقه: أبوب الأحصار].
2- أذن الرسول ﷺ لكعب بن عُجْرَة أن يحلق رأسه وهو محرم، لأذى أصابه، على أن يذبح شاة فدية أو يصوم ثلاثة أيام أو يطعم ستة مساكين. ونزلت الآية: ﴿ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ۚ ﴾ [البقرة:196]. [متفق عليه].
3- أذن النبي ﷺ للصحابة بالصلاة في منازلهم عندما نزل المطر. [ابن ماجه، صحيح].
4- وقعت تطبيقات عملية لمبدأ الشورى في الإسلام، حيث استشارهم في الإغارة على ذراري المشركين الذين يساندون قريشًا، كما ذكرنا. واستشار أم سلمة في أمر الناس عندما أبطؤوا في التحلل، وأخذ برأيها، كما ذكرنا.
5- ويستنتج من مدة الصلح أن الحد الأعلى لمهادنة الكفار عشر سنين، لأن أصل العلاقة معهم الحرب وليس الهدنة.ولكن في الأمر سعة حسب الأحوال.
6- جواز مصالحة الكفار على رد من جاء من قبلهم مسلمًا. إذا دعت الضرورة.
7- استحباب التفاؤل لقوله ﷺ: «سهل أمركم»، وذلك عندما قدم عليهم سهيل ابن عمرو مفاوضًا.
8- كفر من يقول: «مطرنا بنَوْءِ كذا وكذا» والصواب أن يقول: «مطرنا بفضل الله ورحمته». قال ذلك الرسول ﷺ للصحابة عندما صلى بهم الصبح إثر مطر هطل ليلًا. [البخاري].
9- جواز التبرك بآثار النبي ﷺ مثل التوضؤ بماء وضوئه ﷺ [نفسه]، وهو خاص به، خلافًا لآثار الصالحين من أمته. [الشاطبي: الاعتصام].
10- السنة لمن نام عن صلاته أو نسيها أن يصليها وإن خرج وقتها، وذلك لأن المسلمين ناموا عن صلاة الصبح وهم في طريق عودتهم من الحديبية ولم يوقظهم إلا حر الشمس، ونام حارسهم بلال، فصلوها حين استيقظوا. [النسائي: الكبرى، صحيح].
11- في الصلح اعتراف من قريش بكيان المسلمين لأول مرة، فعاملتهم معاملة الند للند.
12- ذهاب هيبة قريش، بدليل مبادرة خزاعة الانضمام إلى حلف المسلمين دون خشية من قريش كما كان في السابق.
13- أتاح الصلح للمسلمين التفرغ ليهود خيبر خاصة ويهود تيماء وفدك بصفة عامة.
14- أتيح للمسلمين مضاعفة جهودهم لنشـر الإسلام، وفي ذلك قال الزهري: (فما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة ووضعت الحرب، وآمن الناس بعضهم بعضًا، والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة، فلم يكلم أحد بالإسلام يعقل إلا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين [وهي مدة سريان الهدنة] مثل من كان في الإسلام قبل ذلك) [ابن إسحاق، حسن].
وعلق ابن هشام على هذا قائلًا: (والدليل على قول الزهري أن رسول الله ﷺ خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمائة في قول جابر، ثم خرج في عام الفتح بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف). [نفسه].
15- جاءت نتائج بعض الشروط في صالح المسلمين من ذلك أن أبا بَصِير عندما فر من المشركين ولجأ إلى المسلمين رده الرسول ﷺ إليهم عندما طلبوه، فعدا على حَارِسِيْهِ فقتل أحدهما، وفر الآخر، وعاد أبو بصير إلى المدينة، وقال للرسول ﷺ: «قد والله أوفى الله ذمتك، قد رددتني إليهم ثم نجاني الله منهم». فقال النبي ﷺ: «وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ لو كان له أحد»، ففهم أبو بصير نية الرسول ﷺ في رده إلى المشـركين، فلجأ إلى سِيِفِ البحر...». [البخاري]. وفهم المستضعفون المسلمون في مكة إشارة الرسول ﷺ: «مِسْعَرَ حَرْبٍ لو كان له أحد»، ففروا من مكة، ولحقوا بأبي بصير، وعلى رأسهم أبو جندل. وتكونت منهم عصابة، أخذت تتعرض لقوافل قريش، فأرسلت قريش إلى الرسول ﷺ تناشده أن يعطيهم الأمان بالمدينة، فأرسل إليهم [نفسه]، وهم بناحية العِيص، فجاؤوا، وكانوا قريبًا من الستين أو السبعين رجلًا. [ابن إسحاق، حسن]. [وساقه البيهقي في الدلائل من رواية الزهري مرسلًا، وعنده أنهم صاروا بالعيص ثلاثمائة، وأن كتاب الرسول ﷺ قد جاء إلى أبي بصير وهو يحتضر، فمات والكتاب في يده، فدفنه أبو جندل، وعاد ببقية الرجال إلى المدينة، وروى نحوه من مرسل عروة].
16- في قصة أبي بصير وأبي جندل ورفقائهم في العِيص، نموذج يقتدى به في الثبات على العقيدة، وبذل الجهد في نصرتها، وعدم الاستكانة للطغاة.