الفصل التاسع عشر: أبرز السرايا بين سرية مُؤْتة وغزوة فتح مكة
المبحث الأول: سرية ذات السلاسل
بعد عودة سرية مؤتة إلى المدينة بأيام قليلة، وبالتحديد في جمادى الثانية من سنة ثمان هجرية كما ذكر ابن سعد، بلغ الرسول ﷺ أن قضاعة بدأت تتجمع مرة أخرى تريد الدنو من المدينة، فأرسل إلى عمرو بن العاص، فلما جاءه قال له: «... إني أريد أن أبعثك على جيش فيسلِّمك الله ويغنمك، وأرغب لك من المال رغبة صالحة»، فقال له عمرو: «يا رسول الله، ما أسلمت من أجل المال، ولكن أسلمت رغبة في الإسلام وأن أكون مع رسول الله ﷺ »، فقال يا عمرو: «نِعم المال الصالح للمرء الصالح» [أحمد: المسند؛ صحيح؛ البخاري: الأدب، صحيح]. ثم بعثه في ثلاثمئة من المهاجرين والأنصار ليقضى عليهم في ديارهم، وأمره أن يستعين ببعض فروع قضاعة من بَلِّي وعذرة وبَلْقَيْن على ذلك العدو، لأن أم عمرو كانت من بلي، وفي ذلك استئلاف لهم. وعندما وصل في مسيره إلى ماء بأرض جذام، يقال له السَّلسَل - وبه سميت السرية - بلغه كبر جمعهم، فأرسل رافع بن مَكِيث الجُهَنِي إلى الرسول ﷺ، فأمده بمائتين من المهاجرين والأنصار، عليهم أبو عبيدة عامر بن الجراح، وفيهم أبو بكر وعمر، وطلب من عمرو وأبي عبيدة أن يتطاوعا. وعندما أصر عمرو على تولي الإمامة في الصلاة، لم يرد أبو عبيدة أن يخالفه في هذا، امتثالًا لوصية الرسول ﷺ. [ابن إسحاق؛ عروة؛ ابن سعد؛ الواقدي].
في حديث أحمد [المسند، من مرسل الشعبي] أن النبي ﷺ استعمل أبا عبيدة على المهاجرين وعمرو بن العاص على الأعراب، وأمرهم بالإغارة على بكر، فانطلق عمرو فأغار على قضاعة لأن بكرًا أخواله، فأطاعه أبو عبيدة، ولم يخالفه أبو عبيدة في ذلك لأنه لم يرد الخلاف. ويستبعد هذا التعليل الذي ساقه الشعبي.
وسار عمرو بالناس حتى وطئ بلاد بَلِّي ودوخها، حتى أتى أقصـى بلادهم وبلاد عُذْرَة وبَلْقِين، ولقي في آخر ذلك جمعًا، فحمل عليهم المسلمون، فهربوا، فعاد بعد هذا إلى المدينة. [ابن سعد، الواقدي].
وفي طريق العودة احتلم عمرو في ليلة باردة فتيمم ولم يغتسل غسله للجنابة، خشية البرد، مستندًا إلى قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴿ ٢٩ ﴾ ﴾ [النساء:29]. ثم صلى بالناس، وقد أقر الرسول ﷺ هذا الاجتهاد منه. [أبو داود، صحيح؛ البيهقي: الدلائل والسنن، بسند قوي؛ البخاري، معلقًا].
وعندما أصابهم برد أمرهم عمرو بألَّا يوقدوا نارًا ولا يتبعوا العدو، واعترض بعض المسلمين على ذلك، وعندما شكوه إلى رسول الله ﷺ [ابن عساكر؛ ابن حبان في صحيحه] قال عمرو: «كان في أصحابي قلة فخشيت أن يرى العدو قلَّتهم عندما يوقدون النار، ونهيتهم أن يتبعوا العدو مخافة أن يكون لهم كمين»، فأعجب ذلك رسول الله ﷺ.
فوائد فقهية في أحداث هذه السرية:
1- إن في خبر تأمير عمرو بن العاص على جيش فيه أبو بكر الصديق رضي الله عنه دليلًا على جواز تأمير المفضول على الفاضل، إذا امتاز المفضول على الفاضل بصفة تتعلق بتلك الإمارة أو الولاية [ابن حجر: الفتح]. فعمرو خبير حرب.
2- وفي حديث تيمم عمرو جواز التيمم لمن يتوقع الهلاك من استعمال الماء البارد.
3- وفيه جواز صلاة المتيمم بالمتوضئين.
4- جواز الاجتهاد في زمن الرسول ﷺ كما في خبر تيمم عمرو وصلاته وهو جنب. [زاد المعاد].
المبحث الثاني: سرية أبي قتادة إلى بَطْن إضَم
[بين ذي خشب وذي المروة، وبينها وبين المدينة ثلاثة برد]
بعث رسول الله ﷺ سرية إلى إضم فيها أبو قتادة ومُحَلِّم بن جَثَّامَة بن قيس، حتى إذا كانوا ببطن إضم مر بهم عامر بن الأَضْبَط الأشجعي، فسلم عليهم بتحية الإسلام، فأمسكوا عنه، ومع ذلك حمل عليه محلم فقتله لشيء كان بينهما، وأخذ بعيره ومتاعه، وفي ذلك نزل قول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ [النساء:94] [ابن إسحاق، حسن]. وقيل إن رسول الله ﷺ قد رفض أن يستغفر لمحلم عندما طلب منه ذلك وهم بحنين. [ابن إسحاق، حسن].
وقالوا إنه عندما مات بعد سبعة أيام من هذا دفنوه فلفظته الأرض مرتين فما كان من قومه إلا أن وضعوه بين جبلين، ثم رصوا فوقه الحجارة حتى واروه، فقال الرسول ﷺ عندما بلغه ذلك: «والله إن الأرض لتطابق على من هو شر منه، ولكن الله أراد أن يعظكم في حُرْم ما بينكم بما أراكم منه». [الطبري: التفسير، حسن لغيره].
وقد ذكر المحدثون أكثر من سبب في نزول هذه الآية. فقد روى البخاري أنها نزلت في مسلمين مر بهم رجل في غُنَيْمَتِه، وألقى إليهم السلام، فقتلوه، وأخذوا غنيمته، ورواه بنحو مثل رواية البخاري: أحمد [المسند، صحيح]، والترمذي [حسن]، والحاكم [حسن].
