الفصل السادس والعشرون: المرض والوفاة
اشتكى رسول الله ﷺ بعد عودته من حجة الوداع في ليال بقين من صفر، أو في أول شهر ربيع الأول من العام الحادي عشر الهجري. [ابن إسحاق].
وطلب يومئذ من مولاه أبي مُوَيهِبَة أن يصحبه في جوف الليل إلى البقيع، لأنه أمر أن يستغفر لأهل البقيع، وعندما وقف بين أظهرهم قال: «السلام عليكم يا أهل المقابر، ليهنى لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، يتبع آخرها أولها، الآخرة شر من الأولى»، ثم أقبل على أبي مويهبة قائلًا: «يا أبا مويهبة إني قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها، ثم الجنة، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة». فقال أبو مويهبة: «بأبي أنت وأمي، خذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها، ثم الجنة»، فقال رسول الله ﷺ: «لا والله يا أبا مويهبة، لقد اخترت لقاء ربي والجنة»، ثم استغفر لأهل البقيع، ثم انصرف. [ابن إسحاق، حسن] إلى بيت عائشة، وتتام به وجعه وهو يدور على نسائه حتى اشتد به وجعه في بيت ميمونة. [ابن إسحاق، حسن]، فدعا نساءه فاستأذنهن في أن يمرض في بيت عائشة رضي الله عنها. [البخاري؛ ابن إسحاق، حسن]، واستغرق مرضه عشرة أيام. [الفتح: دلائل البيهقي صحيح]، ثم توفاه الله يوم الاثنين في الثاني عشر من ربيع الأول. [نفسه]. وقد تم له من العمر ثلاثة وستون عامًا. [البخاري؛ أحمد، صحيح].
[تمريض ﷺ النبي في بيته]
وكانت عائشة رضي الله عنها تقرأ بالمعوذتين والأدعية الكثيرة التي حفظتها من رسول الله ﷺ، وتنفث بذلك على نفسه، وتمسحه بيده رجاء البركة. [متفق عليه].
ويوم زادت درجة حرارة جسمه، طلب أن يصبوا عليه سبع قرب من ماء حتى يخرج للناس فيعهد إليهم، ففعلوا، حتى طفق يقول: «حسبكم حسبكم»، وعند ذلك أحس بخفة، فعصب رأسه ثم قام فدخل المسجد وجلس على المنبر، وخطب الناس قائلًا: «لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». وفي رواية: «قاتل الله اليهود والنصارى...». [متفق عليه]، وقال: «لا تتخذوا قبري وثنًا يعبد». [الموطأ]. وكانت هذه الوصية الخاصة بعدم اتخاذ القبور مساجد قبل أن يموت بخمس.
وعرض نفسه للقصاص قائلًا: «من كنت جلدت له ظهرًا فهذا ظهري فليستقد منه» - أي يقتص -، ثم نزل فصلى الظهر، ثم عاد لمنبره لمواصلة حديثة في الحقوق وغيرها، فقال رجل: «إن لي عندك ثلاثة دراهم»، فقال: «أعطه يا فضل». وقال آخر إنه غل ثلاثة دراهم، فقال: «خذها يا فضل». [البيهقي: الدلائل].
ثم أوصى الناس بالأنصار، قائلًا: «أوصيكم بالأنصار، فإنهم كَرْشِي وعَيبَتي، وقد قضوا الذي عليهم، وبقي الذي لهم، فاقبلوا من مُحسنهم، وتجاوَزوا عن مسيئهم». وقال في رواية أخرى: «إن الناس يكثرون، وتقل الأنصار، حتى يكونوا كالملح في الطعام، فمن ولي منكم أمرًا يضر فيه أحدًا أو ينفعه فليقبل من محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم». [متفق عليه].
ثم قال في آخر خطبة له: «إن عبدًا خيَّره الله بين الدنيا وبين ما عند الله، فاختار ما عند الله»، قال الراوي: «فبكى أبو بكر رضي الله عنه فعجبوا لبكائه، فكان المخير رسول الله ﷺ وكان أبو بكر أعلمهم بذلك»، فقال النبي ﷺ: «لا تبك يا أبا بكر، إن أَمَنَّ الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، لو كنت متخذًا خليلًا غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكن أخوة الإسلام ومودته، لا يبقين في المسجد باب إلا سُدَّ، إلا باب أبي بكر». [متفق عليه].
وعندما حضرته الوفاة واشتد به الوجع، وذلك يوم الخميس قبل الوفاة بأربعة أيام، قال للصحابة الذين كانوا حوله بالمنزل، وفيهم عمر: «هلموا اكتب إليكم كتابًا لن تضلوا بعده»، فقال عمر: «قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبكم كتاب الله»، فاختلفوا، فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم رسول الله ﷺ، ومنهم من يقول ما قال عمر. فلما أكثروا اللغط والاختلاف، قال رسول الله ﷺ: «قوموا عني». [البخاري].
وأوصى في ذلك اليوم بإخراج اليهود والنصارى والمشـركين من جزيرة العرب، وإجازة الوفود بنحو ما كان يجيزهم، ونسي الراوي الوصية الثالثة، ولعلها عامة وصيته حين حضره الموت وهي: «الصلاة وما ملكت أيمانكم». [أحمد، صحيح]، وفي لفظ: «الله الله، الصلاة وما ملكت أيمانكم»، كان يتكلم به وما يكاد يفيض. [ابن ماجه، صحيح؛ الذهبي: السيرة، صحيح]، وفي رواية أحمد: حتى جعل يُغَرْغِرُ بها صدره، وما يكاد يفيض بها لِسَانُه.
وقبل الوفاة بثلاث أوصى قائلًا: «أحسنوا الظن بالله عز وجل». [الذهبي: السيرة، صحيح]، ثم أخذ يثقله المرض ويمنعه من الخروج للصلاة بالناس فقال: «مروا أبا بكر أن يصلي بالناس»، فقالت عائشة: «يا رسول الله، إن أبا بكر رجل أسيف - أي رقيق - وإنه متى ما يقم مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر»، فقال: «مروا أبا بكر أن يصلي»، فقالت عائشة لحفصة: «قولي له إن أبا بكر رجل أسيف وإنه متى... فقال ﷺ: «إنكن لأنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر أن يصلي بالناس...» ولما لم يكن أبو بكر موجودًا في تلك اللحظات، دعا عبد الله بن زمعة عمر ليصلي بالناس، فعندما سمع الرسول ﷺ صوته، قال: «يأبى الله ذلك والمسلمون - مرتين -» فبعث إلى أبي بكر، فجاء فصلى بالناس. [أحمد، صحيح؛ الحاكم، صحيح].
وظل أبو بكر يصلي بالناس تلك الأيام، وفي أحدها وجد رسول الله ﷺ من نفسه خفة فخرج بين رجلين لصلاة الظهر، وأبو بكر يصلي بالناس، وعندما رآه أراد أن يتأخر، فأومأ إليه أن لا يتأخر، فأجلسه بجانبه، فجعل أبو بكر يصلي وهو قائم بصلاة رسول الله ﷺ والناس يصلون بصلاة أبي بكر. [متفق عليه].
وقبل يوم من وفاته، أعتق غلمانه. [ابن سعد، يعتضد، شاهده البخاري]، وتصدق بدنانير - ما بين التسعة والسبعة - كانت عنده. [ابن سعد، يتقوى]، وقال: «لا نورث ما تركنا صدقة...». [البخاري]، وفي رواية: «لا يقتسم ورثتي دينارًا، ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة». [نفسه]، ولذا لم يترك رسول الله ﷺ عند موته دينارًا ولا درهمًا ولا عبدًا ولا أمة إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها وسلاحه وأرضًا جعلها لابن السبيل صدقة. [البخاري].
واستعارت عائشة رضي الله عنها في الليل الزيت للمصباح من جارتها. [ابن رجب: مجالس من سيرة النبي ﷺ]، وكانت درعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعًا من الشعير. ولعل باقي هذه الثلاثين صاعًا هو ما ذكرته عائشة رضي الله عنها في قولها: «لقد توفي النبي ﷺ وما في رفي من شيء يأكله ذو كبد، إلا شطر شعير في رف لي، فأكلت منه حتى طال علي فأكلته ففني». [متفق عليه]. ولم تشر الروايات إلى ما تبقى من الثلاثين صاعًا في بيوت زوجاته الأخريات.
وكانت الأشياء مثل البغلة والحربة والكسوة والسلاح والسـرير وقفًا يتجمل به الأئمة المسلمون بعده ويتبركون به كما كان يتجمل به، وكان ذلك في أيدي الأئمة واحدًا بعد واحد. [حماد بن إسحاق: تركة النبي ﷺ].
وفي اليوم الذي مات فيه، فاجأ الرسول ﷺ المسلمين بكشف ستر حجرة عائشة، فنظر إليهم وهم يصلون الصبح، ثم تبسم، فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف، ظنًا منه أن الرسول ﷺ يريد أن يخرج إلى الصلاة، وهم المسلمون أن يفتنوا في صلاتهم فرحًا برسول الله ﷺ، فأشار إليهم بيده أن أتموا صلاتكم، ثم دخل الحجرة وأرخى الستر. [البخاري].
وعند الضحى دعا إليه ابنته فاطمة فسارها بشيء فبكت، ثم دعاها فسارها بشـيء فضحكت، فسئلت عن ذلك بعد وفاته ﷺ، فقالت: «سارني النبي ﷺ أنه يقبض في وجعه الذي توفي فيه فبكيت، ثم سارني فأخبرني أني أول أهله يتبعه - يلحقه - فضحكت». [متفق عليه]، وفي رواية أن سبب ضحكها كان لقول الرسول ﷺ لها: «يا فاطمة، أما تَرْضَيْنَ أن تكوني سيدة نساء المؤمنين، أو سيدة نساء هذه الأمة...؟». [متفق عليه].
والحديث دليل من دلائل نبوته ﷺ لأن فاطمة رضي الله عنها كانت أول الناس لحوقًا به ﷺ من أهله.
ولما رأت فاطمة ما بأبيها من الوجع الشديد، قالت: «واكرب أباه»، فقال لها الرسول ﷺ: «ليس على أبيك كرب بعد اليوم». [البخاري].
وكان بين يدي رسول الله ﷺ ركوة أو علبة ماء، يدخل يده في الماء فيمسح بهما وجهه ويقول: «لا إله إلا الله، إن للموت سكرات». [البخاري].
وبعد هذا ثقل عليه المرض فأصبح لا يتكلم، ولذا فعندما دخل عليه أسامة بن زيد رضي الله عنه دعا له بالإشارة. [ابن إسحاق، حسن].
ويبدو أن ذلك كان الوقت الذي لَدُّوه فيه، أي جعلوا في جانب فمه دواء بغير اختياره، وهو يشير إليهم بألا يفعلوا ذلك، وهم يظنون أن ذلك كان منه كراهية المريض للدواء. [البخاري]، ولكنه كان ينفي عنه تهمة الإصابة بمرض ذات الجنب الذي ظنوه. [عبد الرزاق؛ صحيح، ابن سعد، يتقوى] به، وهو نوعان: أحدهما ورم حار يعرض في الغشاء المستبطن، وهو المنفي عنه هنا، وثانيهما: ريح محتقن بين الأضلاع. [الفتح].
وقد روى أبو يعلى بسند فيه ابن لهيعة من وجه آخر عن عائشة أن النبي ﷺ مات من ذات الجنب. ويمكن الجمع بين الحديثين بأن الجنب المعنية هنا هي الريح المحتقنة بين الأضلاع. [الفتح لابن حجر].
ثم بدأت اللحظات الأخيرة من حياته ﷺ. فبينما كان في حجر عائشة، دخل عليه عبد الرحمن بن أبي بكر وفي يده سواك، فنظر إليه الرسول ﷺ، فعلمت عائشة أنه يريد السواك، فتناولته ولينته له فاستاك به، وعندما فرغ منه رفع يده وأصبعه وشخص ببصره نحو السقف، وتحركت شفتاه، فأصغت إليه عائشة، وهو يقول: «مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، اللهم اغفر لي وارحمني، وألحقني بالرفيق الأعلى، اللهم الرفيق الأعلى»، كررها ثلاثًا. [متفق عليه] وكان هذا آخر ما تكلم به، ثم مالت يده ولحق بالرفيق الأعلى. [البخاري].
وكان ذلك حين اشتد الضحى. [ابن إسحاق] أو في منتصف النهار. [الطبري: التاريخ]، فقالت فاطمة: «يا أبتاه، أجاب ربًا دعاه، يا أبتاه، مَنْ جَنَّةُ الفردوس مأواه، يا أبتاه، إلى جبريل ننعاه». [البخاري].
وأصح ما جاء في مدة مرضه الأخير عشرة أيام. [البيهقي: الدلائل، صحيح].
ولم يصدق عمر بن الخطاب رضي الله عنه نبأ وفاة الرسول ﷺ، فأخذ يقول: «إن رسول الله ﷺ لم يمت ولكن ربه أرسل إليه كما أرسل إلى موسى فمكث عن قومه أربعين ليلة. والله إني لأرجو أن يعيش رسول الله ﷺ حتى يقطع أيدي رجال من المنافقين وألسنتهم يزعمون - أو قال: يقولون - إن رسول الله ﷺ قد مات». [أحمد؛ عبد الرزاق؛ ابن إسحاق، وأسانيدهم صحيحة].
وجاء أبو بكر من السُّنح، فكشف عن وجه النبي ﷺ، ثم قبله وبكى وقال: «بأبي أنت وأمي لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كتب عليك فقد متها»، ثم خرج إلى الناس، وهم بين منكر ومصدق، لهول الأمر، فرأى عمر وهو يكلم الناس منكرًا موت الرسول ﷺ، فطلب منه أن يجلس، فأبى، فأقبل الناس إلى أبي بكر وتركوا عمر، فحدثهم أبو بكر قائلًا: «أما بعد: من كان منكم يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان منكم يعبد الله فإن الله حي لا يموت»، ثم تلا قول الله تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴿ ١٤٤ ﴾ ﴾ [آل عمران: 144]. فهدأ الناس وكأنهم لم يسمعوا الآية من قبل، وقعد عمر على الأرض لا تحمله رجلاه لما علم بموت الرسول ﷺ. [البخاري].
وفي يوم الثلاثاء، وهو اليوم التالي لوفاته ﷺ، غسلوا رسول الله ﷺ في ثيابه. [ابن إسحاق، حسن]، غسله العباس وعلي والفضل وقُثَم ابنا العباس وشُقْران مولى رسول الله وأسامة وأوس بن خولي. [ابن إسحاق، حسن].
وكان ماء غسله من بئر يقال له: الغَرْسُ، لسعد ابن خيثمة، كان يستعذب للرسول ﷺ منها. [ابن شبة، يعتضد].
وقالت عائشة رضي الله عنها عن كيفية غسله: «لما أرادوا غسل رسول الله ﷺ اختلفوا فيه، فقالوا: والله ما ندري كيف نصنع، أنُجَرِّدُ رسول الله ﷺ كما نجرد موتانا أم نغسله وعليه ثيابه؟ قالت: فلما اختلفوا أرسل الله عليهم السَّنَةَ حتى والله ما من القوم من رجل إلا ذَقَنُهُ في صدره نائمًا، قالت: ثم كلمهم من ناحية البيت، لا يدرون من هو، فقال: اغسلوا النبي ﷺ وعليه ثيابه، قالت: فثاروا إليه، فغسلوا رسول الله ﷺ وهو في قميصه يفاض عليه الماء والسدر، ويدلكه الرجال بالقميص، وكانت تقول: لو استقبلت من الأمر ما استدبرت ما غسل رسول الله ﷺ إلا نساؤه». [ابن إسحاق، حسن].
ثم كفنوه في ثلاثة أثواب بيض سَحُولِيَّة نقية أو من سحول اليمنية من كُرْسُفٍ، (قطن) ليس فيها قَمِيْصٌ ولا عمَامَة. [متفق عليه؛ ابن إسحاق، حسن].
ثم حفروا له قبرًا في حجرة عائشة. [الطيالسـي، صحيح؛ ابن إسحاق، حسن لغيره؛ ابن ماجه، يتقوى].
وصلى عليه الناس أرسالًا أرسالًا، يدخلون من باب فيصلون عليه، ثم يخرجون من الباب الآخر، لا يؤمهم أحد. [أحمد، برجال الصحيح؛ ابن سعد، البداية]. وقيل صلى عليه أولًا بنو هاشم، ثم المهاجرون، ثم الأنصار، ثم الناس حتى فرغوا، ثم النساء، ثم الصبيان. [ابن سعد]، ثم العبيد. [الطبري: التاريخ].
ثم دفنوه في ليلة الأربعاء. [ابن إسحاق، حسن].
إنا لله وإنا إليه راجعون! إنا لله وإنا إليه راجعون!!.
ولا يملك المرء المسلم إلا أن يبكي مع حسان. [ابن هشام؛ ديوان حسان]، وهو ينشد:
| فَبْكِيْ رسول اللّه يا عينُ عبرةً \وَمَا لَكِ لا تَبْكِينَ ذا النِّعْمَةِ التي فَجُودِي عليه بالدُّمُوع وَأَعْوِلِي وما فَقَدَ المَاضُونَ مِثْلَ محمد |
| ولا أَعْرِفَنْكِ الدَّهْرَ دَمْعُكِ يَجْمُدُ على الناس منها سَابِغٌ يَتَغَمَّدُ لِفَقْدِ الذي لا مِثْلُهُ الدَّهْرُ يُوجَدُ ولا مِثْلُهُ حتى القِيَامَةِ يُفْقَدُ |
ونبكي مع أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب حين بكى منشدًا:
| أرِقْتُ فبات ليلي لا يزول وأسعدني البكاء وذاك فيما لقد عُظمتْ مصيبتنا وجلت وأضحت أرضنا مما عراها فقدنا الوحيَ والتنزيل فينا وذاك أحق ما سالت عليه نبيٌ كان يجلو الشك عنا ويهدينا فما نخشى ضلالًا أفاطم إن جزعت فذاك عذر فقبر أبيك سيد كل قبر |
| وليل أخي المصيبة فيه طولُ أصيبَ المسلمون به قليلُ عَشِية قيل قد قُبض الرسولُ تكاد بنا جوانبها تميل يروحُ به ويغدو جبرئيل نفوس الناس أو كادت تسيلُ بما يوحى إليه وما يقول علينا والرسول لنا دليلُ وإن لم تجزعي ذاك السبيل وفيه سيد الناس الرسول |
[السهيلي].
ونقول باكين كما قالت ابنته وحبيبته فاطمة رضي الله عنها:
| اغبر آفاق السماء وكورت فالأرض من بعد النبي كئيبة فليبكه شرق البلاد وغربها وليبكه الطور المعظم جوه يا خاتم الرسل المبارك ضوؤه |
| شمس النهار وأظلم العصـران أسفًا عليه كثيرة الرجفان ولتبكه مضـر وكل يمان والبيت ذو الأستار والأركان صلى عليك منزل القرآن |
[السهيلي]
1- كفى بالموت عظة وعبرة... لقد شاء الله تعالى أن يكون الموت نهاية كل إنسان مهما طال عمره، ومهما كان موقعه من الحياة، وتلك سنة الحياة كما عبر عنها القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ ۖ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ ﴿ ٣٤ ﴾ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴿ ٣٥ ﴾ ﴾ [الأنبياء:34-35]، وفي قوله تعالى: ﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ﴿ ٣٠ ﴾ ﴾ [الزمر:30]. فها هو محمد بن عبد الله ﷺ خير البشر، يموت بعد أن عانى من سكرات الموت وآلام المرض... وإذا وعى الناس هذه الحقيقة استشعروا معنى العبودية والتوحيد، وخضعوا لله الواحد القهار، واستعدوا للموت بالإكثار من العمل الصالح وطاعة الله عز وجل وإخلاص العبادة له في كل مجال من مجالات الحياة، لا سيما عبادة الله سبحانه وتعالى في تحكيم شرعه والجهاد في سبيل ذلك، لأن الله عز وجل يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، لأن الله تعالى الذي خلق البشر خبير بما يصلحهم في الدنيا والآخرة... ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴿ ١٤ ﴾ ﴾ [الملك:14].
2- مشروعية الرقية - التعويذ - ما ثبت في ذلك في الصحيحين. وقد نقل النووي. [شرح مسلم] وابن حجر. [الفتح] وغيرهما الإجماع على مشـروعية الرقي عند اجتماع ثلاثة شروط: «أن يكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته، وأن يكون باللسان العربي أو بما يعرف معناه من غيره، وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها، بل بذات الله تعالى...». واللفظ لابن حجر.
3- بيان فضل أبي بكر الصديق عندما أصر الرسول ﷺ على أن يؤم الناس.
4- النهي عن اتخاذ القبور مساجد.
قال العلماء عن تكراراه ﷺ عبارة «إلى الرفيق الأعلى»: (لأن التخيير لم يزل يُعادُ عليه، وهي كلمة تتضمن لقاء الله، الذي هو لُبَابُ التوحيد وسر الذكر باللسان والقلب، ومنه يستفاد أنه لا يشترط في نجاة المحتضـر أن يتلفظ بـ«لا إله إلا الله»، إذا مات وقلبه مطمئن بالإيمان. والله أعلم). [الأنوار: بحرق].
5- لقد تضمن ما سقناه من أحاديث في خبر مرض وفاته ﷺ دروسًا وعظات وعبرًا وأحكامًا يستطيع المرء أن يستنبطها بيسر.