حجم الخط:

محتوى الدرس (40)

الفصل الثامن عشر: سرية مُؤْتة

[تمهيد]

[ومؤتة الآن قرية عامرة بالسكان، شرقي الأردن، على بعد أحد عشر ميلًا جنوب الكرك].

إن من أسباب هذه السرية أن رسول الله بعث بكتاب مع الحارث بن عمير إلى ملك بُصْرَى، فلما نزل مؤتة عرض له شُرَحْبيل بن عمرو الغساني فقتله صبرًا، وكانت الرسل لا تقتل. فغضب رسول الله وأرسل هذه السـرية إلى مؤتة [الواقدي، ابن سعد]، في جمادى الأولى من سنة ثمان الهجرية. [متفق عليه بين أئمة المغازي: ابن إسحاق بإسناد مرسل حسن، ابن سعد، عوة، ابن هشام].

وكان عدة هذه السرية ثلاثة آلاف مقاتل [ابن إسحاق، مرسلًا حسنًا؛ مغازي ابن أبي شيبة؛ ابن سعد؛ الواقدي] وأمر عليها زيد بن حارثة، ثم قال: «إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة» [البخاري]، وزاد الواقدي وابن سعد: «فإن أصيب عبدالله بن رواحة فليرتض المسلمون بينهم رجلًا فيجعلوه عليهم».

[خروج الجيش]

وعندما تهيأ الجيش وتجهزوا للخروج ودَّع الناس أمراء رسول الله وحينها بكى ابن رواحة، فسألوه عن السبب، فقال: «أما والله ما بي حب الدنيا ولا صبابة بكم، ولكني سمعت رسول الله يقرأ آية من كتاب الله يذكر فيها النار: ﴿ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ﴿ ٧١ [مريم:71] فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود»، فقال المسلمون: «صحبكم الله ودفع عنكم، وردكم صالحين».

فقال ابن رواحة:

«لكنني أسألُ الرحمنَ مغفرةً

أو طعنةً بيدي حَرَّان مجهزة

حتى يقال إذا مروا على جَدَثي

وضربةً ذاتَ فَرْغ تقذفُ الزَّبَدا

بحربة تنفذ الأحشاء والكَبِدَا

أرشده اللهُ من غازٍ وقد رَشِدا»

[ابن إسحاق، مرسلًا حسنًا]

ثم مضوا حتى نزلوا مَعَان من أرض الشام، فبلغ الناس أن هرقل قد نزل مآب، من أرض البلقاء، في مائة ألف من الروم، وانضم إليهم من لَخْم وجُذَام وبَلْقَيْن وبَهْرَاء وبَلِّي مائة ألف، عليهم رجل من بلِّي، يقال له: مالك بن رَافِلة. فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا على معان ليلتين يفكرون في أمرهم، وقالوا: نكتب إلى رسول الله فنخبره بعدد عدونا، فإما أن يمدنا بالرجال، وإما أن يأمرنا بأمره، فنمضي له. فشجع ابن رواحة الناس، وقال: «يا قوم، والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون: الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي كرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين، إما ظهور وإما شهادة». فقال الناس: «قد والله صدق ابن رواحة». فمضـى الناس حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء، لقيهم جموع هرقل، من الروم والعرب، بقرية مَشَارِف من قرى البلقاء، ثم دنا العدو، وانحاز المسلمون إلى قرية مؤتة، وعبؤوا أنفسهم فيها، جعلوا على الميمنة قُطْبَة بن قتادة العذري، وعلى الميسرة عباد بن مالك الأنصاري. ثم التقى الناس واقتتلوا، فاستشهد زيد، وأخذ الراية جعفر، فاقتحم عن فرس له شقراء، ثم عقرها، ثم قاتل حتى أكرمه الله بالشهادة، وهو ينشد:

«يا حَبَّذَا الجنَّةُ واقترابها

والرومُ روم قد دنا عَذابُها

طيبةً وباردًا شرابُها

كافرةً بعيدةً أنسابُهَا

عليَّ إذ لاقيتها ضِرابُها»

[ابن إسحاق، مرة مرسلًا حسنًا، ومرة متصل حسن]

وروى ابن هشام أن جعفرًا أخذ اللواء بيمينه فقطعت، فأخذه بشماله فقطعت، فاحتضنه بعضديه حتى قتل، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، فأثابه الله بذلك جناحين في الجنة يطير بهما حيث شاء. [المجمع، من حديث ابن إسحاق، حسن].