وروى البزار [في البداية] بسنده إلى ابن عباس أنها نزلت في المقداد بن الأسود، عندما بعث في سرية وتفرق العدو وبقي رجل معه مال كثير، وشهد أن لا إله إلا الله، فقتله المقداد، فقال رسول الله ﷺ للمقداد: «كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار، فأظهر إيمانه فقتلته، وكذلك كنت تخفي إيمانك بمكة قبل».
ويبدو من هذه التفاسير أن الحادثة قد تكررت، وأن الآية نزلت في غير واحد. [تفسير ابن كثير].
وكانت هذه السرية في أول شهر رمضان سنة ثمان من الهجرة. [ابن إسحاق؛ حسن؛ ابن سعد، الواقدي].
وذكر الواقدي عن سبب بعث هذه السرية أن رسول الله ﷺ عندما أراد غزو مكة بعث أبا قتادة في ثمانية إلى بطن إضم، ليظن الظان أن رسول الله ﷺ متوجه إلى تلك الناحية، ولتذهب بذلك الأخبار.
1- إن في قول رسول الله ﷺ للمقداد: «كذلك كنت تخفي إيمانك قبل» لفتة كريمة إلى أنه لا ينبغي للإنسان إذا اجتمعت له أسباب القوة أن ينسى أيام ضعفه، فإنه إن فعل استبد به الغرور، وملكه الأشر والبطر. [حاشية محققي تفسير ابن كثير].
كان من ضمن شروط صلح الحديبية أنه من شاء أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل، ومن شاء أن يدخل في عهد قريش وعقدهم دخل، فدخلت خزاعة في عقد محمد ﷺ وعهده، ودخلت بنو بكر في عقد قريش وعهدهم. فمكثوا في تلك الهدنة نحو السبعة عشر أو الثمانية عشر شهرًا، ثم إن بني بكر وثبوا على خزاعة ليلًا بماء يقال له (الوَتير)، وهو قريب من مكة، وقالت قريش: «ما يعلم بنا محمد، وهذا الليل وما يرانا أحد»، فأعانوهم على خزاعة بالكُراع والسلاح، وقاتلوهم معهم للضغن على رسول الله ﷺ. فاستنجدت خزاعة بالمسلمين، وقدم عمرو بن سالم الخزاعي إلى المدينة، فأنشد أبياتًا من الشعر أمام رسول الله ﷺ يستنصره، فقال رسول الله ﷺ: «نصرت يا عمرو ابن سالم». فما برح حتى مرت بهم سحابة، فقال رسول الله ﷺ: «إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب». [ابن إسحاق، حسن لذاته].
ويذكر ابن إسحاق أن بني بكر لم يتركوا مطاردة خزاعة وقتلهم حتى داخل الحرم، وبلغ عدد قتلى خزاعة عشرين رجلًا. [الواقدي].
وذكر موسى بن عقبة [في البداية] أن الذين أعانوا بني بكر على خزاعة من أشراف قريش: صفوان بن أمية، وشيبة بن عثمان، وسهيل بن عمرو، وأن الإغاثة كانت بالسلاح والرقيق.
وفي رواية لابن حجر في المطالب العالية وأخرى في الفتح إشارة إلى رسول الله ﷺ أرسل إلى قريش يخيرهم بين دفع دية قتلى خزاعة أو البراءة من حلف بني بكر أو الحرب، فاختارت قريش الحرب.
ولأن هذا التصرف من قريش يعد نقضًا لمعاهدة وصلح الحديبية، فقد ندمت قريش على فعلتها، ولذا عندما انصرف ضمرة، أرسلت أبا سفيان إلى المدينة لتجديد المعاهدة [ابن حجر: الفتح، من حديث ابن عائذ]. والمشهور أن قريشًا عندما خافت من نتائج فعلتها، كانت هي التي بادرت بإرسال أبي سفيان إلى المدينة قبل أن يبلغ المسلمين الخبر، وعندما جاء إلى المدينة لم يتصل بالرسول ﷺ مباشرة، بل ذهب إلى أبي بكر ثم عمر ثم فاطمة ثم علي فردوه جميعًا، وأغلظ عليه عمر فعاد إلى مكة خائبًا [ابن إسحاق، حسن]. ونص قول عمر رضي الله عنه: «أنا أشفع لكم إلى رسول الله ﷺ ؟ فوالله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به» [البيهقي، الدلائل، حسن]. وفي رواية الواقدي: «والله لو وجدت الذر تقاتلكم لأعنتها عليكم، قال أبو سفيان: جزيت من ذي رحم شرًا». [والذر: صغار النمل].
وكان أبو سفيان عندما قدم إلى المدينة، دخل على ابنته أم حبيبة، زوج النبي ﷺ، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله ﷺ طوته عنه، فقال: «يا بُنَيَّة، ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش أم رغبت به عني؟ قالت: «بل هو فراش رسول الله ﷺ، وأنت رجل مشرك نجس، ولم أحب أن تجلس على فراش رسول الله ﷺ ». قال: «والله لقد أصابك يا بنية بعدي شر». ثم خرج حتى أتى رسول الله ﷺ فكلمه، فلم يرد عليه شيئًا. [ابن إسحاق، حسن].
وأمر رسول الله ﷺ أهله بالجهاز، ولم يسم لهم الجهة التي يقصدها، ثم أعلمهم بعد ذلك أنه سائر إلى مكة، وأمرهم بالجد والتهيؤ، وقال: «اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها»، فتجهز الناس، وقال حسان في ذلك شعرًا يحرض الناس ويذكر مصاب خزاعة. [ابن إسحاق، حسن].
واستنفر الرسول ﷺ القبائل التي حول المدينة: سُلَيمًا وأشجع ومزينة وأسلم وغفارًا. فمنهم من جاءه وهو بالمدينة ومنهم من لحقه بالطريق إلى مكة، حتى بلغ جيش المسلمين عشـرة آلاف مقاتل [البخاري، ابن إسحاق حسن]، ولم يتخلف أحد من المهاجرين والأنصار. [ابن إسحاق، حسن].
وبلغ ما حشدته مزينة من رجالها ألف مقاتل، وسليم كذلك ألفًا أو سبعمائة [نفسه].
