حجم الخط:

محتوى الدرس (26)

القسم الثالث: الشـرك في الألوهية:

[تعريفه]

وهو: اعتقاد أن غير الله تعالى يستحق أن يعبد أو صرف شـيء من العبادة لغيره [1].

وأنواعه ثلاثة، هي:

الأول: اعتقاد شـريك لله تعالى في الألوهية[2].

فمن اعتقد أن غير الله تعالى يستحق العبادة مع الله[3]، أو اعتقد أنه يستحق أن يصرف له أي نوع من أنواع العبادة فهو مشـرك في الألوهية.

ويدخل في هذا النوع: من يسمي ولده أو يتسمى باسم يدل على التعبد لغير الله تعالى[4]، كمن يتسمى بـ «عبدالرسول»، أو «عبدالحسين»، أو غير ذلك.

فمن سمى ولده أو تسمى بشيء من هذه الأسماء التي فيها التعبد للمخلوق معتقداً أن هذا المخلوق يستحق أن يُعبَد فهو مشـرك بالله تعالى الشـرك الأكبر، أما إن كان مجرد تسمية تقليداً لغيره فهو من الشـرك الأصغر.

النوع الثاني: صرف شيء من العبادات المحضة لغير الله تعالى:

فالعبادات المحضة بأنواعها القلبية والقولية والعملية والمالية حق لله تعالى لا يجوز أن تصرف لغيره - كما سبق بيان ذلك عند الكلام على توحيد الألوهية - فمن صرف شيئاً منها لغير الله فقد وقع في الشـرك الأكبر.

قال علَّامة الهند: صديق حسن خان القنوجي في تفسير قولـه تعالى: ﴿ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء: 23] قال رحمه الله: «قد تقرر أن العبادة لا تجوز إلا لله، وأنه هو المستحق لها، فكل ما يسمى في الشـرع عبادة ويصدق عليه مسماها فإن الله يستحقه، ولا استحقاق لغيره فيها، ومن أشـرك فيها أحداً من دون الله فقد جاء بالشـرك، وكتب اسمه في ديوان الكفر»[5].

والشـرك بصرف شيء من العبادة لغير الله له صور كثيرة، يمكن حصرها في الأمرين التاليين:

[صور الشرك في العبادة]

الأمر الأول: الشـرك في دعاء المسألة:

دعاء المسألة هو أن يطلب العبد من ربه جلب مرغوب أو دفع مرهوب[6].

ويدخل في دعاء المسألة: الاستعانة والاستعـاذة والاستغاثة والاستجارة[7].

قال الخطابي رحمه الله تعالى: «ومعنى الدعاء: استدعاء العبد ربه - عز وجل العناية، واستمداده إياه المعونة. وحقيقته: إظهار الافتقار إليه، والتبرؤ من الحول والقوة. وهو سمة العبودية، واستشعار الذلة البشـرية، وفيه معنى الثناء على الله - عز وجل - وإضافة الجود والكرم إليه»[8].

والدعاء من أهم أنواع العبادة، فيجب صرفه لله تعالى، ولا يجوز لأحد أن يدعو غيره كائناً من كان، قال تعالى: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴿ ٦٠ [غافر: 60]، وقال تعالى: ﴿ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ﴿ ١٨ [الجن: 18]، وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الدعاء هو العبادة»[9].

وقال صلى الله عليه وسلم في وصيته لابن عباس: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله»[10]، وروي عن عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الدعاء مخ العبادة»، وفي سنده ضعف[11].

فمن دعا غـير الله فقد وقـع في الشـرك الأكبر -نسأل الله السلامة والعافية-.

ومن أمثلة الشـرك في دعاء المسألة ما يلي:

أ‌- أن يطلب من المخلوق ما لا يقدر عليه إلا الخالق، سواء أكان هذا المخلوق حياً أم ميتاً، نبياً أم ولياً أم ملكاً أم جنياً أم غيرهم، كأن يطلب منه شفاء مريضه أو نصره على الأعداء، أو كشف كربة، أو أن يغيثه، أو أن يعيذه، وغير ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله، فهذا كله شـرك أكبر، مخرج من الملة بإجماع المسلمين[12]؛ لأنه دعا غير الله، واستغاث به، واستعاذ به، وهذا كله عبادة لا يجوز أن تصرف لغير الله بإجماع المسلمين، وصرفها لغيره شـرك، ولأنه اعتقد في هذا المخلوق مالا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى[13].

ب دعاء الميت.

ج دعاء الغائب.

فمن دعا غائباً أو دعا ميتاً وهو بعيد عن قبره، فقد وقع في الشـرك الأكبر، سواء أكان هذا المدعو نبياً أم ولياً، أم عبداً صالحاً أم غيرهم، وسواء طلب من هذا المدعو ما لا يقدر عليه إلا الله أم طلب منه أن يدعو الله تعالى له، ويشفع له عنده[14]، فهذا كله شـرك؛ لما في ذلك من دعاء غير الله، ولما فيه من اعتقاد أن هذا المخلوق الذي دعاه يعلم الغيب، ولما فيه من اعتقاد إحاطة سمع هذا المخلوق بالأصوات، وهذا كله من صفات الله تعالى التي اختص بها، فاعتقاد وجودها في غيره شـرك مخرج من الملة[15].

د‌- أن يجعل بينه وبين الله تعالى واسطة في الدعاء[16]، ويعتقد أن الله تعالى لا يجيب دعاء من دعاه مباشـرة، بل لا بد من واسطة بين الخلق وبين الله في الدعاء، فهذه شفاعة شـركية مخرجة من الملة[17]، ويدخل في شـرك الوسائط أيضاً: ما سبقت الإشارة إليه في الفقرة السابقة من طلب الشفاعة من الغائب أو الميت حال البعد عن قبره.

واتخاذ الوسائط والشفعاء هو أصل شـرك العرب[18]، فهم كانوا يزعمون أن الأصنام تماثيل لقوم صالحين، فيتقربون إليهم طالبين منهم الشفاعة، كما قال تعالى: ﴿ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ۚ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ [الزمر: 3].