ثم قال ابن هشام: (ويقال إن رجلًا من الروم ضربه يومئذ ضربة فقطعه نصفين). وقد ذكر الواقدي وابن سعد عدة روايات في الحالة التي وجد عليها جعفر بعد استشهاده. ففي رواية أنه وجد في أحد نصفيه ثلاثون أو بضعة وثلاثون جرحًا، وفي رواية ثالثة أنه وجد في بدنه أكثر من ستين جرحًا وطعنة، قد أنفذته. وثبت في الصحيح [البخاري]، أنه قد وجد في جسده بضع وتسعون من طعنة ورمية.

روى ابن إسحاق [في السيرة، بسند حسن] وغيره أنه لما قتل جعفر أخذ ابن رواحة الراية، ثم تقدم بها وهو على فرسه، ثم تردد بعض التردد، ثم قال مرتجزًا:

«أقسمتُ يا نفسُ لتنزلنَّه

إن أجلبَ الناسُ وشدوا الرَّنَّة

قد طال ما قد كنت مطمئنة

لتنزلن أو لتكرهنَّه

ما لي أراك تكرهين الجنة

هل أنت إلا نطفةٌ في شَنَّة

[أجلب: أي صاحوا واجتمعوا؛ والرنة: صوت فيه ترجيح شبه البكاء؛ النطفة: الماء القليل الصافي؛ شنة: القبة القديمة].

وقال أيضًا:

يا نفسُ إلّا تُقْتَلِي تموتي

وما تمنيت فقد أعطيت

هذا حِمام الموت قد صُلِيْتِ

إن تفعلي فعلهما هُديتِ

[يعني زيدًا وجعفرًا]

ثم نزل ساحة الوغى. فلما نَزل أتاه ابن عم له بعظم عليه بعض اللحم، وطلب منه أن يشد به صلبه لما لاقاه من أيامه تلك من الشدة، فلما أخذ من هذا العظم شيئًا يسيرًا، سمع الكسرة من ناحية الناس فقال: وأنت في الدنيا! ثم ألقاه وأخذ سيفه فقاتل حتى قتل، فنال الشهادة التي كان يتمناها. وقد ظهر ذلك في موقفه عندما حث الناس على لقاء العدو، على الرغم من كثرته، وعندما ترجم مشاعره في أشعاره التي ذكرنا، وفي قوله لربيبه الذي كان في حجره ورديفه إلى مؤتة، زيد بن أرقم، الذي سمعه يترنم بأبيات من الشعر، يشتهي فيها الشهادة، فبكى زيد، فخفقه ابن روحة بالدرة، وقال له: «ما عليك يا لُكَع أن يرزقني الله شهادة وترجع بين شُعْبَتي الرحل». [ابن إسحاق، ولُكَع: الصغير].

ثم أخذ الراية بعده ثابت بن أَقْرَم، وطلب من المسلمين أن يصطلحوا على رجل منهم، فرشحوه، فرفض، فاصطلحوا على ابن الوليد. فأخذ الراية، وتمكن من الانسحاب. [ابن إسحاق، حسن].

روي أنه لما قتل ابن رواحة مساء بات خالد، فلما أصبح غدًا، وقد جعل مقدمته ساقته، وساقته مقدمته، وميمنته ميسـرته، وميسـرته ميمنته، أنكر الأعداء ما كانوا يعرفون من رايات وهيئة المسلمين، وقالوا: قد جاءهم مدد، فرعبوا، فانكشفوا منهزمين، فقتلوا مقتلة لم يقتلها قوم [الواقدي]. وانكسرت يومئذ في يد خالد بن الوليد تسعة أسياف [البخاري]، مما يدل على شدة القتال قبل أن ينسحب من ميدان القتال.

ومما يؤكد مباشرة المسلمين القتال قبل الانسحاب، ما رواه مسلم وغيره من حديث عَوْف بن مالك أن رجلًا من أهل اليمن رافقه في هذه السرية، فقتل روميًا وأخذ سَلَبَه، فاستكثره خالد، فشكاه اليمني إلى رسول الله .

ومما ظهر من معجزات الرسول في أمر هذه السرية أنه نعى زيدًا وجعفرًا وابن رواحة قبل أن يأتيه خبرهم، وعيناه تذرفان الدموع، وأخبرهم بأخذ خالد للراية وبشرهم بالفتح على يديه، وسماه يومئذ سيف الله [البخاري]. وحزن رسول الله لما وقع لهم [نفسه]. ثم بعد ذلك قدم بخبرهم يَعْلَى بن أمية، ولم يزد ما جاء به عما قاله الرسول لأصحابه [البداية، من حديث ابن عقبة]. وفي رواية أن عامر الأشعري هو الذي أخبر النبي بمصابهم. [الطبراني].