ولما تهيأ الرسول ﷺ إلى الخروج، أرسل حاطب بن أبي بلتعة البدري كتابًا مع امرأة إلى ناس بمكة من المشركين يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ. فبعث النبي ﷺ عليًا والزبير والمقداد في أثرها، وقال لهم: «انطلقوا حتى تأتوا روضة خَاخ فإن بها ظَعِيْنَة معها كتاب فخذوه منها». وعندما أدركوها في المكان المشار إليه، طلبوا منها إخراج الكتاب فأنكرت وجوده معها، فقالوا لها: «لَتُخْرِجَنَّ الكتاب أو لنلقين بالثياب»، فأخرجته من عِقَاصِها [ضفائر شعرها]. فأرسل الرسول ﷺ إلى حاطب، فقال له: يا حاطب، ما هذا؟»، قال: «يا رسول الله، لا تعجل عليَّ، إني كنت امرءًا مُلْصَقًا في قريش حليفًا، ولم أكن من أنفسها. وكان من معك من المهاجرين ممن لهم قرابات يحمون أهليهم، وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدًا يحمون بها قَرَابتي، ولم أفعله ارتدادًا عن ديني ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام». فقال رسول الله ﷺ: «أما إنه قد صَدَقَكُم»، فقال عمر: «يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق»، فقال النبي ﷺ: «إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك لعل الله اطلع على من شهد بدرًا وقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»، فأنزل الله الآيات: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ ۙ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي ۚ تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ ۚ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴿ ١ ﴾ ﴾ [الممتحنة:1] [متفق عليه]، وفي رواية: فدمعت عينا عمر، وقال: «الله ورسوله أعلم». [البخاري].
خرج رسول الله ﷺ وأصحابه من المدينة في طريقهم إلى مكة، في رمضان سنة ثمان من الهجرة، وكانوا صيامًا، حتى بلغوا كُدَيْدًا، فأفطر، وأفطر الناس. [متفق عليه].
والذي اتفق عليه أهل السير والمغازي أنه خرج في عاشر رمضان، ودخل مكة لتسع عشرة ليلة خلت منه [ابن إسحاق، حسن].
واختلفوا في تاريخ الفتح ما بين ثنتي عشرة وثلاث عشرة وست عشرة وسبع عشرة وثمان عشرة وتسع عشرة، من رمضان، واتفقوا على أنه في رمضان سنة ثمان، كما جاءت بذلك الروايات عند مسلم. [مسلم؛ ابن سعد].
واستخلف رسول الله ﷺ على المدينة أبا رُهْم، كُلثوم بن حصين بن عتبة بن خلف الغفاري. [ابن إسحاق، حسن].
وقبل دخول الرسول ﷺ مكة جاءه بعض زعماء قريش فأعلنوا إسلامهم، منهم ابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، أخو الرسول ﷺ من الرضاعة، وقد جاءه بالأبواء، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، وقد جاءه بين السقيا والعَرْج. وكانا من ألد خصوم الإِسلام خاصة أبو سفيان الذي ظل على مدى عشرين سنة يهجو المسلمين ويقاتلهم في كافة الحروب، ولكنه عندما أسلم كانت له مواقف بطولية في الدفاع عن الرسول ﷺ، لا سيما موقفه يوم حنين، حين فر الناس، فصمد مع الرسول ﷺ صمودًا مشهودًا [ابن إسحاق، حسن]، وسيأتي خبر ذلك في مكانه. أما عبد الله بن أمية، أخو أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنهما لأبيها، فقد دافع عن الإسلام بقوة واستشهد في حصار الطائف. [الاستيعاب].
ولقيه ببعض الطريق عمه العباس [ابن إسحاق، حسن]، وذكر ابن هشام أن ذلك كان بالجُحْفَة، وهو مهاجر بعياله إلى المدينة.
وقيل إن العباس أسلم قبل بدر [ابن سعد]، بل قيل قبل الهجرة إلى المدينة [نفسه]. قال ابن حجر [في الفتح]: (وكان إسلامه على المشهور قبل فتح مكة - يعني حين سار الرسول ﷺ إلى مكة فاتحًا -، وقيل قبل ذلك، وليس ببعيد، فإن حديث أنس في قصة الحجاج بن علاط ما يؤيد ذلك). ففي القصة أن العباس عندما سمع برواية الحجاج عن انهزام المسلمين يوم خيبر واستباحتهم وأسر الرسول ﷺ، قعد ولم يستطع القيام من هول الخبر على نفسه، وأخذ ابنًا له يشبه الرسول ﷺ يقال له قَثَم، فاستلقى ووضعه على صدره، وهو يقول: «حبي قثم شبيه ذي الأنف الأشم، نبي رب ذي النعم، برغم أنف من رغم». وأرسل غلامًا له إلى الحجاج بن علاط يستعلمه الخبر، فطمأن الحجاج الغلام. وعندما جاء الغلام وبشر العباس، وثب فرحًا، حتى قبل بين عينيه. وعندما أخبره بما قال الحجاج أعتقه، وعندما جاء المسلمون أخبرهم الخبر، وسروا بذلك سرورًا عظيمًا وزالت عنهم الكآبة [عبد الرزاق؛ أحمد؛ ابن حبان؛ البزار؛ النسائي، وأسانيدهم صحيحة].
وقد جزم ابن عبد البر [في الاستيعاب] بإسلامه قبل خيبر، استنادًا إلى حديث الحجاج بن علاط هذا.
ويقول ابن حجر [في الفتح] في ترجيحه إسلام العباس قبل فتح مكة (....وأما قول أبي رافع في قصة بدر: كان الإِسلام دخل علينا أهل البيت فلا يدل على إسلام العباس حينئذ، فإنه كان ممن أسر يوم بدر ففدى نفسه وعقيلًا ابن أخيه أبي طالب، ولأجل أنه لم يهاجر قبل الفتح لم يدخله عمر في أهل الشورى مع معرفته بفضله واستسقائه به...).
والذي أرجحه هو ما ذهب إليه ابن عبد البر أن العباس أسلم قبل فتح خيبر، وكان يكتم إسلامه بأمر الرسول ﷺ لمصلحة الدعوة وخاصة تزويد الرسول ﷺ بأخبار قريش.
تجمعت جيوش المسلمين بمَر الظَهران - مكان بين مكة والمدينة - ولم تكن الأنباء قد وصلت قريشًا بعد، ولكنهم كانوا يتوقعون أمرًا بسبب فشل سفارة أبي سفيان إلى المدينة حين أعانوا بني بكر على خزاعة، فأرسلوا أبا سفيان وحَكيم بن حِزام وبُدَيل ابن وَرْقَاء ليتحسسوا الأخبار عن الرسول ﷺ، فالتقى بهم العباس راكبًا بغلة الرسول ﷺ وكان يريد أن يرسل إلى قريش رسولًا يطلب منهم أن يخرجوا لمصالحة الرسول ﷺ، قبل أن يدخل عليهم مكة، وكانوا ثلاثتهم يتحدثون في أمر الجيش المعسكر بمر الظهران وكثرة نيرانه، وقد ظن بديل أنها خزاعة، وعارضه أبو سفيان في هذا، فأخبرهم العباس بأنه جيش المسلمين، فوافقه، وأردفه على البغلة، ولما رآه عمر أراد قتله، ولكن الرسول ﷺ صرفه عن هذا، وعندما أدخل العباس أبا سفيان على الرسول ﷺ، أخذ يدعوه إلى الإِسلام شطرًا كبيرًا من تلك الليلة، فألان القول وتردد، فطلب الرسول ﷺ من العباس أن يأخذه معه إلى خيمته، ويأتي به في صباح اليوم التالي.
وفي الصباح قبل أبو سفيان الإسلام بعد تردد، وطلب العباس من الرسول ﷺ أن يجعل لأبي سفيان شيئًا، لأنه يحب الفخر، فوافق، وقال في إعلانه لأهل مكة: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن.....».
وأمر الرسول ﷺ العباس أن يحبس أبا سفيان عند مضيق الجبل حتى تمر به جنود الله فيراها، ففعل، حيث أوقفه على عدة وعدد المسلمين عندما كانت تمر بهما كتائب المسلمين بمر الظهران، حتى إذا مرت به كتيبة المهاجرين والأنصار، وفيهم رسول الله ﷺ، قال أبو سفيان للعباس: «والله لقد أصبح ملك ابن أخيك اليوم عظيمًا»، فقال العباس: «ويحك يا أبا سفيان، إنها النبوة»، قال أبو سفيان: «فنعم إذًا».
وعندما رأى أبو سفيان ما رأى، جاء إلى قومه وصرخ فيهم محذرًا لهم بأن لا قبل لهم بما جاء به محمد، وقال لهم ما قاله الرسول ﷺ: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه داره فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد. [ابن راهويه: المطالب العالية، صحيح؛ ابن إسحاق، حسن].
أما بديل وحكيم، رفيقا أبي سفيان، فقد أسلما بمجرد دخولهما على رسول الله ﷺ. [ابن سعد؛ الواقدي].
وعندما مرت كتيبة الأنصار بأبي سفيان، قال سعد بن عبادة، حامل رايتهم: «اليوم يوم الملحمة اليوم تُستحل الكعبة» [البخاري]، فاحتج أبو سفيان على هذا القول، فقال له الرسول ﷺ: «كذب سعد - أي: أخطأ - ولكن هذا يوم يعظم فيه الله الكعبة، ويوم تُكسى فيه الكعبة». وأخذ الراية من سعد ودفعها إلى ابنه قيس، ولكن سعدًا طلب منه أن يصرف ابنه عن الموضع الذي هو فيه، مخافة أن يُقدم على شيء يكرهه، فصـرفه عن ذلك [ابن حجر في الفتح ومختصر روائد البزار، بسند صحيح]، وقيل: إنه دفع الراية إلى الزبير بن العوام، فدخل الزبير مكة بلوائين [ابن حجر: المطالب؛ المجمع]، وجزم موسى بن عقبة في المغازي عن الزهري بأنه دفعها إلى الزبير. [ابن حجر: الفتح، البداية].
لقد ذكر الواقدي تفصيلًا دقيقًا لتوزيع الرايات والألوية على قادة الجيش الإسلامي، وأسماء الرسل الذين أوفدهم النبي ﷺ لاستنفار القبائل، وعدد أفراد الجيش الإسلامي وعدة كل قبيلة. وقد ثبت أن الرسول ﷺ عندما وصل مر الظهران عين القادة وقسم الجيش إلى ميمنة وميسرة وقلب، فكان ابن الوليد على المجنبة اليمنى والزبير على المجنبة اليسرى وأبو عبيدة على الرجالة [مسلم]. وكانت راية الرسول ﷺ سوداء ولواؤه أبيض. [ابن ماجه، حسن، أبو داود، حسن].
وقد جمعت قريش جموعًا من قبائل شتى ومن أتباعها لحرب المسلمين، وقالوا: نقدم هؤلاء، فإن كان لهم شيء كنا معهم، وإن أصيبوا أعطينا الذي سئلنا. فأمر رسول الله ﷺ بقتالهم، وسارت جيوشه حتى انتهت إلى الصفا، ما يعرض لهم أحد إلا قتلوه [مسلم]. وقاد هذا الجمع صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو، واختاروا الخَنْدَمَة ليقاتلوا فيها [ابن إسحاق، مرسلًا حسنًا؛ والخندمة: اسم جبل بمكة].
ودخل الرسول ﷺ مكة من أعلاها من جهة كَدَاءٍ [البخاري] خاشعًا شاكرًا يقرأ سورة الفتح ويرجع في قراءتها وهو على راحلته [البخاري]، ودخل ابن الوليد من أسفلها [الفتح]. والتحم خالد عند الخَنْدَمَة مع بعض المشـركين فاستشهد اثنان من فرسان المسلمين [البخاري]، وقيل: ثلاثة [ابن إسحاق، مرسلًا حسنًا]، وقيل: قتل من المشركين اثنا عشر رجلًا أو ثلاثة عشـر رجلًا - بالشك [مسلم]، وقيل قريب من عشرين رجلًا، ومن هذيل ثلاثة أو أربعة [البيهقي: السنن الكبرى، من مرسل ابن عقبة]، وقيل أربعة وعشرون من قريش وأربعة من هذيل [الواقدي؛ ابن سعد]، وقيل سبعون قتيلًا [الطبراني، حسن لغيره]. ومن القرائن التي ترجح رواية موسى بن عقبة - باعتبار أنه من رجال الجماعة وأوثق من ابن إسحاق وابن سعد والواقدي - قول أبي سفيان: «يا رسول الله، أبيحت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم». [مسلم].
والظاهر من الأحاديث أن هذا القتل الذي حدث لم يكن ليحدث لو احترم كل المشركين الأمان الذي أعلنه الرسول ﷺ لأهل مكة، ذلك الأمان الذي فسـره بعض الأنصار، بأنه رغبة النبي ﷺ في قريته ورأفة بعشيرته، فأخبره الوحي بما قالوا، فخاطبهم قائلًا: «كلَّا، إني عبد الله ورسوله. هاجرت إلى الله وإليكم، والمحيا محياكم والممات مماتكم»، فأقبلوا إليه يبكون ويقولون: والله! ما قلنا الذي قلنا إلا الظَنَّ بالله وبرسوله، فقال لهم: «إن اللهَ ورسولَه يُصَدِّقَانِكُم ويَعْذِرَانِكُم»، فأقبل بعض الناس إلى دار أبي سفيان والبعض الآخر أغلقوا عليهم أبوابهم. [مسلم].
لقد استثنى الرسول ﷺ من ذلك الإِعلان أربعة رجال وامرأتين إذ أعلن إهدار دمائهم ولو كانوا متعلقين بأستار الكعبة، والرجال هم: عكرمة بن أبي جهل [الواقدي]، وعبد الله بن خَطَل، [كان مسلمًا، فأرسله الرسول ﷺ مع أحد الأنصار مصدقًا، وكان معهما مولى له مسلم يخدمه، فعدا على مولاه فقتله؛ لأنه لم يصنع له طعامًا، ثم ارتد مشركًا، ابن إسحاق، معلقًا، وكان يهجو رسول الله ﷺ بالشعر، ابن حجر: الفتح)] ومِقْيَس بن صُبَابَة [قَتَلَ أنصاريٌ أخاه خطأ يوم المريسيع، فأُعْطِيَ الدية، ثم عدا على الأنصاري فقتله وهرب إلى مكة مرتدًا، ابن إسحاق، معلقًا، والبزار في الكشف، والطبراني في الأوسط، وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة في المصنف؛ والنسائي والحديث حسن لغيره]، وعبد الله بن سعد بن أبي سَرْح [كان قد أسلم وكتب الوحي، ثم ارتد: ابن سعد، والطبراني في الأوسط، وعبد الرزاق في المصنف والنسائي: انظر: الحاشية السابقة، وفيها بقية المعلومات، وابن إسحاق، معلقًا، وأبو داود، والحديث حسنًا لغيره.]، وقد قتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة [متفق عليه]، وقتل مقيس في سوق مكة، واختفى عكرمة وعبد الله بن سعد بن أبي السرح، حتى ضمنا الأمان من الرسول ﷺ، فجاءا مسلمين وحقنا دمهما [النسائي؛ حسن لغيره]. والمرأتان هما: فَرْتَنَى وسارة وقيل فَرْتَنَى وأخرى كانتا جارتين لابن خطل [ابن إسحاق، حسن لغيره]، وأن سارة كانت لعكرمة بن أبي جهل [ابن إسحاق]. وأما قينتا ابن خطل فقتلت إحداهما وهربت الأخرى حتى استؤمن لها، فأمَّنها رسول الله ﷺ. وأما سارة فكذلك هربت حتى استؤمن لها، وعاشت إلى زمان عمر فوطئها رجل بفرس فقتلها. [الفتح؛ ابن إسحاق، ابن هشام].
ويذكر ابن حجر أن عدد الذين أهدر الرسول ﷺ دماءهم تسعة من الرجال وست أو ثمانٍ من النساء، وذلك للاختلاف في القينتين، إذ يحتمل أن تكون أرنب وأم سعد هما القينتان. وممن ذكرهم من غير ما ذكرنا: الحُويْرِث بن نُقَيْذ، نخس بعير ابنتي رسول الله ﷺ فاطمة وأم كلثوم، يوم هجرتهما، فرمى بهما إلى الأرض فقتله علي، وهَبَّار بن الأسود الذي عَرَضَ لزينب بنت رسول الله ﷺ حين هاجرت، فنخس بعيرها حتى سقطت على صخرة، وأسقطت جنينها، ففر يوم فتح مكة، ثم أسلم وحسن إسلامه، والحارث ابن طَلاطِل الخزاعي، فقتله علي، وكعب بن زهير، وقد جاء بعد ذلك وأسلم، ووحشي ابن حرب، قاتل حمزة، هرب إلى الطائف، ثم جاء في وفد ثقيف، وأسلم وحسن إسلامه، وهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان، وقد أسلمت.
وذكر الواقدي أن الرسول ﷺ أمر بقتل ستة نفر وأربع نسوة: عكرمة وهبار وابن سعد ومقيس والحويرث وابن خطل وهند بنت عتبة وسارة مولاة عمرو بن هشام وقينتين لابن خطل.
وسبب إهدار النبي ﷺ دم هؤلاء كما هو واضح من سيرتهم، ما ألحقوه من أذى شديد وتنكيل بالمسلمين، وكان في إهدار دمهم عبرة للطغاة والمستهزئين بأرواح الأبرياء في كل زمان ومكان.
أحل الرسول ﷺ لخزاعة أن تثأر من بني بكر في اليوم الأول من الفتح حتى العصر، وذلك لما كان منهم بالوتير. وعندما دخل العصر أمر بكف السلاح عن بني بكر، وَبَيَّنَ حرمة مكة، وعندما قتلت خزاعة رجلًا من بني بكر في اليوم التالي بمزدلفة غضب رسول الله ﷺ غضبًا شديدًا، ودفع دية البكرى، وقال: إن من يقتل بعد ذلك قتيلًا فأهل القتيل بالخيار بين القصاص والدية. [أحمد، حسن؛ ابن إسحاق، حسن].
وذكر ابن إسحاق تفاصيل مقتل هذا البكري، واسمه ابن الأشوع الهذلي، وقتله خِراش بن أمية، ولقتله أحد فرسان خزاعة، واسمه أحمر.
وأعلن الرسول ﷺ العفو عن عامة أهل مكة، عندما اجتمعوا إليه قرب الكعبة ينتظرون حكمه فيهم، فقال لهم: «ما تظنون أني فاعل بكم؟» فقالوا: «خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم». فقال: «لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم» [الأموال، مرسلًا حسنًا؛ ابن إسحاق، يتقوى بغيره]. وفي رواية، أنه قال لهم: «اذهبوا فأنتم الطلقاء» [ابن إسحاق]، ولذا عرفوا في التاريخ بـ(الطلقاء).
وكان هذا الموقف من الرسول ﷺ لما نزل من القرآن: ﴿ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ۖ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ﴿ ١٢٦ ﴾ ﴾ [النحل:126]، وقال: «نصبر ولا نعاقب»، مختارًا العفو والصبر، تَفَضُّلًا واحتسابًا. [أحمد، حسن؛ الترمذي، حسن صحيح؛ الحاكم، صحيح].
وبيّن الرسول ﷺ للناس حرمة مكة وأنها لا تُغْزَى بعد الفتح، وأعلى من مكانة قريش، وأمر ألا يقتل قرشي صبرًا بعد يوم الفتح إلى يوم القيامة. [مسلم؛ أحمد، حسن].
واستثنى الرسول ﷺ مكة من معاملة البلاد التي تفتح عَنْوَة، وذلك لقدسيتها، فحرم القتل أو السبي فيها، وأبقى الأموال الثابتة والمنقولة في أيدي أصحابها، ولم يفرض عليها خراجًا، ولهذا ذهب جمهور الأئمة من السلف والخلف إلى أنه لا يجوز بيع أراضي مكة ولا إجارة بيوتها، يسكن أهلها فيما يحتاجون إليه من دورها، وما زاد عن حاجتهم فهو لسكنى الحجاج والمعتمرين والقاصدين المسجد الحرام، وذهب آخرون إلى جواز بيع أراضيها وإجارة منازلها، واستدلوا في ذلك بآثار قوية، بينما أدلة المانعين لذلك آثار مرسلة وموقوفة. [الزاد].
ونزل رسول الله ﷺ بقبة ضربت له بِالحَجُون، في المكان الذي تعاقدت فيه قريش على مقاطعة بني هاشم والمسلمين، وهو خَيْف بني كِنَانَة، ويعرف بالمُحَصَّب، لأن داره قد أخذها عقيل بن أبي طالب، وهو لا يرثه لأنه كافر [متفق عليه]، ولم يرث علي وجعفر شيئًا من الدور، لأنهما مسلمان، وقد مات أبوهما كافرًا. إضافة إلى أن عقيلًا وطالبًا باعا كل الدور. [البخاري].
وأمر الرسول ﷺ بتطهير البيت الحرام بإزالة الأصنام عنه، وشارك بيده في تكسيرها، وهو يقرأ: ﴿ قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ ﴿ ٤٩ ﴾ ﴾ [سبأ:49] و ﴿ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ﴿ ٨١ ﴾ ﴾ [الإسراء:81] [متفق عليه]، وكان عددها ستين وثلاثمئة [متفق عليه]. وكان بداخل الكعبة صُوَرٌ لإِبراهيم وإسماعيل وإسحاق، وهم يستقسمون بالأزلام، فلطخت بالزعفران، ولم يدخل الكعبة إلا بعد إخراجها منها وقال: «قاتلهم الله، ما كان إبراهيم يستقسم بالأزلام» [البخاري، أحمد، صحيح]، وفي رواية قال: «هذا إبراهيم مصور، فما له يستقسم؟ [البخاري]، وفي رواية أن صورة مريم أيضًا كانت داخل الكعبة [نفسه]. ووجد حمامة من عيدان فكسـرها، ورمى بها خارج الكعبة [ابن إسحاق، حسن]. وعندما طهرت الكعبة دخلها وصلى بها ركعتين [البخاري]، ثم خرج فأعطى مفتاح الكعبة لعثمان بن طلحة، وأبقى الحجابة في أيدي بني شيبة كما كانت في الجاهلية [عبد الرزاق، الفتح، والأسانيد تعتضد]. ثم استلم الحجر الأسود، وطاف بالبيت من غير إحرام، وكان على رأسه المغفر يوم دخل مكة، ثم لبس عمامة سوداء [متفق عليه]. وكان يستلم الركن بمحجنه [متفق عليه]، كراهة أن يزاحم الناس في طوافهم، وتعليمًا للأمة الإِسلامية.
وأمر بلالًا أن يؤذن، فعلا بلال على ظهر الكعبة فأذن عليها، فقال بعض بني سعيد ابن العاص: «لقد أكرم الله سعيدًا إذ قبضه قبل أن يرى هذا الأسود على ظهر الكعبة» [الذهبي: المغازي؛ البيهقي: الدلائل، صحيح]. وقال بعض زعماء قريش بنحو هذا. [الواقدي؛ ابن هشام].
وعندما تم تطهير البيت الحرام من الأصنام أرسل الرسول ﷺ بعوثًا إلى مناطق مختلفة لإزالة أكبر الأصنام التي بها. فقد أرسل خالد بن الوليد في ثلاثين رجلًا إلى بطن نخلة من ديار ثقيف لهدم العزى، صنم مضـر وقريش وكنانة، فهدمها [ابن إسحاق، ابن سعد، الواقدي]. وكان ذلك لخمس ليال بقين من رمضان [ابن سعد، الواقدي]. وأرسل سعد بن زيد الأشهلي في عشرين فارسًا إلى صنم مناة بالمُشَلَّل من ناحية قديد - وهو القديدية الآن - وهو صنم يعظمه العرب وخاصة الأوس والخزرج قبل إسلامهم، فهدمها [ابن سعد]، وذلك لست بقين من رمضان [نفسه]. وأرسل عمرو ابن العاص إلى سُواَع، صنم هُذَيل، فهدمها [نفسه]. وهذه الأصنام هي التي أشار إليها القرآن الكريم في الآية: ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ ﴿ ١٩ ﴾ وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ ﴿ ٢٠ ﴾ ﴾ [النجم: 19-20].
واجتمع الناس لمبايعة الرسول ﷺ على السمع والطاعة لله ورسوله، فلما فرغ من بيعة الرجال بايع النساء. واجتمع إليه نساء قريش فيهن هند بنت عتبة، زوج أبي سفيان، متنقبة متنكرة لما كان من صنيعها بحمزة رضي الله عنه يوم أحد، فلما دنون منه ليبايعنه، قال رسول الله ﷺ: «تبايعنني على أن لا تشركن بالله شيئًا، فقالت هند: والله إنك لتأخذ علينا أمرًا ما أخذته على الرجال سنؤتيكه، قال: ولا تسرقن، قالت: والله إن كنت لأصيب من مال أبي سفيان الهنة والهنة، وما أدري أكان ذلك حلًّا لي أم لا؟ فقال أبو سفيان وكان شاهدًا لما تقول: أما ما أصبت فيما مضى فأنت منه في حل، فقال ﷺ: وإنك لهند بنت عتبة؟، فقالت: أنا هند بنت عتبة، فاعف عما سلف عفا الله عنك. قال: ولا تزنين، قالت: وهل تزني الحرة؟ قال: ولا تقتلن أولادكن، قالت: قد ربيناهم صغارًا وقتلتهم يوم بدر كبارًا، فأنت وهم أعلم، فضحك عمر من قولها حتى اسْتَغْرَب [استلقى على قفاه - السبل]، قال: ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكن وأرجلكن، فقالت: والله إن إتيان البهتان لقبيح، ولبعض التجاوز أمثل. قال: ولا تعصينني في معروف، فقال رسول الله ﷺ لعمر: بايعهن، واستغفر لهن رسول الله ﷺ، فبايعهن عمر. وكان رسول الله ﷺ لا يصافح النساء ولا يمس امرأة ولا تمسه، إلا امرأة أحلها الله له». [الطبري: التاريخ من بلاغات قتادة السدوسي؛ ابن سعد، بسند صحيح من مرسل الشعبي وميمون بن مهران - كما قال ابن حجر في الإصابة، ترجمة هند بنت عتبة - وقالت بالمعنى أختها فاطمة بنت عتبة، كما روى ذلك الحاكم (2/ 486)، بسند صححه ووافقه الذهبي].
وقد ثبت في الصحيح أن الرسول ﷺ كان يبايع النساء بالكلام، بالآية: ﴿ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا ﴾ [الممتحنة:12]، وما مست يده يد امرأة أجنبية. [متفق عليه].
ذكرنا في فصل الشمائل، مبحث: (تواضعه ﷺ ) حديث البخاري الذي فيه: «وكانت الأمة من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله ﷺ فتنطلق به حيث شاءت»، قول ابن حجر في شرحه لهذا الحديث: (والتعبير بالأخذ باليد إشارة إلى غاية التصرف)، وقوله: (والمقصود من الأخذ باليد هو الرفق والانقياد).
وروي في غير الصحيحين قوله ﷺ: «إني لا أصافح النساء، إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة أو مثل قولي لامرأة واحدة» [أحمد؛ الترمذي؛ النسائي؛ ابن ماجه، الموطأ، صحيح].
وكان من أبرز نتائج هذا الفتح أن أخذت قبائل العرب وأفرادها يبادرون بإسلامهم، لأنهم كانوا ينتظرون نتيجة الصـراع بين المسلمين وقريش. فقد روى البخاري، من حديث عمرو بن سَلَمَة الجَرْمي، قوله: «وكانت العرب تَلَوَّمُ بإسلامِهِمْ الفَتْحَ، فيقولون: اتركوه وَقَوْمَهُ فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق، فلما كانت وقعة الفتح بادر كل قوم بإسلامهم...». وكانت هذه النظرة لقريش لأنها كانت زعيمة العرب وحامية البيت وصريح ولد إسماعيل وناصبة الحرب لرسول ﷺ فلما افتتحت مكة، ودانت قريش لرسول الله ﷺ ودوخها الإِسلام عرفت العرب أنه لا طاقة لهم بحرب رسول الله ﷺ وعداوته، فدخلوا في دين الله أفواجًا، كما قال عز وجل: ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ﴿ ١ ﴾ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا ﴿ ٢ ﴾ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ﴿ ٣ ﴾ ﴾ [النصر:1-3] [ابن إسحاق].
وخطب الرسول ﷺ أثناء إقامته بمكة عدة خطب، بيّن فيها أمورًا وأحكامًا مختلفة، ففي الخطبة الأولى، التي كانت على باب الكعبة، بيّن دية الخطأ شبه العمد، وألغى مآثر الجاهلية وثاراتها، واستثنى من أمور الجاهلية سقاية الحاج وسدانة البيت. [أحمد، حسن؛ أبو داود، صحيح].
وأعلن في الخطبة الثانية: «ألا إنه لا حلف في الإِسلام، وما كان من حلف في الجاهلية فإن الإِسلام لا يزيده إلا شدة. والمؤمنون يد على من سواهم، يجير عليهم أدناهم، ويرد عليهم أقصاهم، يرد سراياهم على قعيدتهم. لا يقتل مؤمن بكافر. دية الكافر نصف دية المسلم. لا جلب ولا خبب ولا تؤخذ صدقاتهم إلا في دورهم» [مسلم؛ أحمد صحيح الترمذي، صحيح]. [والجلب: أن يأتي الرجل بمن يصيح على فرسه ويزجره حثًا له على الجري حتى يسبق، والخبب: أن يسابق الرجل على فرسين يركب الأول فإذا فتر تحول إلى الثاني].
وأعلن في الخطبة الثالثة تحريم مكة، وتحريم صيدها وخلاها وشجرها ولُقَطَتُها وتحريم القتال فيها، وقال إن الله تعالى أحلها له ساعة من نهار، وهو وقت الفتح [متفق عليه]. وقال: لا هجرة بعد الفتح، ويبقى الجهاد والنية، ولذلك بايع النبي ﷺ المسلمين بعد الفتح على الإِسلام والإِيمان والجهاد، ولم يبايعهم على الهجرة. [متفق عليه].
وبين في الخطبة الرابعة أن من قتل له قتيل فهو بخير النظيرين، إما أن يودى وإما أن يقاد. [متفق عليه].
ومما يروى من أحداث الفتح أن أبا بكر جاء بأبيه إلى رسول الله ﷺ ورأسه ولحيته كالثَّغَامة [شجرة بيضاء الثمر والزهر، ينبت غالبًا بالجبال] بياضًا، فقال رسول الله ﷺ: «غيروهما وجنبوه السواد». [مسلم؛ أحمد، وغيرهما].
الأحكام والدروس والعظات والعبر المستفادة من غزوة الفتح:
1- جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر في غير معصية، فقد أفطر الرسول ﷺ عندما بلغ كديدًا، كما ذكرنا.
2- صلى النبي ﷺ صلاة الضحى ثمان ركعات خفيفات [متفق عليه]، فاستدل قوم بهذا على أنها سنة مؤكدة. [البخاري].
3- إن أحق المصلين بالإِمامة أكثرهم حفظًا للقرآن، كما في حديث عمرو بن سلمة. [البخاري].
4- قصر الصلاة الرباعية للمسافر، فقد أقام النبي ﷺ بمكة تسعة عشر يومًا يقصر الصلاة. [متفق عليه].
5- إقرار أمان وجواز النساء، حيث أمضى الرسول ﷺ جوار أم هانئ لرجلين من أحمائها. [متفق عليه].
6- تحريم نكاح المتعة إلى الأبد بعد إباحته لمدة ثلاثة أيام [مسلم]. ويرى النووي أنه وقع تحريمه وإباحته مرتين، إذ كان حلالًا قبل غزوة خيبر، فحرم يومها، ثم أبيح يوم الفتح، ثم حرم للمرة الثانية إلى الأبد. ويرى ابن القيم [في الزاد] أن المتعة لم تحرم يوم خيبر، وإنما كان تحريمها فقط يوم الفتح، وله في هذا مناقشة طويلة عند كلامه عن الأحكام الفقهية المستنبطة من أحداث غزوة خيبر وغزوة الفتح. والمتفق عليه أنها حرمت إلى الأبد بعد الفتح.
7- قرر الرسول ﷺ أن الولد للفراش وللعاهر الحجر كما جاء ذلك في حديث ابن وليدة زمعة بن زمعة. فقد تنازع فيه سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة، فقضـى فيه رسول الله ﷺ لعبد بن زمعة لأنه ولد على فراش أبيه [البخاري].
8- اعتبار عقد النكاح قائمًا بين الزوج المشرك والزوجة المسلمة، إذا أسلم الزوج قبل انقضاء عدة الزوجة، وذلك من خلال قصة صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل، إذ أسلمت زوجتاهما قبلهما، ثم أسلما قبل انقضاء عدتيهما. [الموطأ؛ ابن عساكر؛ ابن إسحاق، من مرسل الزهري،والحديث مشهور].
9- عدم جواز الوصية بأكثر من ثلث المال، كما في قصة سعد بن أبي وقاص حين مرضه واستشاره الرسول ﷺ في أن يوصي بأكثر من الثلث [البخاري؛ الترمذي، صحيح].
10- يجوز للمرأة أن تأخذ من مال زوجها لنفقتها ونفقة عياله بالمعروف دون علمه إذا امتنع عن النفقة، كما في خبر هند بنت عتبة. [متفق عليه].
11- تحريم بيع الخمر والميتة والأصنام.[البخاري].
12- جواز خضاب الشيب بالحناء أو الصفرة وتحريم خضابه بالسواد كما في قصة أبي قُحَافَة - والد أبي بكر الصديق رضي الله عنه - حين أمر الرسول ﷺ بتغيير شيبه [مسلم؛ أحمد، ابن إسحاق، بأسانيد صحيحة]. ومن حكمة ذلك أنه مخالفة لليهود والنصارى.
13- النهي عن الشفاعة في حدود الله بعد رفعها للإِمام كما في قصة المرأة المخزومية التي سرقت فتشفع فيها أسامة بن زيد، فغضب الرسول ﷺ منه، ثم قال: «إنما أهلك الناس قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها». [متفق عليه].
14- نهى رسول الله ﷺ عن قتل المرأة ما دامت لا تقاتل كما جاء مبينًا في قصة مروره بامرأة مقتولة يوم الفتح، فقال: «ما كانت هذه تقاتل...» [أحمد، يعتضد؛ الطبراني: الأوسط]، وجاء النهي عن قتل النساء والصبيان مطلقًا من غير مقيد بغزوة أو سرية معينة. [متفق عليه].
15- إبداء الرسول ﷺ تقديره لأبي بكر رضي الله عنه وذلك عندما أتى أبو بكر بأبيه يقوده، وهو كفيف، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: «هلا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه فيه؟ فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله، هو أحق أن يمشي إليك من أن تمشي إليه أنت، ثم أجلسه بين يديه، ثم مسح صدره ثم قال له: أسلم، فأسلم» [ابن إسحاق، حسن]. ويروى أن رسول الله ﷺ هنأ أبا بكر بإسلام أبيه. [الذهبي: المغازي، مرسلًا].
16- جواز دخول مكة بغير إحرام لمن لا يريد العمرة أو الحج، لأن الرسول ﷺ دخل مكة يوم الفتح محاربًا وعليه عمامة سوداء بغير إحرام. [متفق عليه].
17- إن أهل العهد إذا حاربوا - بعضهم أو جميعهم - من هم في ذمة الإِمام وجواره وعهده صاروا حربًا له بذلك، ولم يبق بينهم وبينه عهد، فله أن يبيتهم في ديارهم، ولا يحتاج أن يعلمهم على سواء، وإنما يكون الإِعلام إذا خاف منهم الخيانة، فإذا تحققها، صاروا نابذين لعهده. [الزاد].
18- إن قتل الجاسوس راجع إلى رأي الإِمام، فإن رأى في قتله مصلحة للمسلمين، قتله، وإن كان استبقاؤه أصح، أو وجدت علة مانعة، استبقاه كما في قصة حاطب. [نفسه].
19- جواز تجريد المرأة كلها وتكشيفها للحاجة والمصلحة العامة كما في قصة المرأة التي كانت تحمل رسالة حاطب، وموقف علي والمقداد منها. [متفق عليه].
20- إن الرجل إذا نسب المسلم إلى النفاق والكفر متأولًا وغضبًا لله ورسوله ﷺ ودينه لا لهواه وحظه، فإنه لا يكفر بذلك، بل لا يأثم به، بل يثاب على نيته وقصده. [نفسه].
21- جواز قتل المرتد الذي تغلظت ردته، ومن غير استتابة، كما في قصة عبد الله ابن أبي السرح.
22- أما ما يتعلق بأحكام الهجرة، فقد سبق ذكرها في فصل هجرة الرسول ﷺ وأصحابه إلى المدينة، وفي فصل هجرة المسلمين إلى الحبشة.