ومع ضراوة هذه المعركة، وكثرة أعداد جيش العدو، إلا أنه لم يستشهد من المسلمين سوى اثني عشر رجلًا [ابن إسحاق، ابن هشام الواقدي] كحد أقصـى، أما الأعداء، فلم يعرف عدد قتلاهم، غير أن وصف المعركة يدل على كثرتهم.

وكان لشهداء مؤتة مكانة عظيمة عند الله تعالى، ولذا قال الرسول : «ما يسـرني أو قال ما يسرهم أنهم عندنا». [البخاري].

أما ما روى ابن إسحاق [من مرسل عروة] من أن الناس قالوا لجيش مؤتة: «يا فرار، فررتم في سبيل الله...»، فقد قال ابن كثير[البداية] عن هذه الرواية: (وعندي أن ابن إسحاق قد وهم في هذا السياق، فظن أن هذا الجمهور الجيش، وإنما كان للذين فروا حين التقى الجمعان، وأما بقيتهم فلم يفروا، بل نصـروا كما أخبر بذلك رسول الله المسلمين، وهو على المنبر في قوله: «ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله، ففتح الله على يديه»، فما كان المسلمون ليسموهم فرارًا بعد ذلك، وإنما تلقوهم إكرامًا وإعظامًا، وإنما كان التأنيب وحثي التراب للذين فروا وتركوهم هناك، وكان فيهم عبدالله بن عمر رضي الله عنهما).

وساق ابن كثير أدلة على أن جمهور المسلمين لم يفروا، بل فرت مجموعة من المسلمين، من ذلك حديث عبد الله بن عمر عند أحمد [المسند، حسن]، الذي فيه أنه كان ممن فر وخشوا القتل إن هم دخلوا المدينة، فهموا أن يركبوا البحر، ثم أخيرًا قرروا عرض أنفسهم على الرسول ، واعترفوا بفرارهم، فقال لهم: «لا بل أنتم العكارون، أنا فيئتكم، وأنا فيئة المسلمين»، وفي رواية قال لهم: «لا بل أنتم الكرارون».

وجيء بأبناء جعفر رضي الله عنه، فداعبهم رسول الله ، وأمر بحلق رؤوسهم، ودعا لهم، وقال لأمهم عندما جاءته تذكر يتمهم: «الَعَيْلَةَ تخافين عليهم أنا وليهم في الدنيا والآخرة؟» [أحمد: المسند، صحيح؛ ابن ماجه، حسن]. ولما جاء نعي جعفر، قال رسول الله : «اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم أمر يشغلهم، أو أتاهم ما يشغلهم». [أحمد: المسند، صحيح].

أحكام وحكم ودروس وعبر من أحداث هذه السرية:

1- إن في تعيين الرسول لثلاثة أمراء على جيش سرية مؤتة، لدليل على جواز تعليق الإمارة بشرط، وتولية عدة أمراء بالترتيب. [ابن حجر: الفتح].

2- في نعي الرسول الأمراء الثلاثة قبل مجيء خبرهم، فيه جواز الإعلام بموت الميت ولا يكون ذلك من النعي المنهي عنه، وفيه علم ظاهر من أعلام النبوة. [نفسه].

3- في تأمير المسلمين لخالد بعد استشهاد الأمراء الثلاثة دليل على جواز الاجتهاد في حياة الرسول . [نفسه].

4- إن ظهور الحزن على رسول الله عندما جاءه خبر استشهاد الأمراء الثلاثة لدليل على ما جعله الله فيه من الرحمة ولا ينافي ذلك الرضا بالقضاء.

ويؤخذ منه ظهور الحزن على الإنسان إذا أصيب بمصيبة لا يخرجه عن كونه صابرًا راضيًا إذا كان قلبه مطمئنًا، بل قد يقال إن من كان ينزعج بالمصيبة ويعالج نفسه على الرضا والصبر أرفع رتبة ممن لا يبالي بوقوع المصيبة أصلًا [نفسه].

5- أفاد المسلمون دروسًا وخبرات عظيمة من هذا اللقاء الأول مع الروم في مستقبل جهادهم معهم، حيث تعرفوا على عددهم وعدتهم وخططهم العسكرية وطبيعة أرضهم التي وقع فيها القتال. [العمري: المجتمع].

6- إن في مواقف الأمراء الثلاثة دليل على مدى قوة الإيمان الذي يحرك الصحابة رضي الله عنهم نحو ميادين الجهاد.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة